أبرز ما ورد في مصطفى العلوي التي نشرتها جريدة “أخبار اليوم” 10 سنوات قبل رحيله – اليوم 24
مصطفى العلوي
  • فاطمة الزهراء أبوفارس

    نشرت عبارة “في بلادي ظلموني”.. هل تعرضت أبو فارس لمؤامرة من جامعة التايكواندو؟

  • البام

    قيادي بارز في تيار “المستقبل” يطعن في قانونية مؤتمر “البام”.. وتحذيرات من تصفية جارية لتيار بنشماش

  • طقس

    طقس الأحد.. بارد مع أمطار ضعيفة

مجتمع

أبرز ما ورد في مصطفى العلوي التي نشرتها جريدة “أخبار اليوم” 10 سنوات قبل رحيله

استوطنت الصحافة عقل الطفل مصطفى العلوي، واستبد الحماس بقلبه وهو بعد صبيا يافعا يستكشف الحياة من خلال دروب فاس العتيقة. “ومن خلال تجربتي الشخصية التي ابتدأت وأنا طفل صغير، تأكد لي أن الصحافة هي التي كانت في نظري وسيلة لصنع الحماس. ولست بقادر اليوم على الإدلاء بشهادة بعد القسم بالله العظيم، لأن أقول الحق، لأصف الحماسة بأنها هي التي صنعت الصحافة، أو الصحافة هي التي خلقت الحماس”، يقول مصطفى العلوي ليعيدنا إلى سؤال: هل الحماس هو من صنع الصحافي مصطفى العلوي، أم أن الصحافة هي من أكسبته حماسا لم تزده السنون إلا توهجا رغم امتدادها على أكثر من ستة عقود؟

فالحصول على شهادة التعليم الابتدائي أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، وفي مدينة فاس تحديدا، لم يكن يعني غير الالتحاق بجامعة القرويين. وهو ما حصل مع الطفل مصطفى العلوي سنة 1947. ورغم أن الأسرة كانت فقيرة الحال، والأب أمي لا يحسن القراء والكتابة، فإن الطيب العلوي، والد مصطفى، قرر النزوح من مدينة فاس، واستئجار بيت في مدينة سلا، متيحا لابنه الالتحاق بمدارس محمد الخامس حديثة التأسيس. هناك حيث جاور في مقاعد الدرس زملاء من أمثال عبدالرحمان بنعمرو، وأحمد السطاتي، وعبدالحفيظ المدوّر… والذين شكلوا إلى جانب مصطفى العلوي، الدفعة الثانية لمدارس محمد الخامس، بتخرجهم سنة 1953.

حداثة عهد المملكة بالاستقلال، وحاجة البلاد إلى الأطر المكونة من أجل ملء الفراغ الذي خلّفه رحيل الفرنسيين، جعل من أفراد تلك الدفعة محظوظين، فقد أرسلتهم وزارة الخارجية المغربية لاستكمال تعليمهم الجامعي في الخارج، بالعاصمة السورية دمشق تحديدا، وكان جل المسافرين قد استفادوا من منحة يقدمها حزب الاستقلال. ولأن مصطفى العلوي يقطن بمدينة سلا، فقد تم توجيهه نحو مكتب الحزب المكلف بإرسال الطلبة إلى الخارج، والذي كان يرأسه الصيدلي العربي حصار.

المسؤول الاستقلالي طلب من الشاب الطامح إلى إكمال دراسته الجامعية في الخارج، إحضار شهادة من مكتب الحي التابع لحزب الاستقلال، غير أن المسؤول عن هذا المكتب كان بـ”سمعة سيئة”، ولذلك رفض والد مصطفى العلوي الذهاب إليه وطلب الشهادة، فلم يحصل مصطفى على المنحة ولم يسافر إلى دمشق.

التحق مصطفى العلوي بالمقابل بمعهد الدراسات العليا بالرباط، الذي كان حينها يجاور وزارة التعليم، وتخصص الشاب مصطفى العلوي في دراسة اللغة العربية. “ربما كان فيها خير، لأن الذهاب إلى سوريا كان سيجعلني أعود منها إما محاميا أو أستاذا، بينما الصحافة تمثل بالنسبة إليّ، فرصة لدخول التاريخ”، يقول مصطفى العلوي.

قارئ “البصائر”

قبل ذلك، وفي سنة 1951، كان مصطفى العلوي بعد تلميذا في مدارس محمد الخامس بعد انتقال أسرته من فاس لتستقر في سلا، وكان والده يجمع أصدقاءه في البيت الذي اكتراه بمدينة سلا نازحا إليها من فاس، ليستعيد معهم ذكرياته بالطريقة ذاتها، والأسلوب عينه، الذي كان يجري في أحد “منتديات” فاس العتيقة. “فقد دأبت عندما كنت طفلا صغيرا، على الحضور مع والدي في فندق الشماعين، في جلسات كان يترأسها الشريف مولاي الصديق العلوي، الأخ الشقيق للعلامة محمد بن العربي العلوي، شيخ الإسلام الذي لم نشهد شيخا بعده، وأذكر أنه لم يكن يفرق عن أخيه كثيرا، لا في سنه ولا في شكله، ولكنني أذكر، أيضا، أنه كان يعقد الجلسات في فندق الشماعين ليقرأ عليهم جريدة “البصائر”، التي كانت تُهرّب من الجزائر، لقراءة أفكار مؤسسها الشيخ البشير الإبراهيمي. وكان الذي يأخذني أخذا وأنا غض نضير، هو ذلك الإنصات والإصغاء الذي كان يهيمن على الجالسين على أكوام التمر والجوز واللوز بفندق الشماعين، وذلك الاستسلام الفكري للفقيه مولاي الصديق العلوي، الذي كان يقربني منه ويصر في كثير من الأحيان على أن أقرأ بعض مقالات البصائر”، يروي مصطفى العلوي.

ظل الراحل مصطفى العلوي مواظبا على قراءة جريدة “البصائر”، “لكنني وجدت نفسي أقرأ تلك الجريدة في سلا بوعي جديد، فقد شدتني كلماتها، وكنت أقول في نفسي، ماذا يا ترى تعني هذه الكلمات المكتوبة في هذه الجريدة صغيرة الحجم… ربما، لهذا السبب كانت كل صحفي ولازالت من الحجم الصغير”.

