عودة البام.. الطريق الصعبة – اليوم 24
الأصالة والمعاصرة
  • الصحراء المغربية

    الكثبان الرملية تغلق الطريق الوطنية بين العيون وطرفاية.. ووزارة التجهيز تدعو السائقين إلى تغيير مسارهم

  • أشرف بنشرقي

    أصدقاء بنشرقي يصطدمون بالأهلي للمرة الثانية في أقل من أسبوع

  • ساندرز

    أقوى منافسي ترامب يعلن مقاطعة مؤتمر “إيباك” ويعد بعدم الإنحياز لإسرائيل

سياسية

عودة البام.. الطريق الصعبة

هل ينجح حزب الأصالة والمعاصرة في عملية تجديد نفسه؟ من كيان رديف للسلطة إلى حزب طبيعي، يحتاج قادةالبامإلى وصفة سحرية لإزاحة ثقل ميراث جر الحزب منذ تأسيسه إلى مستنقع الاستقواء والتشوه السياسي.

لكن، يملك بعض قادة هذا الحزب شجاعة المحاولة. عبداللطيف وهبي على سبيل المثال، تقدم بترشيحه لقيادة الحزبفي المؤتمر الرابع للحزب، المقرر عقده في 7 فبراير المقبل، وهو يحمل مشروعا حالما يقطع الخيط بين حزبه وبينتعليمات المخزن. في المقابل، زميله في الحزب، محمد الشيخ بيد الله لا يهتم بهذه المسألة، ولا يضعها كأولوية، ولايتحدث عنها. يكشف ذلك عن استمرار وجود تطبيع مع فكرة أنالباملا يمكن أن يعمل دون أن تكون السلطة هيعقله ومحركه.

مصطفى السحيمي، وهو أستاذ للعلوم السياسية ومحلل، لديه شكوك عميقة في القدرة على تحويلالبامإلى حزبطبيعي. ويقول متسائلا: “هل يمكن لحزب البام أن ينتج شيئا مختلفا عن البام نفسه؟، ثم يجيب: “أعتقد أن هناكعلامة ورمزا ونوعا منصنع في الباملا يمكن التخلص منها. لأن تجديد الأطر والمنتخبين والمسيّرين سيواجهصعوبات هيكلية تمنع تحقيقه في المؤتمر المرتقب الشهر القادم“. وفي رأيه، فإنأكثر ما يفتقده حزب الأصالةوالمعاصرة، هو قيادة تتمتع بالمصداقية يمكنها حمل وتحقيق إصلاحات واضحة وقابلة للمشاهدة وقادرة على التعبئة،بالشكل الذي يجعل الحزب يبدو كبديل ممكن“.

لقد تأكد لقيادييالبامعقبتعيينعزيز أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، أن الرهان على حزبهمانتهى وبات من الماضي. لقد فهم الجميع أن أخنوش مكلف للعب باسم السلطة، في مواجهة حزب العدالة والتنمية،وأن المهمة التي أُسندت إلى حزب الأصالة والمعاصرة قد انتزعت منه، لكن هل بشكل نهائي؟

بعض قيادييالبام، وخصوصا حكيم بنشماش، لا يبدو أنه اقتنع بأن حزبه انتهى ولم يعد رهانا بالنسبة إلىالسلطة، لذلك تراه متشبثا بالخط السياسي للحزب، أي مواجهة حزب العدالة والتنمية.

وما يؤكد هذا التفسير أن أحد جوانب الصراع بين بنشماش ووهبي، هو التحالف مع حزب العدالة والتنمية، فبينمايدعو وهبي إلى التقارب مع هذا الحزب باعتباره حزبا وطنيا مثل باقي الأحزاب، ظل بنشماش وفيا للخطابالسياسي الذي رسمه مؤسس الحزب منذ سنة 2009، مهمته تحجيم حزب العدالة والتنمية، ومواجهته، وحتىالتشكيك في وطنيته وولائه، كأسلوب لمحاصرته.

ومن خلال الحنين الذي يبديه بنشماش إلى الخط السياسي الذي تأسس من أجله الحزب، فهو يريد أن يؤكد لشبكةالأعيان ولقواعد الحزب وأنصاره أن رهان السلطة علىالباملم يتغير جذريا، وأن بإمكان الحزب أن يستعيده إنهو نجح في فرض نفسه مجددا في الانتخابات المقبلة.

