إسماعيل حمودي يكتب.. ما بعد البغدادي – اليوم 24
اسماعيل حمودي
  • 723BBEAC-7E91-496B-BE08-25BD8AC43990

    خطاب المسيرة.. نفس ترابي واستراتيجي جديد

  • received_738535326614511

    أربع رسائل في الخطاب الملكي في ذكرى المسيرة الخضراء

  • مركز الاصلاح و التهديب عين السبع - التامك  (21)

    ارتفاع عدد السجناء بأزيد من 85 ألف يخلق اكتظاظا رغم بناء سجون جديدة

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب.. ما بعد البغدادي

تلقى تنظيم «داعش»، الأسبوع الماضي، ضربة قاصمة، بمقتل زعيمه أبوبكر البغدادي، على يد القوات الخاصة الأمريكية، وبمساعدة دول مثل تركيا وروسيا. وعلى خلاف مرات سابقة أعلن خلالها أن البغدادي قد قتل، ثم تبين لاحقا عدم دقة المعلومة، يبدو أن العملية الأمريكية الأخيرة قد أصابت الهدف بالفعل. لقد قتل البغدادي، ما يجعل السؤال الرئيس اليوم يدور حول مستقبل التنظيم في غياب زعيمه؟ وما الارتدادات المتوقعة بشأن ذلك على المغرب؟

تشير التحليلات، التي تسنى الاطلاع عليها أو الاستماع إليها، إلى أن مصير تنظيم «داعش» قد يكون هو مصير تنظيم القاعدة من قبله؛ بمعنى تراجع قوة التنظيم لا تفككه. لقد قتل أسامة بن لادن، لكن تنظيم القاعدة استمر، وإن بشكل أقل خطورة من ذي قبل. هذا الطرح لا يستحضر اثنين من بين أهم الاختلافات السياسية بين التنظيمين؛ يكمن الاختلاف الأول في الهيكلة التنظيمية الصارمة لدى داعش، مقارنة بهيكلة تنظيمية أخف لدى «القاعدة»، فيما يتعلق الاختلاف الثاني بوجود «داعش» في بيئة حاضنة في العراق وسوريا، مقابل بيئة أقل احتضانا لتنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان.

لقد تلقى تنظيم «داعش» ضربة قاسية أيضا في مارس الماضي، حين فقد آخر معاقله في «الباغوز» السورية، لكنه أبان عن قدرة على الاستمرار والانتقام، حيث تبنى مئات العمليات القتالية في سوريا والعراق حتى 24 أكتوبر المنصرم، ففي العراق شن 330 هجوماً في دير الزور، و103 في الحسكة، و99 في الرقة، وفي العراق، أعلن التنظيم مسؤوليته عن شن 275 عملية إرهابية في ديالى، و111 في كركوك، و95 في نينوى، و94 في الأنبار، و92 في بغداد. بل أعلن في أبريل الماضي ولاية جديدة باسم «ولاية وسط إفريقيا» قامت بعمليات في الكونغو وموزنبيق، في مؤشر على قدرة التنظيم على التمدد إلى مناطق جديدة.

لذلك، فالقول إن مصير «داعش» قد يكون هو مصير «القاعدة» يبقى مجرد فرضية تحتاج إلى الوقت للتأكد منها، لأن المؤشرات السابقة تفيد بأن قوة «داعش» قد تتراجع، لكن ليس إلى درجة الضعف الذي يوجد عليه تنظيم «القاعدة»، بل الراجح أن يظل «داعش» التنظيم الجهادي الأقوى في العالم، وأن يظل مصدر خطر أساسي بالنسبة إلى الدول التي تحاربه، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في المناطق التي أسّس فيها فروعا له. ومما يعزز هذا التوقع أن العوامل نفسها التي أدت إلى ولادة «داعش» سنة 2014، ظلت حتى اليوم دون حل جذري أو معقول، سواء في سوريا أو العراق، إن لم تكن قد استفحلت أكثر؛ وتتمثل أساسا في التدخل الأجنبي في المنطقة، وسيطرة القوى الشيعية في البلدين، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز أنظمة الاستبداد والفساد، وظهور دول فاشلة في المنطقة (اليمن، ليبيا، سوريا…)، وإفشال جل محاولات الانتقال نحو الديمقراطية بعد ثورات 2011. إن قول توماس فريدمان، الكاتب الصحافي الأمريكي، إن «البغدادي الجديد موجود الآن في السجون المصرية!»، ينبغي أخذه بكثير من الجدية في هذا السياق.

الراجح، إذن، أن تنظيم داعش قد يعيد هيكلة نفسه، لكن خلال عملية الهيكلة هذه قد تبرز ثلاثة مكونات؛ الأول، هم «الإيديولوجيون» الأكثر اقتناعا بأفكار التنظيم، ممن سيفضلون البقاء والتكيف مع الوضع الجديد، خاصة السوريين والعراقيين. المكون الثاني، هم «المرتزقة» ممن أضحى القتال لديهم «مهنة» ومصدر دخل، وهؤلاء منهم من سيفضل البقاء، ومنهم من سيختار الالتحاق بأي تنظيم جهادي آخر سيدفع لهم أكثر، علما أن لهم القابلية للاستعمال من لدن الدول أيضا؛ أما المكون الثالث فيتجلى في المقاتلين الأجانب في التنظيم الذين التحقوا به لأسباب مختلفة، وهؤلاء منهم من سيفضل العودة إلى بلاده، ومنهم من قد يقصد دولا أخرى مثل دول جنوب شرق آسيا.

في هذا السياق، سيكون التحدي الأساسي بالنسبة إلى المغرب هم المقاتلون العائدون، وهو تحدٍّ نمتلك حوله بعض المؤشرات، ففي سنة 2018، صرّح عبد الحق الخيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بعودة 200 شخص جرى اعتقالهم وإحالتهم على القضاء، طبقا لقانون كان قد صدر سنة 2015 يجرم السفر إلى بؤر التوتر، ويتوقع، بناء على ذلك، أن تشهد سنة 2019، خصوصا بعد مقتل البغدادي، ارتفاع عدد هؤلاء العائدين، وبالتالي، ارتفاع مستوى التحدي بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية، بخصوص مراقبتهم واستباق أي محاولة لإنشاء عمل إرهابي، وهذا احتمال قائم، كما أكد ذلك حدث تفكيك خلية تازة في أبريل الماضي.

الخلاصة أن «داعش» بعد البغدادي قد تتراجع قوتها، لكن ليس إلى الحد الذي يمكن معه التشكيك في قدرتها على الفعل الإرهابي، ما يقتضي من المغرب الاستمرار في تعزيز مقاربته التي أثبتت فعاليتها إلى حد الآن، لمنع الارتدادات المحتملة.

شارك برأيك