عادل بنحمزة يكتب: من طهران إلى سانتياغو.. دروس مجانية ! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: من طهران إلى سانتياغو.. دروس مجانية !

  • عادل بنحمزة يكتب: دروس «بورقعة»!

  • عادل بنحمزة يكتب: السلطان أردوغان والنادي المسيحي!

ما يجري في الشارع من طهران إلى سانتياغويحمل أسئلة حقيقية تحفر في بنيات السلطة العميقة والمعقدة،وهي على خلاف الموجة الأولى للربيع الذي عرفته منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والتي كانت في أغلبيتهاأقرب إلى ثورات من نوع «الفاست فود»… فإن الموجة الجديدة، وإن كانت قد انطلقت بتحريض من قرارات صغيرةمستفزة، فإنها تحولت إلى رفع مطالب شمولية تستهدف معالجة الخلل البنيوي الذي تعانيه السلطة والديمقراطيةوالعدالة الاجتماعية

  في السودان كان كافيا رفع أسعار الرغيف بثلاثة أضعاف وقرار الأبناك تسقيف ما يمكن أن يسحبه المواطنون منأموال، لكي تندلع مظاهرات قادها الطلبة وانتهت بخروج الشعب إلى الشوارع، فانتقلت المطالب من إسقاط الزيادةفي ثمن الرغيف، إلى إسقاط البشير رأس النظام السوداني وذلك ما كان.                      

  في الجزائر شكل قرار ترشيح عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة، وهو رجل مقعد، استفزازا أرعن للشعب الجزائريولنخبه المختلفة، فخرج الشعب للشارع مطالبا بإسقاط العهدة الخامسة، لكن دينامية الحراك تجاوزت ذلك من خلالالمطالبة بإسقاط كل أركان النظام الحاكم منذ الاستقلال ممثلة في الدولة العميقة، ورغم سحب ترشيح بوتفليقة وإلغاءالانتخابات الرئاسية، فإن الشارع رفع شعار: «يتنحاو كاع».. ويرفع اليوم «مدنية مدنية ماشي عسكرية» احتجاجا على الجنرال «قايد صالح»، الذي يسارع الزمن من أجل وضع رئيس على المقاس في قصر المادية، وهو مايرفضه الشارع الجزائري من خلال مظاهرات متواصلة منذ فبراير الماضي، مما يدل على أن الجزائر مقبلة علىمنعطف خطير.

في العراق خرجت المظاهرات احتجاجا على البطالة وضعف الخدمات العامة، خاصة الكهرباء والماء الصالحللشرب في دولة تَنامُ على احتياطي كبير من النفط، لكن سرعان ما تحولت مطالب الشارع إلى مطالب أكبر وأعمقتتعلق بإسقاط النظام الطائفي ومعه النخبة السياسية والحزبية الفاسدة، إذ تشير مصادر مختلفة أن تكلفة الفسادفي العراق بلغت أزيد من 450 مليار دولار منذ إسقاط نظام صدام حسين، ويبدو من خلال الدينامية التي يعرفهاالشارع العراقي أن الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد تفتقد إلى القدرة على تجاوز الوضع الحالي، ومما يعقد ذلككونها فقدت مصداقيتها.

في لبنان عمدت الحكومة إلى وضع رسوم على استخدام تطبيق «الواتساب» في نوع من العمى أو البلادةالمحاسباتية التي تنظر إلى الميزانية ومالية الحكومة نظرة تقنية تسقط عنها أي مسؤولية اجتماعية وسياسية، فكانتتلك الرسوم شرارة لثورة أخرجت قرابة نصف الشعب اللبناني إلى الشارع، فتجاوز الشارع مطلب إسقاط الرسومإلى إسقاط الطائفية والمحاصصة الطائفية التي يستثمر فيها قادة الطوائف لتأبيد سلطانهم وسطوتهم ولما توفره لهمولأتباعهم من حصانة، لذلك توحد اللبنانيون بشكل غير مسبوق واستثنائي رافعين شعار: «كِلُّنْ يَعْني كِلُّنْ»، وهو مايعني أن سنوات الشحن والاستقطاب الطائفي، وضعها اللبنانيون خلف ظهورهم، بل استطاعوا تحديد خصومهمبدقة وأولهم البنية الطائفية للدولة التي تمثل تحريفا لاتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الأهلية، وثانيهم النظامالمصرفي الذي يمثل صورة واضحة للطابع البنيوي للفساد في لبنان

في إيران شكل قرار رفع أسعار البنزين الشرارة التي أخرجت المواطنين إلى شوارع أزيد من سبعين مدينة، صحيحأن المظاهرات عرفت شعارات لم تتجاوز إطار المطالب الاجتماعية والتراجع عن الزيادة في أسعار البنزين، لكنالانخراط الواسع في المظاهرات وإضراب تجار بازار طهران الذين كان لهم دور حاسم في إسقاط نظام الشاه سنة1978، يمكن أن يشكل مؤشرا على أن مطالب الشارع قد لا تقبل مستقبلا بسقف التراجع عن رفع الأسعار، علما أنإيران تعاني منذ سنوات من حصار اقتصادي واسع تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها ومنذ بداية حربالخليج الأولى في مواجهة العراق، سخرت مواردها لتمويل الجهد العسكري ليس فقط لحماية حدودها، بل لتصديرالثورة و»حماية» الأقليات الشيعية ولخدمة رهاناتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أثر ويؤثر فيجودة الخدمات العمومية لمدى عقود.

في الشيلي خلف قرار الحكومة الرفع من الرسوم المفروضة على تذاكر الميترو النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبةإلى لشعب الشيلي فخرجت مظاهرات واسعة في سانتياغو لم تتوقف رغم تراجع الحكومة عن تلك الرسوم بل إنالرئيس الشيلي أقر بخطأ في الرؤية الاقتصادية، ورغم أنه أعلن عن زيادة في المعاش الأساسي الشامل نحو 20 في المائة، وتجميد الرسوم على الكهرباء واقتراح قانون يتيح للحكومة تحمل تكاليف العلاج الطبي باهظ الثمن، فإنالمظاهرات لم تهدأ، بل استمرت موجهة سهامها في مواجهة الرأسمالية المتوحشة التي تعاملت دائما مع أمريكااللاتينية كحديقة خلفية رعت فيها مختلف صنوف الديكتاتوريات العسكرية، بل إن المطالب بلغت حد المطالبة برحيلرئيس الدولة والحكومة احتجاجا على المنظومة السياسية ككل وضد الفوارق الاجتماعية، ورغم أن الفرقاء السياسييناتفقوا على عرض دستور جديد على الاستفتاء الشعبي شهر أبريل المقبل، فإن المتظاهرين يرفضون مغادرةالشارع

كل هذه الانتفاضات الشعبية كانت انطلاقتها عبارة عن شرارة صغيرة لم يكن صانعوها يعتقدون أنها ستقود إلى ماقادت إليه من تحولات نوعية في خطاب ومطالب الشارع، خاصة طرحه لإشكاليات بنيوية عميقةإنها دروس مجانيةلا بد من الانتباه إليها بكثير من الوعي والحكمة.

شارك برأيك