في هذا السياق، يرى أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية، أن الرهان علىالباميبدومستبعدا، وربما، لم يعدممكنا، لأنالمواطن لا يمكنه أن ينسى مرحلة الدوباج، ولأن الصراعات بين مكوناته شوّشت على صورته لدىالناخب، ولم تعد كما كانت من قبل“. ويشير البوز إلى أنالبامقد يستخدم ورقة محمد الشيخ بيد الله، لأنهرجلمحترم، ولأنه شخصية توافقية داخل الحزب وخارجه، فالشيخ بيد اللهيمكنه التصالح مع حزب العدالة والتنمية، فهومقبول من طرف قيادة هذا الأخير، لكن لا يبدو لي أن شخصية بيد الله كافية لوحدها لإعادة البام إلى الواجهة، أولدفع السلطة إلى الرهان عليه مرة أخرى، وخلص البوز إلى القول بأنالبام قد يكون رهانا ثانويافي المرحلةالمقبلة.

هكذا تبدو عودة حزب الأصالة والمعاصرة بالشكل الذي كان عليه سابقا مستبعدة، وربما مستحيلة. بحيث منالصعب الحديث مستقبلا عنالبامباعتباره قوة سياسية مضادة لحزب العدالة والتنمية في المستقبل، تستطيعممارسة لعبة التوازن في الوسط الحزبي. لكن قد ينجح في التحول إلى حزب عادي له حظوة سابقة لدى السلطة، كماينادي بذلك عبداللطيف وهبي، القيادي الأكثر إثارة للجدل داخل الحزب وخارجه.   

البام“.. العودة المستحيلة

إثر صراع متعدد الجبهات، استمر أزيد من عام، عاد قادة حزب الأصالة والمعاصرة إلى الجلوس حول طاولةواحدة، في خطوة ترمي إلى المصالحة وإعادة تأهيل الحزب للعودة إلى واجهة المشهد السياسي مرة أخرى، لكن لايبدو أن هذا الهدف سيكون سهل الإنجاز، بسبب الجراح العميقة في جسد الحزب، كما في صورته لدى الناس.

بحسب بلاغ المكتب السياسي يوم 2 يناير الجاري، الذي انعقد بكل أعضائه من الطرفين، فإن الباعث علىالمصالحة يتمثل فيوعي حاد بجسامة المسؤوليةلدى الطرفين، اقتضىالتفاعل الإيجابي مع المبادرات الداعيةإلى تحصين وحدة الحزب ولم شمل مناضلاته ومناضليه، وبالتالي، التوجه موحدين نحو المؤتمر الرابع في 7 فبرايرالمقبل.

يشير البلاغ إلى أن مبادرة الفريق البرلماني للحزب بمجلس النواب، تبلورت مباشرة عقب صدور قرار لمحكمةالاستئناف، في أوائل دجنبر 2019، الذي أقر بشرعية انتخاب سمير كودار (تيار المستقبل) لرئاسة اللجنةالتحضيرية للمؤتمر الرابع للحزب، وهو القرار الذي يعني إسقاط شرعية اللجنة التحضيرية التي كان يترأسها أحمدالتهامي (تيار الأمين العام)، وهي المبادرة التي استجاب لها بنشماش، على اعتبار أنه كاندوما مع وحدةالحزب“.

وفي تصريح صحافي يوم 3 يناير الجاري، دافع بنشماش عنمسار المصالحةباعتبارهاأفقا واعدا لانبعاثمتجدد لحزب الأصالة والمعاصرة، وأقر فيه بأن محطة الصراع خلّفتجروحا في ذواتنا وفي ذات تنظيمنا، وأنهاكانتمحطة مؤلمة، داعيا إلى الصفح، وإلىالتحضير الجيد والفعال للمؤتمر الرابع لحزبنا، الذي نريد جميعا أننمضي إليه بنفسٍ وحدوي، كي يكون مؤتمر التئام الشمل والانطلاق الوثاب نحو آفاق سياسية واعدة، بفضلاستثمار الروح التوافقية والبناءة والإيجابية التي يحملها مسار المصالحة“.

هكذا تناسى المتصارعون حربا كلامية طويلة، واتهامات متبادلة استهدفت ذمم بعض القيادات، فيما يخص التصرفغير المشروع في أموال مجهولة المصدر، علاوة على قرارات بالطرد من هيئات الحزب، انتهت في ردهات المحاكم،لذلك، لا يبدو أنالجروح العميقةالتي خلّفتها تلك الصراعات من السهل طيّها نهائيا، والتصرف كما لو أن شيئا لميحدث.

