يونس مسكين يكتب: لماذا نتسلّح؟ – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: هموم إعلامية

  • لطيفة أخرباش

    أخرباش: حذف وزارة الاتصال مكسب ديمقراطي

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: لغم الأمل في طريق بنموسى

المرأة

يونس مسكين يكتب: لماذا نتسلّح؟

طلعت علينا الإدارة الأمريكية هذا الأسبوع بإعلان موافقتها على طلب مغربي جديد للحصول على سرب من مروحيات«أباتشي»، يضم 36 مقاتلة، مع قائمة طويلة من التجهيزات التكنولوجية والذخائر وأجهزة الاتصالات بقيمة إجماليةللصفقة تناهز الـ45 مليار درهم.

وكانت الوكالة الأمريكية للتعاون الأمني والعسكري قد أعلنت، في شهر مارس الماضي، صفقة أخرى بقيمة مماثلة،أي أكثر من 43 مليار درهم، تهم اقتناء المغرب 25 طائرة مقاتلة جديدة من نوع «إف16»، وتطوير 23 مقاتلة التييتوفّر عليها من هذا النوع. أي أننا في بحر سنة واحدة أمام صفقتي تسلّح بقيمة استثنائية يناهز مجموعها 90 مليار درهم، دون احتساب الصفقات الأخرى الصغيرة والمتوسطة، وتلك المبرمة مع مورّدين آخرين غير أمريكيين

السؤال الأول الذي يتبادر إلى أذهان متابعي هذه الأخبار، هو: لماذا يتسلّح بلد من حجم المغرب باقتصاد يقوم علىالقيمة المضافة للأنشطة الفلاحية والخدماتية والصناعية البسيطة؟ من هم أعداء المغرب الذين يهددون سلامته وأمنهإلى درجة دفعه إلى طلب الحصول على أسراب من المقاتلات وأقمار اصطناعية ومئات الدبابات وفرقاطات حديثةوغواصات محتملة؟

من لا يدرك مبرر طرح مثل هذه الأسئلة أصلا، يكفيه أن يعرف أن ما يناهز المائة مليار درهم المعلنة قيمة لصفقاتجارية لشراء الأسلحة، يعادل، مثلا، ميزانية بناء مائة مستشفى جامعي، أو ميزانية وزارة التعليم بجميع بنودها مدةعامين، أو مجموع أجور الموظفين التابعين لجميع الإدارات العمومية مدة عام كامل

لا شك أن المغرب يعتبر في حالة حرب منذ مبادرته إلى استرجاع صحرائه في منتصف السبعينيات، وبالتالي، فإنالخصم المباشر في هذه الحرب قد يكون المعني الأول بأي إنفاق عسكري. لكن التقارير التي تقارن بين القوتينالعسكريتين للمغرب والبوليساريو تقول إن المملكة تنفق مئات المرات ضعف ما تنفقه الجبهة الانفصالية من أجلالتسلّح. وأبسط الخبراء العسكريين يدركون أن ميليشيا تحترف حرب العصابات مثل تلك المتمركزة في تندوف، لاتواجه بأسراب «الإف16» و«الأباتشي» ومئات الدبابات والصواريخ الخفيفة المحمولة على الكتف

في المقابل، تعتبر حرب المغرب ضد جبهة البوليساريو مجرد قناع لحرب حقيقية مع الجارة الجزائر، التي كانت قداستغلّت مرحلة الطفرة النفطية، التي عاشها العالم في العشرية السابقة، لترفع من حجم إنفاقها العسكري بشكلجنوني. هنا فقط نبدأ في تلمّس بعض الأجوبة عن أسئلتنا السابقة.