وآخر عهد مصطفى العلوي بهذه الجريدة التي يصفها بـ”العظيمة”، هو أحد أيام سنة 1954، حين جاء “مقدّم” الحومة بحي الصف بسلا، المسمى “عواد”، والتقى بالطيب، والد مصطفى العلوي، ليفاجأ مصطفى بعد مغادرة “المقدم” للبيت، بالأب يسارع إلى سقف البيت الذي كان يخزن فيه كميات كبيرة من نسخ جريدة “البصائر”، وحملها إلى سطح البيت كي يحرقها هناك، ليفهم الشاب مصطفى العلوي مضمون الرسالة التي حملها “المقدم” إلى والده، وهو يشاهد ألسنة اللهب تلتهم صفحات جريدته المفضلة. “لقد سمع “المقدم” عواد بإمكانية تفتيش منزل والدي، فأخبره بذلك، بعدما اتضح أن أحد جيراننا، وكان شيخا على ما أذكر، أبلغ الشرطة بجلسات قراءة “البصائر”… رحم الله “المقدم” عواد، وها هي شهادة للتاريخ تصله إلى قبره، ونعم ما أذكره به”.

صحافي يولد من لحظة عودة السلطان

عندما كان مصطفى العلوي في سنته الثالثة من الدراسة الجامعية، عاد محمد الخامس من المنفى وحصل المغرب على “الاستقلال”. وقبل الالتفات إلى وزارة التعليم التي تتكئ عليها بناية معهد الدراسات العليا، وحيث جاء محمد الفاسي وزيرا للتعليم، شاءت الأقدار أن يمضي هذا الرجل قرار إلحاق مصطفى العلوي بديوانه الوزاري سنة 1956، بعد بضع سنوات (1947) من إمضائه بطاقة انتمائه إلى جامعة القرويين، كأصغر طالب في هذه الجامعة العريقة حينها.

“جعلتني رغبتي في البحث عن عمل يوازي الدراسة، أدخل إلى الوزارة، حيث عثرت بالصدفة على صديق قديم اسمه عمر مزور، وكان حينها رئيسا لديوان الوزير. بينما عثر لي أحد مديري الوزارة، المرحوم أحمد لخضر غزال، على منصب في إطار مغربة مكتب الضبط الذي كان مليئا بالفرنسيات… وكان نصيبي من الاستقلال، ذلك الأجر الذي حصلت عليه من عملي في ديوان الوزير، وسط مجموعة من المستفيدين من رحيل الحماية، والمساهمين في بناء العهد الجديد”.

وجد الشاب مصطفى العلوي نفسه بين عشية وضحاها، مشاركا في تحرير خطاب أول ندوة صحافية عقدها وزير التعليم، إلى جانب نخبة من أطر هذه الوزارة، أمثال عبدالقادر الجاي ويونس نكروف وناصر الفاسي وأحمد لخضر غزال وعمر مزور ومحمد المشرفي… “رجال كنت أسمع عنهم وأقرأ عنهم في الصحف، فوجدت نفسي أشتغل وسطهم بحماس كبير، على حساب الحماس الحقيقي الذي كنت أمارسه بدون أجر”.

“لقد ألح عليّ الأستاذ أحمد لخضر غزال كي لا أضيع وقتي وحياتي ومستقبلي في الإدارة، وعندما سألته عن هذه الصحافة أين هي، وكيف ألقاها؟ ضحك وقال: هي بين يديك، خذ قلما وورقة واطلب ترخيصا بإصدار مجلة. فالمغرب اليوم في عهد الاستقلال محتاج إلى مجلة مصورة مثل الـ”باري ماتش”، وسأختار لك اسمها؛ وأعتقد أن أقرب اسم عربي “للماتش” هو “المشاهد” مثلا. قلت له ومن أين لي أن أصرف عليها؟ فأجابني: بالإعلانات، وأنا أعرف سيدة فرنسية متخصصة في الإعلانات سأجعلك تلتقي بها وسترى، لأن كل الشروط متوفرة فيك لإنجاح المشروع”.

وكمن يسارع إلى شراء العصا قبل شراء الغنم، وجد مصطفى العلوي نفسه بين يوم وليلة يوقع استقالته من أول وظيفة مهمة شغلها في حياته. “إنها الصحافة، تسلطت عليّ وانتزعت مني نصيبي من الاستقلال وجردتني من ريش الوظيفة، الذي بدأ في تغطية أطرافي ورمتني في الشارع العام، صحفيا باحثا عن المتاعب من أول يوم”، يقول الراحل مصطفى العلوي في مذكراته.

هجرة في طلب الصحافة

النصيحة التي وجهها الراحل أحمد لخضر غزال إلى الشاب مصطفى العلوي، والمتمثلة في ترك الوظيفة والرحيل إلى فرنسا من أجل الحصول على تكوين أكاديمي في الصحافة، كانت بمثابة الوصية التي لا ترد، حيث سرعان ما جمع العلوي حقائبه وقصد مقاعد الدرس وقاعات التحرير لكبريات الجرائد الفرنسية من أجل التدريب.

لم يكن حينها في المغرب قانون للصحافة والنشر، ولم يصدر بعد قانون الحريات العامة، بل كانت التشريعات التي وضعت على عهد الحماية الفرنسية، هي ما يقنن الولوج إلى المجال الإعلامي والعمل فيه. ومن أجل إصدار جريدة جديدة، كان قانون 1914 يلزم المعني بالأمر بتقديم طلب، وانتظار صدور مرسوم يوقعه الوزير الأول، ويخوله الشروع في إصدار الصحيفة الجديدة تحت مسؤوليته. وهو ما قام به مصطفى العلوي، حيث عاد إلى المغرب من أجل مباشرة الإجراءات، ليقدم يوم ثاني يوليوز 1956، طلبا بالترخيص لمجلة أسبوعية، تحت عنوان: “المشاهد”. ليقوم امبارك البكاي، بوضع توقيعه على المرسوم الخاص بولادة هذه المجلة يوم رابع غشت من السنة عينها.