فما الذي حدث ودفع قادييالبامالمتصارعين إلى المصالحة؟ وهل ينجح هذا الحزب في استرجاع عافيتهالتنظيمية والسياسية؟ وهل يستطيع العودة إلى لعب الأدوار التي خلق من أجلها أم أن صبغته الأولى انتهت ولن تعودأبدا؟

تركة إلياس المكلفة

اندلعت أزمة حزب الأصالة والمعاصرة على إثر رحيل الأمين العام السابق، إلياس العماري، في غشت 2017. تفسير أزمة هذا الحزب اختلفت من محلل إلى آخر، حسب زوايا النظر، هناك تفسير رائج مفاده أن الأزمة ناتجة عن “طبيعة النشأة”، بمعنى آخر أن الأزمة ليست عارضة في مسار هذا الحزب، بل أصلية، يحملها في أحشائه، وظلت أعراضها تتنوع وتتعدد في كل المحطات التي مرّ منها، وأكبر مؤشر على ذلك أن معدل استقرار مؤسسة الأمين العام لا تتعدى سنتين (5 أمناء عامين خلال 10 سنوات). لكن هناك تفسيرا ثان يذهب إلى أن الأزمة الحالية لـ”البام” سببها الرئيس تخلي السلطة عنه، لأنه فشل في المهام الأصلية التي وُكل بها. ومفاد هذا التفسير أن “البام” أنشِئ ليس من أجل تحجيم حزب العدالة والتنمية فقط، بل ليكون ضابط إيقاع Regulateur للمشهد الحزبي، علما أن وزارة الداخلية من ظلّت تلعب هذا الدور. ويستوحي أصحاب هذا التفسير نموذج الحزب الحاكم في تونس ومصر قبل ثورات الربيع العربي. لكن منذ استقالة إلياس العماري، ظهر أن هناك عنصرا ثالثا يمكنه أن يفسر سبب الأزمة، يتعلق باستراتيجية السلطة في المصالحة مع الريف. لقد تأسس حزب “البام” بهدف رئيس، ضمن أهداف أخرى طبعا، ليكون قناة لإدماج النخب الريفية، وأساسا الحسيمة، ضمن مؤسسات الدولة، وبالتالي، استيعاب تلك النخب في إطار استراتيجي أكبر هدفه تعزيز الوحدة الوطنية للمغاربة، بعد عقود من التهميش والعزلة التي عانى منها سكان المنطقة في عهد الملك الراحل. ولهذا سنلاحظ أن عملية الاستيعاب والإدماج تنوعت، إداريا واقتصاديا وسياسيا، وقد كان المطلوب من قيادة “البام”، وخصوصا نخبه الريفية، أن تساعد في توطيد عملية الإدماج والاستيعاب تلك، مقابل منافع ومواقع في السلطة طبعا، لكن يبدو أن إلياس العماري، على وجه الخصوص، تجاوز المطلوب منه، بحيث انحرف نحو القيام بمهام أخرى، في الوقت الذي فشل في المهام الأصلية المكلف بها.

ويبدو أن استراتيجية السلطة في المصالحة مع الريف قد تعرضت للنسف، إذ أسهم حَراك الريف في إسقاطها مؤقتا على الأقل، وظهر أن إلياس العماري ورفاقه لم يكونوا في مستوى المهمة التي انتدبتهم الدولة للقيام بها، فقررت التخلي عنهم، في انتظار بلورة استراتيجية جديدة، وبين اللحظتين سقط “البام” في الصراعات الجانبية التي أوصلته إلى حافة الانشقاق لولا تدخل القضاء.

في هذا السياق، يبدو فشل العماري في بعض الملفات مجرد واجهة لتبرير رحيله. الفشل الأول مثلا، يتعلق بعجزه، رغم الإمكانات الهائلة التي وضعت بين يديه، عن تصدر المشهد الحزبي في انتخابات 7 أكتوبر 2016، وإلحاق الهزيمة بحزب العدالة والتنمية كما وعد صراحة بذلك، ورغم أنه حاول الاستدراك، من خلال تجميع قوى حزبية في مواجهة رئيس الحكومة السابق، عبدالإله بنكيران، بهدف إفشال مهمته في تشكيل حكومته، إلا أن اصطدامه بحميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال، وقتها، قد أدى إلى فشل مناورته الأخيرة كذلك، ما أحرج السلطة ودفعها إلى التدخل بطريقة أخرى، أي الدفع برجل الأعمال ووزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، إلى القيام بالمهمة عينها، بعدما وضعته على رأس حزب الأحرار.

