عادل بنحمزة يكتب: أزمة السياسة أم أزمة الديمقراطية؟ – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: أزمة السياسة أم أزمة الديمقراطية؟

  • بوتين

    بوتين يعلن عن لقاح روسي ثان ضد كورونا قريبا

  • برج إيفل - باريس- فرنسا

    عاجل.. إنذار بجود قنبلة يخلي برج إيفل بالعاصمة الفرنسية باريس

قد لا يشمل منطق «النهايات» السياسة، إذ لا يمكن تصور قيام الدولة بدون سياسة بأبعادها المختلفة، ربما، نحن على الأرجح في مرحلة مخاض يسبق قيام ممارسة سياسة جديدة على أسس مختلفة، لكن السؤال هو ما كلفة مخاض مرحلة الانتقال من منطق للسياسة إلى منطق مخالف؟ فمنذ سنوات يتراجع اهتمام الناس بالانخراط في نوع من السياسة، ترسم سقفها وأفقها مكونات النسق السياسي المغربي الحالي، سواء تعلق الأمر بالنظام السياسي أو بالأحزاب السياسية، لأن ذلك الأفق ببساطة، يخالف تماما، انتظارات المجتمع، بل ولا يأخذ بعين الاعتبار حجم التحولات التي عرفتها مختلف الطبقات الاجتماعية، وخاصة الطبقة الوسطى التي تعتبر عمليا حجر الزاوية في أي ديمقراطية، فالملاحظ أن هذه الطبقة عرفت تفككا كبيرا وتقهقرا لا يخفى على أحد، بل إن هويتها تغيرت بشكل جذري أو تكاد بفعل تأثير التحولات البنيوية على المستوى الاقتصادي، والتي تتسم بقدر كبير من الانفتاح على المستوى الدولي، وهذا الانفتاح، الذي كان الهدف من ورائه تجديد مشروعية النظام واكتساب زبناء جدد، تحول إلى ما يشبه مِعْول هدم للبنيات التقليدية، فهو يحمل قيم جديدة مختلفة تماما عن القيم التي كانت سائدة في الماضي، إضافة إلى ذلك، فخضوع المغرب لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية، وخاصة من ناحية تفكيك القطاع العام وإنهاء دور الدولة المتدخلة والحد الأدنى من دولة الراعية، بدأت آثاره اليوم تظهر بشكل واضح من خلال فك الارتباط الجاري مع الدولة، من خلال فئات اجتماعية كثيرة أضحت تفضل البحث عن الحلول الفردية بما فيها الهجرة إلى الخارج، فما قامت به الدولة انطلاقا من الخوصصة ووصولا إلى الانفتاح الكلي على الاقتصاد العالمي المعولم، بدون رؤية فكرية ولا تحضير علمي واجتماعي دقيق، كان من الطبيعي أن تكون له نتائج وتبعات، وأهم تلك النتائج وأطرها، هو ضعف الرأسمال الاجتماعي، والذي كان موضوع تدقيق مفصل في تقرير مجموعة البنك الدولي بخصوص «المغرب في أفق 2040»، وما يشكله ذلك من مخاطر على اللحمة الوطنية.

إن ما يسميه البعض «موت السياسة»، هو في الواقع تعبير مجازي ليس أكثر عن حالة انفصال جارية بين الدولة والمجتمع، وهي نتيجة طبيعية كرد فعل على دولة قدمت استقالتها من الشأن الاجتماعي والاقتصادي، إذ لا يجب أن نغفل أن تعامل الناس مع السياسة والانتخابات والشأن العام مؤطر بنوع من العقلانية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب، ومتى افتقد الناس النتائج التي تعود عليهم بالنفع، فإنهم بصورة طبيعية يحجمون عن هذا النوع من السياسة، لكن الناس يواصلون التعبير عن مواقفهم ومطالبهم، سواء بشكل جماعي أو فردي، وما ينشر بالآلاف على وسائل التواصل الاجتماعي وما يتسم به بحس نقدي عال يجنح في بعض الأحيان إلى البذاءة والشعبوية، لخير دليل على أن السياسة لازالت على قيد الحياة، لكنها بحاجة إلى منطق جديد في التعامل، وإلى فاعلين جدد قادرين على استثمارها في الاتجاه الإيجابي.

صورة بلادنا في الخارج، هي صورة بلد ينعم بالاستقرار ومنفلت من كماشة الفوضى «الخلاقة» التي تعصف بعدد كبير من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، صورة بلد تتسم نخبه سواء في الأحزاب أو في دواليب الدولة، بكثير من الكياسة وحسن تدبير لحظات التوتر السياسي والاجتماعي، وأنها معا ومنذ سنوات تصنع بتوافق إرادي، عملية تراكم ديمقراطي نموذجية بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى بناء تجربة ديمقراطية، بالإضافة إلى إصلاحات اقتصادية لا تحظى بالإجماع، لكنها مع ذلك تبقى «مقبولة» وخاضعة لنقاش مسؤول، ذلك لأن جزءا كبيرا منها لم ينعكس على المعيش اليومي للمغاربة.. ومنحت أوروبا بلادنا مقعد الشريك من أجل الديمقراطية، لكن هذه الصورة اختفت اليوم، أو تكاد لأن الآخرين يعلمون الكثير عن أعطابنا البنيوية، وليس أدل على ذلك ما يُكتب في التقارير السرية وأخرى المعلنة…، فالتمثيليات الدبلوماسية ليست هنا بالصدفة أو للنزاهة. هل نوجد فعلا في أزمة؟ أم أننا بصدد الخروج منها؟ هل الأزمة ترتبط بالسياسة والسياسيين وحساباتهم المختلفة؟ أم أن الأمر يتعلق في العمق بأزمة الديمقراطية كاختيار وكمفهوم، بما هي أزمة الإرادة السياسية في تحقيق ديمقراطية، كما تكرست في التجربة التاريخية لدى عدد من شعوب هذا الكوكب. المسألة اليوم، لا تتعلق بحزب أو حكومة أو شخص…، بل تتعلق بالخيار الديمقراطي الذي أصبح مقتضى دستوريا وواحدا من ثوابت البلاد، وأنه ليس هناك بديل عن هذا الخيار، وأنه هو الوحيد الذي يمكن أن يقود بلادنا – بغير كثير من الخوف- إلى مستقبل أكثر أمنا ومجتمع أكثر تماسكا. أما خلاف ذلك، فلا يعني سوى تكريس النفور من السياسة وتراجع الرهان الواعي على المؤسسات والتدافع داخلها، وفقا لقواعد لعب واضحة تمنح الحقوق عينها للجميع، وفي الوقت عينِه تقيم عليهم الجزاءات التي يستحقونها دون مجاملات أو تمييز.

شارك برأيك