“المشاهد” أول مولود

“عدت إلى المغرب وقمت بالإجراءات لدى الوزير الأول، وانطلقت جريدة “المشاهد”، حيث كنا نعدها تقنيا من فرنسا، ونرسلها كي تطبع في أحسن مطبعة في المغرب، وكانت بمدينة طنجة، لتخرج الجريدة في أحسن حلة شكلا ومضمونا. وهو ما عكسه الإقبال الكبير والذي لم يسبق له نظير”، يقول مصطفى العلوي. وما يؤكد ذلك النجاح الاستثنائي والصدى القوي الذي خلفته تلك التجربة، الرسالة الخطية التي توصلت بها من الملك محمد الخامس، جاء فيها أن الملك الراحل يلاحظ “بارتياح أن هذه المجلة الناشئة تسير في تطور محسوس وتقوم بدورها الملحوظ، في إطلاع الرأي العام على سير الأحداث المغربية من خلال ما تنشره من صور ومشاهد ناطقة تجعلها في متناول جميع الطبقات، مسايرة تقدم البلاد وازدهارها في مختلف الميادين. وإننا نرجو لمجلة المشاهد نجاحا وانتشارا واسعا وإقبالا من جمهور القراء، حتى تصبح بإذن الله إحدى كبريات المجلات المصورة في العالم العربي”، تقول رسالة الراحل محمد الخامس.

جل المسؤولين وأصحاب الرأي من أقطاب النظام والسياسة حينها كانوا يقولون إنها مجلة “جنين لوكران”، الفرنسية التي ساعدت مصطفى العلوي على تأسيسها. رغم أن هذا الأخير هو مدير المجلة، وصديقه عبدالرحيم اللبار سكرتير تحريرها، أي أنهما من يصنع مضمونها التحريري، لكن أحدا لم يكن مستعدا للاعتراف لهما بهذا النجاح. بل إن أقطاب النظام والسياسة بدؤوا يتصلون بالفرنسية باعتبارها صاحبة المجلة، ويتجاهلون الصحافي الشاب الصاعد، “على أساس أنني شاب صغير لا يستحق هذا التشريف منهم”، يقول مصطفى العلوي.

هذا الفهم الخاطئ جعل جنين لوكران، أيضا، تتصرف كما لو كانت وحدها صاحبة الشأن في المجلة، “وبما أنها كانت تحضر جميع الجلسات الخاصة في بيت ولي العهد مولاي الحسن، وتلتقي عنده بأحمد رضا اكديرة، وأمام نجاح المجلة وقيامها بأدوار مهمة، فقد اتفقوا على إزاحتي وإعطاء المجلة للفرنسية وحدها”، يقول مصطفى العلوي، متحدثا عما وصفه بأول مؤامرة مدبرة من طرف القصر (اكديرة وولي العهد). والوصفة كانت بتدبير “طعم” محكم، بتنسيق مع السفارة الأمريكية، حيث دُعي مصطفى العلوي إلى دورة تكوينية في مجال الصحافة دامت بضعة أشهر في الولايات المتحدة الأمريكية، كانت كافية ليحصل الانقلاب في المجلة، ويجد مصطفى العلوي مجلته تباع في الأكشاك دون أن تحمل اسمه، بل أصبح صديقه “الوفي” عبدالرحيم اللبار مديرا، والفرنسية جنين لوكران مالكة، ومصطفى العلوي “قارئا” عاديا.

“وحيث إنه لم تكن لي إمكانيات مالية لاستئناف الإصدار، فقد طلبت من المحكمة إيقافها واستجاب القضاء لطلبي. لأكتشف بعد حين، أن اكديرة هو الذي كان يقف وراء الاستيلاء على المجلة، أثناء تحضيره لإقامة جبهة سياسية، كي تكون لسان حزبه. لذلك، وبعدما أصدرت المحكمة قرارا بتوقيف المجلة، قام بإصدارها باسم جديد هو “الأطلس”، والتي وضع على رأسها اللبار، فيما تولى عبداللطيف جبرو رئاسة تحريرها، إلا أنها لم تعمر طويلا”، يروي مصطفى العلوي.

كانت عين أحد رجال الدولة تتتبع تفاصيل هذه الضجة، وهو امبارك البكاي، الذي أصبح حينها وزيرا للداخلية. وسرعان ما أسدى نصيحة لمصطفى العلوي الذي كان يحتفظ بصداقة قوية معه، مفادها التحذير من انتقام من قام بمقاضاتهم، “وربما كان الرجل قد سمع عن الاستعداد لهذا الانتقام، فقال لي يا بني أنت في عالم لا بد أن تكون فيه محميا من أحد، وإلا سيأكلونك أكل الخرفان. وقال لي إن أول ما ستفعله الآن، هو التحاقك بي لتُنظم لي قسم الصحافة في وزارة الداخلية”.

وهنا ستبدأ قصة جديدة لمصطفى العلوي في وزارة الداخلية، حين سيعينه البكاي على رأس جريدة “الفجر” التابعة للوزارة، والتي ستفجّر، رغم أنها تعتبر حكومية، قضية تهريب اليهود المغاربة نحو إسرائيل وكتب مصطفى العلوي أول ربورتاج حول الموضوع ونشره في تلك الجريدة، لتتفاعل القضية وتنكر الدولة لجريدتها، قبل أن تتلاحق التطورات برحيل البكاي ومحمد الخامس وتولي اكديرة وزارة الداخلية، فانقلبت الأوضاع…

مولاي عبدالله في ورطة

ليس وحده مولاي الحسن، ولي العهد، من أثارته مجلة “المشاهد”، وهو الآخذ في إعداد فريقه وخطته للهيمنة على البلاد، وإقصاء المنحدرين من الحركة الوطنية. بل إن شقيقه الأمير مولاي عبدالله، سوف يدخل في مرحلة لاحقة، في صفقة لم يكتب لها أن تكتمل، من أجل الحصول على المجلة موقوفة الإصدار. والحكاية الكاملة لتلك الصفقة، رواها الاستقلالي الراحل محمد الفاسي قبل سنوات على صفحات الزميلة “الأحداث المغربية”.