الملف الثاني، الذي فشل فيه إلياس العماري، وأدى إلى رحيله، يتعلق بحراك الريف، الذي اندلع في الحسيمة على إثر حدث وفاة مفجعة لبائع السمك محسن فكري يوم 28 أكتوبر 2016، وهي المنطقة التي يُدبرها حزب البام منذ 2009، وقد حاول العماري اللعب على حدث الوفاة المفجع، من خلال دعوة أعضاء حزبه وأنصاره إلى التظاهر ضد الحكومة، لكن يبدو أن قرارا حاسما أردعه عن ذلك، وسرّع رحيله من “البام”، بعد تردد، في صيف 2017، وهي الخطوة التي فتحت الباب أمام صراع داخلي بين طرفين؛ الأول، يمثله الأمين العام حكيم بنشماش، والثاني تمثله فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الوطني، والبرلماني عبداللطيف وهبي.

أسباب الخلاف، وبالتالي الأزمة، منها ما هو معلن، ومنها ما هو مسكوت عنه، في الظاهر يبدو الخلاف حول الخط السياسي. يتصور عبداللطيف وهبي أن رحيل إلياس العماري يقتضي أن يتخلى معه الحزب عن خطه السياسي السابق، أي الكف عن معاداة حزب العدالة والتنمية، وعن لعب دور حزب السلطة، وبالتالي، التحول إلى حزب طبيعي في المشهد السياسي مثل بقية الأحزاب السياسية الأخرى. ويعتبر وهبي أن المدخل إلى ذلك، هو المصالحة مع “البيجيدي”، لأن معاداة “البام” للحزب الإسلامي تعود عليه، دائما، بالخسارة، لصالح أحزاب أخرى، وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني للأحرار. بالمقابل، يرى حكيم بنشماش وعديد القيادات التي تقف في صفه عدم التخلي عن الخط السياسي الذي تأسس من أجله الحزب أول مرة، أي معاداة الإسلام السياسي، ولعب دور حزب السلطة من خلال الدفاع عن سياسات النظام أمام سياسات الحكومة، وخصوصا توجهات وخيارات حزب العدالة والتنمية، والدفاع عما يسميه بنشماش “قيم العهد الجديد”، ومنها تامغربيت.

ورغم أن هذا الخلاف برز في عهد إلياس العماري، إلا أن رحيل هذا الأخير دون إرادته، دفع طرفي الخلاف؛ إلى التوافق حول خارطة طريق لإنقاذ الحزب من الأزمة، وهو ما جرى الاتفاق عليه في مطلع سنة 2018، وكان الأرضية التي مهدت لانتخاب حكيم بنشماش في ماي 2018 في المجلس الوطني للحزب، وانتخاب مكتب سياسي يمثل القوى والحسابات التي امتدادات في الجسد التنظيمي للحزب.

لكن سرعان ما اندلع الخلاف، مرة أخرى، بين وهبي وبنشماش، بسبب التباين في المواقف السياسية التي يدافع عنه كل طرف، تجلى في إقالة بعض القيادات، وتجميد عضوية أخرى، ثم تطور بشكل أكثر حدة نحو تبادل الاتهامات بشأن أموال الانتخابات، أو أموال الفريق البرلماني في الغرفة الثانية، والتي لم يسلمها رئيس الفريق السابق، محمد بنعزوز، وتارة أخرى بسبب حسابات شخصية واتهامات بالإقصاء. وهي الاتهامات التي دفعت الطرفين إلى الاقتناع بضرورة تسريع التوجه نحو المؤتمر.

وفي 18 ماي 2018، تقرر عقد اجتماع لانتخاب لجنة تحضيرية توافقية، لكن في ذلك الاجتماع تفجرت الخلافات، وحدث الانقسام حول انتخاب اللجنة، بحيث خرج الحزب منه منقسما بين توجهين: توجه يقوده الأمين العام حكيم بنشماش، وتوجه ثان، يتزعمه عبداللطيف وهبي ومسنود من قبل رئيسة المجلس الوطني فاطمة الزهراء المنصوري، حيث تشبث التوجه الأخير بشرعية جلسة انتخاب سمير كودار، في حين رفض بنشماش ومن معه نتيجة الانتخاب في تلك الجلسة، التي جرى الطعن فيها لاحقا أمام القضاء.

أمام ردهات المحاكم

كان أول إجراء اتخذه بنشماش هو طرد سمير كودار من الحزب، ورفع دعوى استعجالية لإلغاء اجتماع لها في أكادير، كان مقررا في يونيو 2019، لكن المحكمة رفضت طلب الأمين العام، فاستمرت اللجنة التحضيرية في عقد اللقاءات. لكن بنشماش لم يستسلم ورفع دعوى أخرى في الرباط، معتبرا أن اللجنة التي يرأسها كودار، “غير قانونية”، وأن انتخاب اللجنة التحضيرية جاء “مخالفا لكل القواعد الديمقراطية، والضوابط الحزبية والتنظيمية”، لكون كل الاجتماعات الحزبية “يجب أن يرأسها الأمين العام” وأن القانون الأساسي والداخلي لا ينص على أي شخص يرأس أعمال انتخاب رئيس اللجنة التحضيرية غير الأمين العام.

