بنحمزة يكتب: ماذا یصنع الفراغ عندما تموت السیاسة؟ – اليوم 24
بنحمزة
  • إسقاط المصارف أم إسقاط الأنظمة؟

  • بركات نهر الغانج!

  • التعديل الحكومي… ليس بالإمكان أحسن مما كان!

الرأي

بنحمزة يكتب: ماذا یصنع الفراغ عندما تموت السیاسة؟

الدخول السیاسي تقلید أصیل في البلدان الدیمقراطیة، دخول یترافق مع أشكال أخرى، من أبرزها الدخول الثقافي، یعبر ذلك عن حیویة الحیاة السیاسیة والثقافیة، وعن الدینامیة التي تسم تلك المجتمعات أما في البلدان المتأخرة دیمقراطیا، فإن الحدیث عن الدخول السیاسي لا
یعدو أن یكون نوعا من التكلف الذي لا یسعفه الواقع…، كان یفترض أن یكون شهر أكتوبر قد عرف انطلاق دینامیة سیاسیة تبشر بتحولات عمیقة، وفق جدول أعمال وضعه ملك البلاد في خطاب العرش الأخیر، جدول أعمال یتوزع بین السیاسي والاقتصادي والاجتماعي، كل ذلك تحت عنوان مركزي هو النموذج التنموي الجدید، وكذلك، السیاق الدولي والإقلیمي والجهوي، الذي یشهد صیغة جدیدة من الربیع الدیمقراطي أكثر عمقا ونفاذا للإشكالیات الحقیقیة التي تعرفها دول المنطقة…، لكن على أهمیة ودقة القضایا التي یثیرها الانتقال من مرحلة إلى أخرى في بلادنا، فإن المشهد السیاسي والحزبي في مجمله، لا یوحي ولا یقدم مؤشرات على جدیة التعاطي مع الاستحقاقات الحالیة والقادمة بمسؤولیة، بل تَجدد منطق المحاصصة داخل الحكومة، وكأن نخب الأحزاب على رأسها الطیر، أو جزءا واسعا منها استكان لهامشیته في المشهد السیاسي والمؤسساتي، بل إن جزءا واسعا من النخبة السیاسیة والثقافیة استحسن أن تكون الدولة هي من یجب أن تكون في الواجهة وفي المواجهة، مع مختلف مظاهر الإحباط الاجتماعي… فكم من حاجة قضیناها بتركها، لیس بمنطق
الواقع المؤسساتي والدستوري الذي لا یرتفع ولا یمثل جدیدا على كل الحال، ولكن بمنطق انهزامي یقترب من كونه انتهازیة رخیصة أعلنت الاستقالة الكاملة من قضایا البلاد ومن الحلول التي یجب اقتراحها وتقدیمها في ظرفیة دقیقة.

تواجه بلادنا الیوم وضعیة خاصة تنطوي من جهة، على تحدیات مصیریة، لكنها من جهة أخرى، تنطوي، أیضا، على فرص تاریخیة. صحیح أن رؤیة الوضعیة العامة للبلاد لازالت تتم بمنظور سیاسوي ضیق لا یأخذ بعین الاعتبار دقة المرحلة والأعطاب البنیویة التي تراكمت على مدى عقود..، هناك قضایا ساخنة تنتظر مبادرات من مختلف الطیف السیاسي، وهي مسؤولیة وطنیة كبیرة یجب أن تكون في صلب اهتمام وأولویة كل مشتغل بالعمل السیاسي.

على المستوى الاقتصادي كل المؤشرات توضح أن بلادنا مقبلة على اختبار كبیر لقدرتها على الاستمرار في مقاومة الطابع البنیوي للأزمة الاقتصادیة وما لها من تداعیات على الاستقرار بصفة عامة، وهو ما یجعلالتحدي الاقتصادي والاجتماعي أولویة الأولویات، إذ تكفي إطلالة بسیطة على منطقة شمال إفریقیا والشرق الأوسط، لیتأكد لنا أننا بصدد مقدمات تغییرات عمیقة في المنطقة، وأن التحدي الرئیس، هو تحدي اقتصادي وما یلي ذلك من حاجة إلى بناء مؤسسات حقیقیة قادرة على لعب أدوارها كاملة، كل ذلك یثبت وهم سردیة السیاق الدولي، وفرضیات هذه السردیة التي كانت تقدم صعود الجمهوریین، وخاصة دونالد ترامب، وانزیاح أوروبا إلى أقصى الیمین، بمثابة غطاء أو دعوة للالتفاف على مطالب الإصلاح السیاسي وأن تلك العملیة یمكن أن تتم بلا تكلفة تقریبا، هذا الوهم بدأ یتساقط بشكل واضح وسیكون من المفید بالنسبة إلى الطبقة السیاسیة ببلادنا عدم تجاهل ذلك.
إن العدمیة یصنعها الفراغ، والفراغ الحاصل نتیجة تفكك بنیات الوساطة وعجزها عن المبادرة، لا یمكن توقع نتائجه المخیفة على الحاضر والمستقبل.

شارك برأيك