هذا الأخير كان قد بنى علاقة صداقة قوية مع الأمير بمناسبة مرافقته له في إحدى رحلاته إلى لبنان، ما دفع بالأمير في أحد أيام سنة 1961، إلى مفاتحة الفاسي الذي كان حينها رئيس تحرير يومية “العلم” في موضوع رغبته في إصدار مجلة مغربية، وكانت أمنيته أن تكون المجلة شبيهة بـ”باري ماتش” الفرنسية. واقترح الأمير على الفاسي شراء مجلة “المشاهد” التي توقفت عن الصدور قبل سنوات، بعد نهاية صراع صاحبها مصطفى العلوي مع من حاولوا الاستيلاء عليها، وفي مقدمتهم أحمد رضا اكديرة.

الأمير وكغيره من رجال تلك المرحلة، كان ذهنه يحتفظ باسم الفرنسية “جنين لوكران”، باعتبارها صاحبة المجلة. فقام باستدعائها، وعقد معها صفقة من أجل شرائه المجلة بما في ذلك حق الامتياز والأرشيف والصور، مقابل سبعة ملايين سنتيم. وحتى لا يظهر الأمير في الواجهة، حرر العقد باسم محمد الفاسي، وأعطى هذا الأخير للفرنسية شيكا بسبعة ملايين سنتيم، علما أن حسابه البنكي لم يكن يتجاوز الألف درهم حينها، وكان الاتفاق يقضي بأن يحول الأمير إلى حساب الفاسي ذلك المبلغ في اليوم الموالي. فمر أسبوعان دون أن يتم ذلك، وطلب الأمير من الفاسي الاتصال بمحمد الغزاوي الذي كان حينها مديرا للمكتب الشريف للفوسفاط، ويقترح عليه الدخول في رأسمال المشروع بمبلغ سبعة ملايين سنتيم. إلا أن الغزاوي اعتذر عن قبول الفكرة، خوفا من مشاركة الأمير وما قد يثيره ذلك في نفس الملك الحسن الثاني من غضب، مقترحا تأسيس مجلة جديدة رفقة الفاسي.

وبما أن الأمير مولاي عبدالله لم يكن يتوفر على المبلغ المطلوب، فإن الفاسي عاد إلى بيته في أحد الأيام، لتخبره زوجته أن موظفين مكلفين بالحجز جاؤوا لمعاينة ممتلكاته القابلة للحجز، لأن الفرنسية جنين لوكران قدمت الشيك فاكتشفت أنه بدون رصيد. فأخبر محمد الفاسي الأمير، الذي اتصل بالمحامين من أجل إعداد الدفاع في هذا الملف-الورطة، والحيلولة دون تنفيذ الحجز، في انتظار التوصل إلى اتفاق مع الفرنسية جنين لوكران.

في هذا الخضم، سوف يتدخل مصطفى العلوي، ليتصل بمحمد الفاسي الذي كانت تربطه به علاقة صداقة، وسأله عن حكاية الحجز على ممتلكاته. فحاول الفاسي في البداية الإنكار وإخفاء الحقيقة، لكن مصطفى العلوي واجهه بمعلومات دقيقة حول الموضوع، وأعلمه أنه على علم بصفقة شراء “المشاهد”، وأخبره أنه وبقوة القانون يعتبر صاحب المجلة وليس الفرنسية جنين لوكران، ما جسد في الوقت عينه، مفاجأة سيئة وبشرى حسنة، حيث إن الأمر سيساعد في مواجهة الفرنسية باعتبارها أوقعت الأمير والفاسي في عملية للنصب. هذه المعطيات شكلت ورقة ضغط قوية في يد الأمير مولاي عبدالله ومحمد الفاسي، فطالب المحامون البائعة الفرنسية بتقديم الدليل على أنها مالكة المجلة قانونيا. وحين عجزت جنين عن تقديم تلك الأدلة، لم يكن أمامها سوى التوجه إلى الملك الحسن الثاني، وتقدمت إليه بتظلمها من شقيقه الأمير ومحمد الفاسي. وبما أن الشيك كان باسم الفاسي، فقد أصبح في رأي الملك الراحل المتهم الأول في القضية، ليس بالمعنى الجنائي فقط، بل لأنه تجاوز الملك ودخل مع الأمير في مشروع مماثل دون إذن. وبالتالي، فإن غضب الملك على الأمير كان سيلقى بكامله على عاتق شريكه الفاسي.

غير أن اهتمام الملك بالموضوع، جعله يكتشف أن مولاي عبدالله ومحمد الفاسي لم يكتفيا بمحاولة شراء مجلة مصطفى العلوي فقط، بل إنهما كانا قد دخلا في مشاورات من أجل اقتناء مطبعة فضالة، كما اتصلا برضا اكديرة، وناقشاه في إمكانية القيام بطبع المجلة في المطابع التابعة له، والتي كانت تصدر جريدة “المنار”، في إطار جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك). وهي الاتصالات والمشاريع التي زادت من غضب الملك الحسن الثاني. حيث ازدادت الأمور تعقيدا وضبابية حول طبيعة الحركة الإعلامية التي يقف وراءها الأمير مولاي عبدالله، والتي يشارك فيها استقلالي من عيار محمد الفاسي، رئيس تحرير يومية “العلم”.

درءا لما يمكن أن يحمله الغضب الملكي على محمد الفاسي، وعندما علم الأمير مولاي عبدالله بلقاء الفرنسية جنين لوكران بالملك الحسن الثاني، تدخل ليوضح موقف محمد الفاسي في الموضوع، وقال للملك إنه هو شخصيا من يقف وراء المشروع، وإنه بذل جهدا كبيرا لإقناعه بفكرة شراء مجلة مصطفى العلوي وإعادة إصدارها. وبذلك انتهت قصة مولاي عبدالله ومحمد الفاسي مع  مجلة “المشاهد”، حيث تم صرف النظر عن مشروع إصدار مجلة من أساسه، وإلغاء قرار الحجز على ممتلكات الفاسي وأغلق الملف نهائيا. غير أن قصة مصطفى العلوي مع المتاعب لم تكتمل فصولها بعد، حيث سنرى كيف سيجعل من جريدة وزارة الداخلية، جريدة مثيرة للجدل والقلق للحكومة بأكملها، بإثارته موضوع تهجير اليهود المغاربة نحو فلسطين على صفحات جريدة “رسمية”.