وفعلا، استجابت المحكمة الابتدائية لطلبه، واعتبرت أن قانون الحزب ينص على أن اللجنة التحضيرية تنتخب رئيسا لها ونائبا له ومقررا، لكن المادة عينها وبقية مقتضيات النظام الداخلي سكتت عن بيان كيفية انتخاب رئيس هذه اللجنة. واستندت المحكمة إلى المبادئ العامة “وقواعد اللعبة الديمقراطية” التي تفرض أن يحترم الحد الأدنى من الشروط التنظيمية، وذلك بإعداد ورقة الحضور يسجل فيها عدد الحضور وأسماؤهم وتوقيعاتهم كما ينبغي إعلان الترشيحات، على الملأ، وتسجيل المترشحين وفرز الأصوات وإعلان النتائج وإفراغ كل ذلك في محضر قانوني. وتبين للمحكمة من خلال محضر معاينة والقرص المدمج المرفق، بشأن انتخاب رئيس اللجنة التحضيرية أن عملية الانتخاب “جاءت خلافا للقواعد التنظيمية الحزبية”، وأن سمير كودار “لم يدل بالوثائق التي تثبت شرعية انتخابه، ولا يمكن اعتبار تهنئته من طرف كل من محمد الحموتي، وفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الوطني، بمثابة حجة قانونية على شرعية انتخابه، ولهذا قررت المحكمة إبطال انتخابه رئيسا للجنة التحضيرية، وبطلان كل القرارات والأعمال الصادرة عن اللجنة التحضيرية.

ردًّا على ذلك، لجأ سمير كودار، بدوره إلى المحكمة الابتدائية بالرباط، معتبرا أن  قرار طرده من الحزب “غير قانوني”، طالبا إلغاءه، فحكمت المحكمة لصالحه في 10 أكتوبر 2019، وبررت حكمها، بأن كودار لم يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام اللجنة التأديبية للحزب، واعتبرت بعد فحص وثائق الملف، لاسيما توصية لجنة التحكيم والأخلاقيات، وقرار المكتب الفدرالي بأن “المدعي لم يتم استدعاؤه ولا إشعاره بالأفعال المنسوبة إليه وتمكينه من الاطلاع على الملف التأديبي وتمكينه من حقوق الدفاع”، وهو “ما يعد خرقا جوهريا لحقوق الدفاع الذي ينبثق عن مبدأ البراءة كأصل”. وبالتالي، قررت المحكمة إلغاء القرار الصادر عن المكتب الفيدرالي لحزب الأًصالة والمعاصرة القاضي بطرد سمير كودار، مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية.

وفي أوائل دجنبر الماضي، حسمت محكمة الاستئناف الصراع القضائي بين الطرفين، بعدما قضت بشرعية انتخاب اللجنة التحضيرية التي يرأسها سمير كودار، من خلال رفضها طلب حكيم بنشماس الرامي إلى إسقاط اللجنة التحضيرية برئاسة كودار. ولم يعترف القرار عينه بشرعية اللجنة الموالية لحكيم بنشماش، ما فتح الباب أمام المصالحة بين الإخوة الأعداء، وهي المبادرة التي جاءت من داخل الفريق البرلماني للحزب، وانصاع لها حكيم بنشماش، الذي وجد نفسه في مأزق حقيقي، بعد قرار محكمة الاستئناف بالرباط المؤيد لشرعية انتخاب خصمه اللدود سمير كودار.

وعلى هامش اجتماع للأمين العام مع أصحاب مبادرة الصلح، نقل الموقع الرسمي للحزب، على لسان بنشماش، أنه كان “دوما مع وحدة الحزب”، معربا عن رغبته في دعم هذه المبادرة ومساندتها، واستعداده للتجاوب مع مخرجاتها “بُغية إنضاج كل الشروط لكسب رهان الوحدة الحزبية بعيدا عن لغة الغالب والمغلوب، وحسابات المنتصر والمنهزم”.
أحد المطلعين على مطبخ الصراع الداخلي للحزب قال لـ”أخبار اليوم”، إن انصياع بنشماش جاء اعتقادا منه أن قرار محكمة الاستئناف هو “قرار سياسي، وليس قضائيا”، وإنه يعكس رغبة جهة ما في السلطة في طي الصراع، والتوجه نحو المصالحة، ولملمة جراح الحزب، قبل استحقاقات 2021، “لكن انصياع بنشماش ليس كاملا، فهو قد حمل معه مناورة جديدة، تتمثل في دعم محمد الشيخ بيد الله للترشح لرئاسة الحزب، كونه شخصية توافقية، وظلت بعيدة عن الصراعات بين طرفي المواجهة، رغم أنه كان مؤيدا لطرف بنشماش”. وهي المناورة التي يستعين فيها بنشماش بالبرلمانيين من حزبه، كذلك، الذين يقودون ضغوطا على عبداللطيف وهبي للقبول بشخصية محمد بيد الله، خلفا لحكيم بنشماش، لكن الأخير يبدو مترددا حتى الآن، كون انتصاره أمام القضاء ضد بنشماش يفسح المجال أمامه للترشح، وهو ما لم يفعله حتى الآن.

