حملة مدام ميتران على الملك الحسن الثاني: دروس من الماضي – اليوم 24

حملة مدام ميتران على الملك الحسن الثاني: دروس من الماضي

  • بلال التليدي يكتب: النكوص الديمقراطي ومأزق الإصلاحيين

  • بلال التليدي يكتب: ارتباك مدرسي

قبل أيام زرت أحد مناضلي الكتلة الديمقراطية، فحدثني من بين ما حدثني، عن أزمة مر بها المغرب في علاقته بفرنسا، وكان السياق تصريحات مدام ميتران المستهدفة لملك البلاد الحسن الثاني رحمه لله. وجرى الاتفاق بين الفرق النيابية على عقد جلسة في البرلمان، لمواجهة هذه الحملة، لكن المشكلة، أن وزير الداخلية إدريس البصري رحمه لله، كان يريد أن تمر الجلسة على هوى السلطة، فضغط على رئيس البرلمان أحمد عصمان، أن يحث زعماء المعارضة على الضوابط التي ينبغي التزامها في كلمات فرقهم، ومن ذلك، عدم الإشارة إلى أي نقد سياسي للأوضاع، وأن من شأن ذلك أن يضعف الجبهة الداخلية.

لكن زعماء المعارضة الاستقلالية والاتحادية، غضبوا غضبا شديدا بسبب هذه السابقة غير المعهودة في تاريخ العلاقة بين السلطة وبين المؤسسة التشريعية من جهة، وبين رئيس البرلمان ورؤساء الفرق من جهة أخرى، إذ لم يكن مقبولا بأي وجه من الوجوه أن يتم التدخل في توجيه كلمات البرلمانيين وتحديد ما ينبغي لهم قوله.

المهم، يُضيف الراوي، توترت الأجواء، وكادت قيادات الكتلة تتجه إلى مقاطعة الجلسة أو إلغائها بالكامل، لولا أن السلطة في الأخير، تفهمت الموقف، وتركت الأمور تجري على الطبيعة، لا على الصناعة السلطوية، فكانت النتيجة أن الجلسة كان لها أثر قوي ورسائل متجهة، إلى درجة ثناء الملك الحسن الثاني عليها، وعلى أداء المعارضة بشكل خاص، في مقابل انزعاجه من بعض كلمات زعماء الأحزاب الإدارية، التي أظهرت عجزها، وعدم قدرتها على الدفاع عن المؤسسات ورموز البلاد.

لست من هواة رواية القصص، وإن كنت مولعا بدراسة المذكرات وتحصيل المعنى السياسي منها، فما استرعاني في الحدث، أن المغرب رغم التحولات العميقة التي مست مختلف بنياته، إلا أن العقلية التي تُدار بها السياسية فيه لم تتغير، فالسلطة لاتزال تُعول على أحزاب إدارية، يفتقد رموزها للتجذر السياسي وللثقافة التواصلية مع الجمهور التي تسمح لهم بدور ما في مواجهة المخاطر التي تستهدف البلد.

لنعد إلى أرشيف هذه الجلسة في البرلمان، فسياقها الزمني ليس بعيدا، ولننظر ونحلل كلمة أرسلان الجديدي رحمه لله، وما هو الخطاب الذي واجه به حملة مدام ميتران، ولنقارن ذلك بكلمات حزبين كانا وقتها أمل المغاربة في التغيير، ولنرى الفرق. والعهدة على الراوي، فقد أخبرني أن الملك الحسن الثاني، أبلغ قيادة الاتحاد والاستقلال، إعجابه الشديد بموقفهما المعبر عنه في تلك الجلسة، رغم أنه حمل نقدا لاذعا لمنطق التحكم، والأداة التي كانت تديره، مجسدة في شخصية رضا كديرة رحمه لله.

اليوم، يتابع الجميع كيف يتم السخرية من خطاب السيد عزيز أخنوش، والحقيقة، أني لست معنيا بدرجة أولى بنقد أسلوبه وبعض مفرداته التي تشير إلى ضعفه السياسي والتواصلي، فما يهمني بالأساس، هو أن تدرك السلطة السياسية، وهي على كل حال تدرك ذلك في الأزمات، أنه لا يمكن بحال لبلد لم تخرج يوما من التحديات الداخلية والخارجية، أن تبني خياراتها السياسية الداخلية على الفراغ، وتعتمد على السراب.

لا يمكن أن نسير في الاتجاه الغلط دائما ومن غير مراجعة، حتى إذا جاءت الأزمات الشديدة، تتداعى أصوات من داخل السلطة، تنتقد الأحزاب والشخصيات على عدم قيامها بالواجب تجاه المؤسسات. لا بد أن ننتهي من العبث. فلدينا ما يكفي من الدروس، على أن العبث في السياسة هو الذي يولد هذه الأزمات، وأن نتائج التحكم في المشهد لن يكون غير ضعف الأحزاب، ولا يمكن في وقت الأزمات أن نطلب القوة من أحزاب انتهت سياساتنا إلى إضعافها وإفقاد الثقة فيها. الوقت لم يضع بعد، والغيارى والخائفون على الاستقرار والمؤسسات، والمحبون للملكية وللملك هم الأكثرية، وهم قادرون دائما على لعب أدوارهم باستقلال عن توجيه السلطة، لكن، لا يمكن لهؤلاء أن يتحركوا في مناخ تزداد فيه الكراهية لأساليب السلطة في إفساد السياسة والتحكم في الأحزاب، وترتيب خرائط لا علاقة لها بالانتخابات، والاستهداف المتحايل للحريات.

يحتاج المنافحون الحقيقيون عن المؤسسات وعن الملكية إلى توفير مناخ ثقة، يكونون فيه أقدر على القيام بدورهم، مناخ تنتهي فيه السلطة عن تقييد الحريات، وترسل إشارات إيجابية في ذلك، وتكف يدها عن التدخل في حقل السياسة، وتدعها للفاعلين في حقلها، وتخرج من دائرة توجيه العمليات الانتخابية، والضغط لتغيير نتائجها من خلال تشكيل حكومات لا علاقة لها بأرقامها.

شارك برأيك