“إلا أنني عندما عينني البكاي على رأس هذه الجريدة، رفضت أن تبقى على ما كانت عليه، وقررت تغيير اسمها وهيكلتها، فأصبح اسمها جريدة “الفجر”، وبحكم طريقتي في العمل الصحافي، لقيت نجاحا كبيرا رغم أنها كانت حكومية، حيث جعلتها جريدة إخبارية يومية متحررة، وكنت قد كتبت فيها أول روبورتاج مصور عن عملية تهريب اليهود وأثرت فيها قضية الباخرة “بيسيس”، التي غرقت وعلى متنها مجموعة كبيرة من اليهود المغاربة، وقامت ضجة كبيرة حينها بسبب الموضوع”.

الحادث بمأساويته وبشاعته أثار ضجة كبيرة، حول كل من المغرب وإسرائيل، وسلط الأضواء حول طبيعة الرحلات التي تنقل اليهود من المغرب إلى إسرائيل، والشبكات التي تقوم بذلك ونوع التواطؤات التي لم تكن هذه العمليات لتتم بدونها. وكانت جريدة “الفجر” التابعة لوزارة الداخلية، فانهالت الضغوط الداخلية والخارجية من أجل إيقاف ما بدا أنه حملة صحافية حول الموضوع، حين نشرت الجريدة وجهة نظر حرة في الموضوع، حملت الإسرائيليين مسؤولية ما جرى، فسارعت جريدة “لوموند” إلى نشر مقال يستند على ما كتبته “الفجر”، وساءلت الحكومة المغربية حول ما كتبته جريدتها الرسمية. فاضطر وزير الإعلام أحمد العلوي، إلى تنظيم ندوة صحافية بالرباط يوم الاثنين 23 يناير 1961، معلنا أن جريدة “الفجر” ليست جريدة رسمية.

المؤامرة في “أخبار الدنيا”

بمجرد الشروع في إصدار مصطفى العلوي لجريدة “أخبار الدنيا”، صادفت إحدى أولى المحاكمات السياسية التي كشفت عنف الجنرال أوفقير، في عز سيطرته على المخابرات عام 1963. كانت الجريدة الناقدة الوحيدة هي “أخبار الدنيا”، وكان مصطفى العلوي وقتها مصابا ما يصفه بعاهة السّبق الصحافي، “التي هي من مميزات جرائدي، والتي كانت آثارها في ذلك الزمان أخطر مما هي عليه الآن. وكان والدي رحمه الله، يسكن في حي بطانة بمدينة سلا، عندما أيقضني عبر مكالمة هاتفية ذات ليلة حوالي الساعة الواحدة، ليخبرني أن حي بطانة مطوق بالبوليس وبعناصر القوات الخاصة؛ وأنهم يقومون بطرق الأبواب واعتقال سكان الحي بكثافة”.

وخلال الأسبوع الذي شنت فيه حملة الاعتقالات الواسعة، أحاط البوليس بمقر الجريدة، وصدرت أوامر بمتابعة المحررين. ومر شهر على ذلك والصحافة تتحدث عن الموضوع متحاشية كلمة “انقلاب” أو “مؤامرة”، وبدأت الأمور تتجه نحو حل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى أن فوجئ مصطفى العلوي في هذه الفترة، باستدعاء من طرف وكيل الملك، من أجل الحضور إلى المحكمة الإقليمية للرباط، والمثول أمامها بتهمة المس بالأمن العام. “وشعرت وقتها أنني في الصف الأول للمستهدفين، لأنهم يقولون في الاستدعاء، إن ما نشرته كذب وبهتان واختلاق، وبالتالي، فإن الحديث عن مؤامرة، يعتبر مساسا بالأمن العام، وطالبوا بعقوبات بالغة القسوة”.

كانت جلسة المحاكمة مقررة في يوم الاثنين 24 يوليوز 1963، وهي فترة مرت في الخوف والرهبة. وحدث أنه في يوم الجمعة 21 يوليوز، أي قبل موعد المحاكمة بثلاثة أيام، استدعى وزير العدل الحاج أحمد با حنيني، الصحافيين لمكتبه بوزارة العدل بالرباط، وكان من بينهم مصطفى العلوي، واستجمع الوزير كل قواه وكشف للصحافيين بالتفاصيل والأسماء، أن الدولة اكتشفت مخطط مؤامرة لقلب النظام، وأنه تمت اعتقالات، وذكر أسماء المعتقلين… “وبينما كنت واقفا أنا والمحامي الحمداني في باب المحكمة في انتظار الجلسة، إذا بعون ينادي علينا لندخل عند رئيس المحكمة، المرحوم الشرفي، والذي كان من أقطاب القضاء المغربي في بداية الاستقلال. فدخلنا عليه أنا والمحامي، ليقول لنا بأن وزير الداخلية “خَتات”، جاء شخصيا وفي ساعة مبكرة إلى مكتبه في المحكمة، وأخبره بأن الأخبار التي أتابع من أجلها صحيحة، وأن وزير العدل صرح بذلك في ندوته الصحافية. وقال لنا الشرفي إنه سيطوي الملف، فأجابه الحمداني ملتمسا منه وبكل أدب، أن يترأس الجلسة، ويعلن هذا القرار، حتى لا يبقى سيف المتابعة مسلطا على رأس الجريدة. وبالفعل، ترأس الشرفي جلسة 24 يوليوز 1963، وقرر تأخير القضية إلى أجل غير مسمى”.