غير أن اجتماع 4 يناير الجاري، حيث جرى الإعلان عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع الذي تقرر في 7 فبراير المقبل، تؤكد، كذلك، أن زمن بنشماش انتهى على رأس الحزب، ولم يبق أمامه سوى نحو شهر لجمع أغراضه والرحيل مجددا، بعدما أصبح عبئا ثقيلا بسبب الصراعات الداخلية التي ورّط فيها الحزب، وأيضا، بسبب متابعته للصحافيين الأربعة. فهل يستطيع الحزب التعافي فعلا، واسترجاع قوته التنظيمية والسياسية؟ وهل يمكنه التحول فعلا إلى حزب عادي كسائر الأحزاب بطيه صفحة بنشماش؟

عودة تحت ضغط الأعيان

في تصور عبدالمنعم لزعر، باحث في العلوم السياسية، فإن السؤال حول عودة “البام” “لا يرتبط بحجم التركيز المسلط على الحزب بغض النظر عن وضعيته، سواء أكان في حالة استقرار تنظيمي أو في حالة عدم استقرار”. ووفق هذه القراءة، فإن لزعر يعتقد أن حزب الأصالة والمعاصرة “يمر من مرحلة تجديد لعناصر الجذب عبر تجديد الأشخاص والاستراتيجيات والسرديات، لكن عملية التجديد هذه تواجهها مقاومات، حيث رفضت عناصر الجذب القديمة التنحي، ووجدت عناصر الجذب الجديد صعوبات في التجلي والبروز”. ويرى لزعر أنه بعد المرحلة التي انتهت بصدور قرار محكمة الاستئناف بالرباط حول شرعية انتخاب اللجنة التحضيرية، يمكن القول إن “مرحلة جديدة بدأت تستثمر في استراتيجيات اللعب التعاوني بدل اللعب غير التعاوني، ما يعني أن مسيرة تجديد الحزب انتقلت من دائرة اللاتعاون إلى دائرة التعاون”، وواصل لزعر القول بأن حزب “البام” شرع في “الانتقال التنظيمي والسياسي والسوسيولوجي بتجديد نوعية من الرساميل، واعتماد نوعية أخرى، لكن التحدي هو هل سيكون لهذا الانتقال تأثير في موقع الحزب داخل المشهد السياسي والحربي والانتخابي؟ الجواب في نظر لزعر يرتبط بطبيعة رهانات وأهداف الحزب خلال المرحلة المقبلة، خاصة بالارتباط بالانتخابات التشريعية المقبلة”، في إشارة إلى أن الجواب الحاسم ستحمله الانتخابات التي قد تحافظ للحزب على موقعه، وقد تغير موقعه السياسي وثقله الانتخابي لصالح آخرين.

قراءة ثانية قدّمها محمد مصباح، مدير المركز المغربي لتحليل السياسات، تفيد أن المصالحة بين الأطراف المتصارعة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، “قد تلملم جراح وشتات هذا الحزب، وتوقف النزيف المستمر منذ أزيد من سنة على الأقل”، لكن سؤال العودة إلى الواجهة يتوقف، في نظر مصباح، على موقف طرف ثالث في المعادلة السياسية وهو “موقف الدولة”. مصباح يرى أنه “لحد الآن ليست هناك مؤشرات واضحة حول ما تريده الدولة، وما حساباتها إزاء المعادلة السياسية القائمة والمقبلة”. غير أنه أشار إلى أن “الدولة ستفضل في جميع الأحوال عدم تفكك حزب الأصالة والمعاصرة، وتفضل الاحتفاظ به لاعبا احتياطيا، يمكن اللعب به عند الحاجة إليه”.