فجلّ صفقات التسلّح الكبرى التي أبرمها المغرب في السنوات القليلة الماضية تجد تفسيراتها في نوعية العتادوالأسلحة التي اقتنتها الجزائر، وكل قطعة سلاح جديدة يطلبها المغرب من واشنطن، يكون معيار اختيارها هو مدىفعاليتها في مواجهة الأسلحة الروسية التي تهيمن على «عقيدة التسلّح» الجزائرية. «الإف16» الأمريكية فيمقابل «سوخوي» الروسية، ودبابات «أبرامز» ومعها «الأباتشي» الأمريكية في مقابل «أرماتا ت14» الروسيةفماذا عن الواجهة الشمالية؟

نظريا، يواجه المغرب في واجهته البحرية الشمالية خصما لا يخرج عن دائرة الأعداء المفترضين. فبين المملكتينالمغربية والإسبانية خلاف حدودي لا يقل جدّية عن النزاع حول الصحراء. لكن واقع الحال يفيد بأن الظروفوالمعطيات الدولية والإقليمية تجعل فكرة حرب شاملة ومفتوحة بين البلدين مستبعدة في المدى المنظور. لا يعود ذلكفقط إلى التفوّق العسكري الإسباني الواضح، بل إلى أن المملكتين تطلان على واحد من أهم المعابر البحرية الحيويةبالنسبة إلى القوى الدولية، وبالتالي، سيصبح أي توتّر جدي بينهما شأنا دوليا، كما كان الحال مع أزمة جزيرة ليلىعام 2002.

الحقيقة أن ما يقوم به المغرب في مجال التسلّح يكاد يطابق ما توقّعه تقرير وكالة Strategic Defence Intelligence اللندنية، الذي عرضته مستهل 2017 أمام الدارسين والمصنعين والمتاجرين في السلاح عبر العالم. قال هذا التقرير إن المغرب وضع خطة تسلّح خاصة بالفترة 2017-2022، تحمل تصورا شاملا لطموحات المغربفي مجال السلاح الجوي والبحري والبري والفضائيويؤكد هذا التقرير في النهاية أن التسلّح المغربي موجهبشكل شبه حصري ضد نظيره الجزائري.

قد يجد المرء نفسه هنا أمام تناقض، سطحي على الأقل، مع خطاب الوحدة المغاربية واليد الممدودة التي عبّرت عنهاالمملكة تجاه جارتها الشرقيةلكن من يرغب في تبرير حمى التسلّح هذه لن يعدم الحجج، أقلها قاعدة: «من أرادالسلام عليه أن يستعد للحرب». ليبقى الثابت الوحيد في هذا الجدل هو أن المغرب يخصّص قرابة 3 في المائة منناتجه الداخلي الخام للإنفاق العسكري. نسبة تعتبر كبيرة وتكاد لا تعادلها إلا الولايات المتحدة الأمريكية التي توظفقوتها العسكرية لحماية نفوذها الاقتصادي والسياسي العالمي، أي أن الإنفاق العسكري الأمريكي بمثابة استثمار.

ما دلالة كل ما سبق؟ هل على المرء أن يختار بين موقف مباركة المجهود الذي تقوم به الدولة في مجال التسلحواختياراتها فيه، وبين الموقف المنتقد لصرف الملايير في شراء معدات عسكرية على حساب الاقتصاد والتنمية؟

أعتقد أن هناك موقفا وسطا، هو إحياء النقاش الوطني حول القضايا الاستراتيجية، بالمعنى الذي يجعل القوى الحيةللمجتمع مشاركة في التخطيط للمستقبل، وأخذ البعد العسكري والاستراتيجي بعين الاعتبار. وإلا لن يكون هناكمعنى لادعاء حزب أو نقابة أو برلمان أو حكومة تخطيطه لرفع النمو وتحقيق التنمية، فيما يترك 3% من الناتجالداخلي الخام خارج حساباته. ولن نحقق النهوض إذا كنا نستبعد حسابات الربح والخسارة في علاقتنا بمحيطناالإقليمي.

إن حرص الدولة على تحقيق التوازن مع الخصوم، وامتلاك القدرة على الردع أمام التهديدات القائمة، أمر مشروع بلواجب، لكن، ما دور باقي القوى المجتمعية والسياسية في بناء ما يشجع دول المنطقة، أو يرغمها، على الاستثمار فيالمشترك بدل ما يفرّق؟ وهل ندرك حجم الخسارة الناجمة، ليس عن صرف الملايير لحساب عمالقة السلاح في العالم،بل عن ضم هذا الإنفاق إلى ما نفوّته على أجيال الحاضر والمستقبل من فرص النمو والإنتاج والتصدير باستسلامناأمام مشهد سباق التسلّح كما لو كان قدرا محتوما؟.

شارك برأيك