اختطاف ناشر “أخبار الدنيا”

لسوء حظ مصطفى العلوي في علاقته بمهنة المتاعب، لم تكن تلك نهاية لمحنه، بل احتفظت ذاكرته إلى آخر أيامه، باليوم الذي كان فيه في مطبعة جريدة “أخبار الدنيا”، وهو يوم 2 أكتوبر 1963، عندما وقفت في باب المطبعة سيارة “فولسفاغن” صفراء، والتي كانت أخبار تحركاتها تعم الرباط وسلا. لأنها كانت مكلفة باختطاف الأقطاب الذين يعتبرهم النظام معارضين، وهي التي اختطفت جميع المعتقلين في مؤامرة 1963 (خلال أشهر يوليوز وغشت وشتنبر)، وكانوا جميعا ينقلون إلى دار المقري.

“تلك السيارة نفسها وقفت في باب المطبعة بشارع المحيط بالرباط، ليدخل عندي واحد من ركابها، ويقول لي هل فعلا تركت سيارتك في فرنسا بعدما تعرضت هناك لحادث اصطدام؟ وكان هذا بالفعل قد حصل. فقلت له نعم، فقال لي تعال معنا لأن هناك تصريحا لا بد أن تدلي به. ركبت السيارة الصفراء التي كان يقودها شخصيا، واحد من كبار رجال المخابرات، وأحد الأيدي الطويلة للجنرال أوفقير، ويدعى “بنمنصور”، والذي يعيش الآن حياة البذخ جزاء على ما قدمه من خدمات في أجساد وعقول أولاد المغرب”.

أخذ هؤلاء الأشخاص مصطفى العلوي وانطلقوا به مسرعين، ليشعر بعد حين بأياد تمتد من خلف رأسه لتضع العصابة على عينيه، وما هي إلا ربع ساعة، حتى أحس بالسيارة وهي تجتاز بابا حديديا بعدما فتح لها، وكان ذلك باب دار المقري، والتي توجد اليوم، قبالة أكاديمية المملكة المغربية في طريق زعير بالعاصمة الرباط.

“هي الدار التي أعتقد أنها أشد وطئا وأقبح معاملة وأكثر إيلاما من تازممارت، التي وإن لم أعرفها، لكن ومن خلال ما قرأته، عرفت أن معتقليها كانوا على الأقل مجتمعين في ما بينهم، يرون الأفاعي والعقارب بعيونهم ويتفادونها. أما في دار المقري، فالعيون مغمضة. وبمجرد وصولنا، شعرت بهم يحملونني كالكيس ويرمونني في غرفة فيها ثلاثة أو أربعة أشخاص، وما هي إلا ساعات حتى عرفت بأن الرجل الذي سقطت عليه بعدما رموني، يسألني عن اسمي، ويقول لي أنا هو بولحية، المختطف الذي يظنه الجميع ميتا”.

لقاء حسني مبارك في “دار المقري”

شاءت الظروف ألا يعرف مصطفى العلوي شيئا عن اندلاع حرب الرمال بين المغرب والجزائر حول موقع “حاسي بيضا”. كما جعلته الأقدار يعيش مرحلة من هذه الحرب، وهو معتقل في دار المقري. “ففي أحد الأيام، وبينما كنت نائما معصوب العينين، سمعت صخبا واهتزازا كالزلزال حول دار المقري، وحركة وصياحا وكأن الأمر يتعلق بهجوم على تلك الدار. وإذا بباب الغرفة يفتح في تلك الساعة المتأخرة من الليل، فسارعت إلى الركون إلى أحد أركان الغرفة في خوف وارتعاش، ثم سمعت أصوات أجساد ومعها أصوات سلاسل بدا أنها مربوطة بها، وتوالت أصوات تلك الأجساد التي تلقى داخل الغرفة واحدا تلو الآخر. وفي كل مرة أسمع صوت السلاسل حين تضرب الأرض رفقة تلك الأجساد. ثم أغلق الباب وتوقفت الحركة، وهدأ الوضع لفترة قصيرة، قبل أن يشرع هؤلاء الوافدين الجدد في تبادل همسات وهمهمات، وإذا بواحد منهم يتحرك زاحفا ليبحث بيديه عما يوجد في تلك الغرفة، وضع يده علي ثم سحبها بسرعة وعاد إلى رفاقه ليخبرهم بلهجة مصرية: “فيه حد هنا”. لقد كان الأمر يتعلق بالضباط المصريين الذي ألقى عليهم الجيش المغربي القبض في موقع “حاسي بيضا”، ومن بينهم الرئيس المصري حسني مبارك”.

لقد شاءت الأقدار أن يبتسم الحظ لمصطفى العلوي في عز أيام الاختطاف، عندما تم اعتقال أكبر شخصية في وجدة، وهو مندوب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحاج العربي. وهو رجل ذو شخصية قوية، متشبث بأفكاره ولا يعرف الخوف، كما أنه رجل غني جدا. “وعندما عرف بوجودي في المعتقل، أسكنني معه في الغرفة التي وضعت تحت تصرفه، فكانت أسرته تأتي لنا بالأكل كل يوم، فهذا فطور ملكي وذاك غذاء المآدب، فعشاء فاخر. وبقيت على هذا الحال عدة أيام، دون أن تنسيني هذه الحياة الباذخة واقع الاختطاف الذي أعيشه. إلى أن دخل علينا في أحد الأيام، سليمان العزاوي، وقال للحاج العربي: اجمع حقائبك فقد تقرر إطلاق سراحك. فأخذ الحاج العربي حقيبة وملأها بالثياب والأغراض، ومنحني إياها، ثم أخذ حقيبته وودعني. ليتدخل العزاوي طالبا منه أن يأخذ الحقيبة التي منحني إياها أيضا، وقال له: إذا قلت لمخلوق إنك شاهدت مصطفى العلوي، فإنك لا تعرف خطورة ما ينتظرك. فهل أنت متفق أم لا؟ لأنك إن لم تكن متفقا معي ستبقى هنا”.

جمع الحاج العربي حقائبه وودع مصطفى العلوي، “لأعرف في ما بعد، أنه وفي الليلة نفسها، كان في سلا عند والدي وزوجتي، ليخبرهما بأنني حي أرزق، بينما كانت عائلتي، وخاصة زوجتي، شبه متأكدين من أنني مقتول”.