ما وقع داخل حزب الأصالة والمعاصرة، بحسب مصباح، “أثبت بوضوح أن الأحزاب المقربة من السلطة يمكن أن تتعرض لنفس ما تتعرض له الأحزاب المنبثقة من المجتمع، وبالتالي، فالقرب من السلطة لا يعني بالضرورة عدم تعرض هذا الحزب أو ذاك لهزات تنظيمية ومؤسساتية تؤدي إلى انقسامه، وهو ما تقدمه لنا تجربة حزب الأصالة والمعاصرة”.

لكن التجربة عينها أثبتت “عقلانية الفاعل الحزبي”، بحيث ظهر بوضوح خلال فترة الصراع الذي انتهى بمصالحة بين طرفي النزاع أن “حسابات الربح والخسارة ظلت حاضرة، وأنها السبب في قرار تفضيل كلا الطرفين تأجيل الصراعات والخلافات الداخلية بينهما لصالح إنقاذ الحزب من الانقسام”، بهذا المعنى فـ”المصالحة تعني أن كلفة الانفجار والتفكك أعلى من كلفة التصالح والتحمل، لأن الصراع خلال الفترة الماضية أظهر أن الحزب وصل إلى حالة شلل تنظيمي وسياسي، ودخلت مؤسساته حالة من التيه السياسي، لم يعد معها البرلمانيون مثلا قادرون على الاشتغال بطريقة عادية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إحباط شبكة الأعيان التي يستند عليها الحزب في البرلمان وفي الجماعات الترابية، خصوصا وأن الانتخابات التشريعية المقبلة على الأبواب”.

يشير مصباح إلى أن “الحسابات العقلانية” لقيادات “البام”، وخصوصا ضغوط شبكة الأعيان التي يتوفر عليها هذا الحزب والتي تريد تحصين مواقعها ومستقبلها الانتخابي مستقبلا، هي السبب الرئيس الذي دفع طرفي الصراع، بنشماش ووهبي، إلى المصالحة، وبالتالي، فالقرار القضائي الصادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، ما هو إلا ذريعة مقنعة لكل الأطراف، بما في ذلك قواعد الحزب وأنصاره، يمكن الانصياع إليها وتجاوز الجراح المفتوحة طيلة العام الماضي.

متتبعون آخرون لأزمة “البام” يرون أن ضغط الانتخابات التشريعية المقبلة بدأت تفرض نفسها أيضا على القادة المتصارعين، لأنه في غياب المصالحة والبحث عن مخرج يعيد إلى الحزب وحدته، ولو الظاهرية على الأقل، فلا أحد منهما يمكنه ضمان استمرار شبكة الأعيان إلى جانبه، والتي بدونها قد يتعرض حزب “البام” لما تعرض له حزب “نداء تونس”، الذي كان يتصدر المشهد الانتخابي والحزبي التونسي في عهد الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، خلال الفترة ما بين 2014 وصيف 2019، لكنه لم يحصل سوى على 3 مقاعد في آخر انتخابات تشريعية تونسية، نظمت بعد رحيل السبسي، وظهر أن رحيل مؤسس الحزب كاف لكي ينقسم ويختفي من الساحة السياسية في تونس.

من الواضح أن قادة “البام” يستحضرون تجربة الشبيه التونسي، أي حزب “نداء تونس”، ويعرفون أن “البام” بدون حفاظه على شبكة الأعيان، أو على الأقل جزء منها، سينتهي إلى المآل عينه، سواء بقي موحدا أو انشق إلى حزبين، خصوصا وأن جل المؤشرات تفيد بأن السلطة رفعت يدها عنه، ولم تعد تراهن عليه بالدرجة عينها التي كانت من قبل.

رهان احتياطي

عقب “تعيين” عزيز أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، بُعيد الانتخابات التشريعية لسنة 2016، تأكد لقياديي “البام” أن الرهان على حزبهم انتهى وبات من الماضي. لقد فهم الجميع أن أخنوش مكلف للعب باسم السلطة، في مواجهة حزب العدالة والتنمية، وأن المهمة التي أُسندت إلى حزب الأصالة والمعاصرة قد انتزعت منه، لكن هل بشكل نهائي؟

بعض قياديي “البام”، وخصوصا حكيم بنشماش، لا يبدو أنه اقتنع بأن حزبه انتهى ولم يعد رهانا بالنسبة إلى السلطة، لذلك تراه متشبثا بالخط السياسي للحزب حتى بعد جلسة المصالحة مع خصومه في اجتماع المكتب السياسي لـ2 يناير الجاري، ففي تصريحه الصحافي، عقب ذلك الاجتماع، ورد صراحة التأكيد على نفس الخط السياسي للحزب، كما حمله بنشماش ورفاقه من قبل، وإن عبّر عنه بلغة أقل حدة مما هو معهود عنه، فالرجل يحلم بـ”إعادة التموقع كوسيط حزبي فعّال (على المستويين السياسي والترابي)، والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المختلفة، والعمل بكل الوسائل المتاحة على منح الناخبات والناخبين أفقا آخر بديل عما يراد ترسيمه من عرض سياسي مهيمن، على المديين المتوسط والطويل، وتقديم عرض سياسي يتبنى أفق العدالة الاجتماعية والمجالية والجيلية، وقيم المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي، ويرتكز على تامغربيت، بوصفها وطنية دامجة وموحدة، وغنية بتنوعها، وهي في المبدأ والمنتهى، قيم العهد الجديد”.