لم تمر سوى بضعة أيام، ليتم نقل الصحافي الشاب إلى الكوميسارية المركزية في وجدة، “ليكتبوا محضرا أتمنى من رموز حقوق الإنسان والإنصاف والمصالحة أن يبحثوا عنه، لأنهم كتبوا فيه على لساني: “أنا الصحافي مصطفى العلوي، أمثل الآن أمام الشرطة في مركز جوج بغال، أطلب السماح لي بالدخول إلى المغرب دون جواز، لأنني ذهبت إلى الجزائر للسياحة، وتعرفت على سيدة هناك وبقيت معها لمدة. والآن أريد العودة إلى بلادي”، وأُجبِرت على إمضاء هذا التصريح، مقابل إطلاق سراحي”.

أوفقير يعرض البرلمان

بعد خروجه من محنة الاختطاف والاحتجاز في دار المقري (1963)، وبعد المخطط الأوفقيري الذي أرغمه على التوقيع على محضر يقول بأنه كان يتجول في الجزائر أثناء فترة اختفائه، مقابل الإفراج عنه، فوجئ مصطفى العلوي بعالم جديد وهو يستأنف إصدار جريدة “أخبار الدنيا”، وبمغرب يعيش صورة قال إنها تكاد تطابق تلك التي كانت تسود في أمريكا الجنوبية تحت حكم الجنرالات.

“في هذا الخضم، بلغ شر حكم الجنرالات في المغرب إلى شخص المهدي بنبركة الذي اختطف سنة 1965، فزاد الجو اكفهرارا، وانشغل الناس باختطاف المهدي أكثر من انشغالهم بالدكتاتورية التي كانت تحكمهم. وكانت المصالح والصحافة الفرنسيتين تقدمان الحجج والبيانات على أن أوفقير هو خاطف بنبركة، وكانت صحف فرنسية تطالب حكومتها باستقدامه عن طريق الشرطة الدولية. وصادف يوما أن كنت مدعوا رفقة زوجتي لحضور حفل بالسفارة الفرنسية بمناسبة ذكرى 14 يوليوز من عام 1966، ليفاجأ الجميع بالدخول المثير للجنرال أوفقير المزهو بنفسه رفقة زوجته، وكأن شيئا لم يحصل ولم يكتب عن علاقته باختطاف بنبركة”.

بينما كانت زوجة الصحافي اللامع تتفحص ملامح أوفقير الأنيق، بنظرات كما لو كانت تقول لزوجها هذا هو الرجل الذي اختطفك وعذبك. “إذا به يتجه نحونا، ليسلم علي قائلا: “بونجور مولاي”، تم توجه بالحديث إلى زوجتي وقال لها: “إن الأبطال هم الذين يدخلون السجون، وإن الرجال لا تكونهم إلا السجون، فلا تؤاخذيني على ما حصل لزوجك، وأؤكد لك أنني مجرد مأمور. فزوجك لم يفعل لي شيئا وهو يعرف صاحب دعوته الذي أمرني باعتقاله”.

ومن غرائب علاقة الراحل مصطفى العلوي بالجنرال أوفقير، ما حصل ذات يوم من سنة 1970، حين فوجئ بمكالمة هاتفية من نائب عامل الرباط، الحاج محمد الزبدي، وهو يقول: “مصطفى.. المعلم بغاك”. فرد العلوي: “من من المعلمين؟”، فأجاب الزبدي قائلا: “المعلم ديالي أنا هو الجنرال أوفقير.. إنه ينتظرك في بيته قرب شاطئ صابل دور (قرب تمارة)”.

اعتبر مصطفى العلوي الاتصال أمرا مريبا، “لكنني كنت مضطرا للامتثال، فتوجهت إلى بيت أوفقير الشاطئي، لأجد حشدا من الضيوف جالسين في حديقة البيت، ولم أتعرف عليهم جميعا، لكنني تعرفت على المحجوبي أحرضان وبعض من الضيوف المدنيين والعسكريين. استقبلني أوفقير ببشاشة كبيرة، وقال لزوجته التي تولت شي “البروشيت”: “حضري لمولاي الغذاء”، فقلت له بأنني قد تغذيت، واستفسرت عن سبب هذا الاستدعاء العاجل إلى بيت الجنرال، فقال لي: “أنا معجب بكتاباتك، وبقدرتك على التأثير على الناس، ولهذا قررت أن أجعل منك نائبا برلمانيا في البرلمان المقبل (برلمان 1970، الذي يسمى برلمان أوفقير). فقلت له: “أشكرك مون جنرال، لكنني لا أؤمن بجدية مشروع هذا البرلمان، ولا أريد أن أترشح يوما لأي برلمان. فالمستقبل مازال أمامي…”.

متاعب مع “الوزير المغبون”

علاقة أكثر توترا وعنفا جمعت بين العلوي ووزير الداخلية القوي في عهد الملك الحسن الثاني، أي إدريس البصري. فقد كان هذا الأخير يعتقد أن الصحافي المزعج يستقي الأخبار من المقربين من الملك، خصوصا منها الأخبار التي تهمه شخصيا والأخطاء التي يرتكبها وتؤدي إلى غضب الملك، فيجد صداها في جرائد مصطفى العلوي، من قبيل مقال “الوزير المغبون” الذي أثار ضجة كبرى في البلاد، لكونه كان أول مقال “يتطاول” على البصري الذي كان الجميع ينبطح أمامه خوفا.

“كانت هذه الظاهرة تشغل بال البصري، أي ظاهرة استقاء الأخبار من الأوساط المقربة من الملك، فجعلته يطلق زبانيته ويتعقب اتصالاتي الهاتفية، كي يعرف خبايا الأمور. وقد حصلت في إحدى المرات حادثة، أكدت هذا المرض الذي يؤدي إلى معاداة الصحافة وأصيب البصري بعدواه عن طريق جرائدي. فقد نشرت مرة أن الحسن الثاني يفكر في تنصيب عبدالهادي بوطالب وزيرا أول، وبعد أيام قليلة، وبينما كان الحسن الثاني في عطلة بمدينة إفران، استدعى بوطالب، وقال له غاضبا: “أنا أتكلم معك في شؤون الدولة، وأنت تعطي الأخبار لمصطفى العلوي؟”، فقال له بوطالب: “أنا لم أقل شيئا وهذا مجرد افتراء”. فالتفت الملك الحسن الثاني خلفه وقال: “راه السي ادريس للي قالها لي”، وأشار إلى البصري بيده. فحرمت هذه الحادثة بوطالب من الوزارة الأولى، وأوردها بنفسه في كتابه “نصف قرن في السياسة””.