لم يشر بنشماش إلى “العرض السياسي المهيمن”، الذي يُراد ترسيمه على المديين المتوسط والطويل، ولا من هي الجهة التي تريد ترسيم هذا العرض، لكن من خلال العودة إلى مواقفه وتحليلاته يمكن الاستنتاج أن المقصود هو حزب العدالة والتنمية، الذي ظل بنشماش ورفاقه حتى اليوم يعتبرونه خطا أحمر بالنسبة إلى أي تحالف سياسي، ولم يتردد في كثير من المحطات في إدانته، على اعتبار أنه يحمل قيما تهدد قيم المشروع الحداثي الديمقراطي التي يكافح من أجلها بنشماش ورفاقه في الحزب.

وما يؤكد هذا التفسير أن أحد جوانب الصراع بين بنشماش وعبداللطيف، هو التحالف مع حزب العدالة والتنمية، فبينما يدعو وهبي إلى التقارب مع هذا الحزب باعتباره حزبا وطنيا مثل باقي الأحزاب، وأن حزب الأصالة والمعاصرة يجب أن يتصرف باعتباره حزبا طبيعيا وعاديا في المشهد الحزبي، يمارس السياسة وفق القواعد المتعارف عليها، دون عداء إيديولوجي لأي حزب سياسي قائم، ظل بنشماش وفيا للخطاب السياسي الذي رسمه مؤسس الحزب منذ سنة 2009، مهمته تحجيم حزب العدالة والتنمية، ومواجهته، وحتى التشكيك في وطنيته وولائه، كأسلوب لمحاصرته.

من خلال الحنين الذي يبديه بنشماش إلى الخط السياسي الذي تأسس من أجله الحزب، فهو يريد أن يؤكد لشبكة الأعيان ولقواعد الحزب وأنصاره أن رهان السلطة على “البام” لم يتغير جذريا، وأن بإمكان الحزب أن يستعيده إن هو نجح في فرض نفسه مجددا في الانتخابات المقبلة. وبالمقابل، يرى وهبي أن الرهان على حزبه ذهب إلى حزب آخر، وما على “البام” اليوم، إلا أن يطبّع وجوده في الساحة السياسية، وأن يتصرف مثل باقي الأحزاب، وعلى نفس المسافة منها، كذلك، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الحكومة للمرة الثانية.

في هذا السياق، يرى أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية، أن الرهان على “البام” يبدو “مستبعدا، وربما، لم يعد ممكنا”، لأن “المواطن لا يمكنه أن ينسى مرحلة الدوباج”، ولأن الصراعات بين مكوناته شوّشت على صورته لدى الناخب، ولم تعد كما كانت من قبل”. ويشير البوز إلى أن “البام” قد يستخدم ورقة محمد الشيخ بيد الله، لأنه “رجل محترم، ولأنه شخصية توافقية داخل الحزب وخارجه”، فالشيخ بيد الله “يمكنه التصالح مع حزب العدالة والتنمية، فهو مقبول من طرف قيادة هذا الأخير، لكن لا يبدو لي أن شخصية بيد الله كافية لوحدها لإعادة البام إلى الواجهة، أو لدفع السلطة إلى الرهان عليه مرة أخرى”، وخلص البوز إلى القول بأن “البام قد يكون رهانا ثانويا” في المرحلة المقبلة.

هكذا تبدو عودة حزب الأصالة والمعاصرة بالشكل الذي كان عليه سابقا مستبعدة، وربما مستحيلة. بحيث من الصعب الحديث مستقبلا عن “البام” باعتباره قوة سياسية مضادة لحزب العدالة والتنمية في المستقبل، تستطيع ممارسة لعبة التوازن في الوسط الحزبي. لكن قد ينجح في التحول إلى حزب عادي له حظوة سابقة لدى السلطة، كما ينادي بذلك عبداللطيف وهبي، القيادي الأكثر إثارة للجدل داخل الحزب وخارجه.

 

 

شارك برأيك