محاكمات “العهد الجديد”

هذه المتاعب لم تتوقّف مع انتهاء عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بل رافقت مصطفى العلوي إلى “العهد الجديد”، وهو يدير جريته الشهيرة والتي تواصل الصدور حاليا، “الأسبوع الصحفي”.

ففي بداية حكم الملك محمد السادس، انفردت جريدة “الأسبوع الصحفي” في عددها ليوم 3 دجنبر 1999، بنشر الوثائق المتعلقة بالدار التي اشترتها الحكومة المغربية في واشنطن، كي يقيم فيها السفير محمد بنعيسى. ونقلت الأسبوع ما كتبته صحيفة “واشنطن ان ماكازين” الأمريكية تحت تلك الصورة: “”ميكاييل وسوي ناش” باعوا بيتهم في “كلاورال درايف” بمليون و975 ألف دولار إلى مشتر مجهول، وقد اكتُريت هذه الدار من طرف المشتري المجهول إلى الحكومة المغربية، لتكون مسكنا لسفيرها محمد بنعيسى وحرمه ليلة…”، وهو ما جرّ على العلوي محاكمة وهجوما عاصفا من طرف السلطات.

وبعد صدور الحكم ضده بثلاثة أشهر حبسا نافذا مع المنع من ممارسة الصحافة ودفع 200 مليون سنتيم كتعويض لفائدة محمد بنعيسى، قامت الضجة الإعلامية وحملة للتضامن شملت الجميع بدون استثناء. “لقد تتبع القراء بكثير من الاهتمام، مصير هذه المحاكمة، والأكيد أن مصيرها كان على يد الملك محمد السادس، الذي وجد هذا الملف أمامه غداة اعتلائه العرش، وأذكر أن الناطق الرسمي باسم القصر الملكي وقتها، حسن أوريد، جاء في ذات مساء إلى البيت، ليخبرني بأنه جاء لتوه من بين يدي الملك، وربما كان صديق الوزير بنعيسى، الأمير السعودي بندر، قد أعلن عن رغبته في طي الملف، فصدرت المبادرة الملكية القاضية بأن يتم الصلح بين الطرفين. ليبلغني أوريد أن بنعيسى مستعد لاستقبالي في بيته، كي يتم هذا الصلح، وقد أبلغت الموظف الرسمي في الديوان الملكي، شكري وامتناني لتدخل الملك ومبادرته، لكنني أكدت له أنني لا أرى فرقا بيني وبين بنعيسى. فإما أن يأتي هو لبيتي، ونلتقي في مكان ثالث. واتفقنا أخيرا على عدم اللقاء، وربما كان ذلك تكريسا لواقع مريح، تفاديت معه منذ قديم الزمان، أن أصافح بنعيسى أو أن يصافحني. ثم اتفق المحامون على تحرير بيان يعلن تنازل بنعيسى عن الدعوى”.

لكن المحنة الأكبر والأكثر قسوة، هي التي سيعيشها مصطفى العلوي بعد أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية. فبعد مرور عشرين يوما على تلك الأحداث، توصل مصطفى العلوي برسالة من منظمة تسمي نفسها “الصاعقة”عبر البريد العادي، تقول فيها إن لها علاقة ما بأحداث 16 ماي، فنشر تلك الرسالة في الصفحة الأولى لجريدة “الأسبوع الصحفي” عدد 6 يونيو 2003، عن حسن نية ومن أجل توضيح الرؤيا.

ورغم أنه لم يكن هناك من تأكيد لعلاقة تلك المنظمة بأحداث الدار البيضاء، فإن اعتقالا جديدا للعلوي تم مباشرة بعد نشر الرسالة، “اقتادني خلاله ضباط الشرطة إلى مقر الشرطة القضائية في الدار البيضاء، لأتعرض لاستنطاق طويل استمر إلى أن اقترب الليل، حيث أمر رئيس الفرقة بإنزالي إلى إحدى الزنازين الموجودة تحت مكاتب الشرطة القضائية. ونسي ضباط الشرطة أنني مصاب بمرض السكري قبل سبع سنوات من ذلك التاريخ، وأن تناولي لحقن الأنسولين يحتم عليّ تناول بعض المأكولات في أوقات محددة، الشيء الذي جعلني أسقط مغميا عليّ وأنا في تلك الزنزانة، حيث هرع رجال الشرطة الذين يحرسونني إلى إخراجي منها كي أتنفس، قبل أن يتم نقلي على وجه السرعة إلى المستشفى، حيث شملني الأطباء بعناية خاصة تتناسب وخطورة حالتي”.

عرفت جلسات المحاكمة في هذا الملف حضورا مكثفا، لدرجة أن رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط، خرج في إحدى المرات عندما لاحظ أن الأمن اضطر إلى توقيف حركة السير أمام المحكمة بسبب الحضور المكثف للصحافيين والمهتمين، ليقول للصحافيين الموجودين خارج مبنى المحكمة إن الحكم صدر منذ ساعتين وتقرر تأخير القضية، رغم أن الجلسة كانت متواصلة، في محاولة منه لتخفيف حالة الاكتظاظ. وعندما صدر الحكم بسنة سجنا موقوفة التنفيذ، وتم نقل الصحافي علي المرابط إلى الغرفة التي كنت ينزل فيها مصطفى العلوي بالمستشفى، جاء العفو الملكي عليه وعلى علي المرابط، “وكأنه يصحح أخطاء الأجهزة، والتي ما من شك أنها كانت تخبط خبط عشواء”، يقول الراحل مصطفى العلوي في مذكراته.

شارك برأيك