مصطفى كرين يكتب: صفقة القرن و«قوالب» فرنسا – اليوم 24

مصطفى كرين يكتب: صفقة القرن و«قوالب» فرنسا

  • مصطفى كرين يكتب: الإعلام هو فن الحكم

  • مصطفى كرين يكتب: صفقة القرن و«قوالب» فرنسا

يُحكى أن الفرنسيين، خلال فترة الاستعمار المباشر للمغرب، كانوا «يشترون» أو «يبادلون» الأراضي الخصبة من سكان إحدى مناطق المغرب، مقابل «قوالب  السكر». تلك «القوالب» التي كانت تؤثث مواسم وسهرات وأعراس المغاربة هناك، وحين تشرق الشمس وتذوب «القوالب» يجد أولئك «الناشطون» المغاربة أنفسهم عمالا زائدين في أراضيهم التي كانت بالأمس. وفي أيامنا هذه، تغير شكل القوالب، ولكن عملية البيع مستمرة، شعارها: «بِع من الوطن ما استطعت»، فنحن شعوب لا تعرف معنى الوطن، الوطن غريب عنا وغريب علينا وغريب فينا، نحن كالضواري، نحب المساحات الشاسعة والمفتوحة، نتناسل، نصرخ في كل الاتجاهات، نركض، نصيد الغزلان، نتجشأ وننام، ونموت كالجيف، ولا نندم على شيء أبداً نحن، جزء من الطبيعة في نسختها الأولى، لذلك، لا نريد «وطنا»، الوطن نوع من المحميات الطبيعية التي لا تليق بنا.  صحيح أننا ذاهبون نحو الانقراض، ولكن من منا يعبأ بذلك؟ قانوننا هو الصراخ ، من يصرخ أكثر وأعلى يحكم هذه البراري والغابات، وتراتبية المجتمع مبنية على الفصيلة عوض الفضيلة، لا يهم كم تعمل ولا كيف تعمل، ما يهم هو لأي فصيلة من سكان هذه البراري تنتمي. ففي مغرب هذه السنة أنا لا أعرف صراحة ما مدى حاجة البلاد إلى شراء ما قيمته أربعمائة مليون يورو من الأسلحة، من فرنسا بالذات، وفي هذا الظرف بالذات، ولا أعرف ما إذا كان أصحاب القرار في المغرب سيراعون مصلحة الوطن واستقلالية قراره، أو ما تبقى منها على الأقل، وهم يناقشون ويرجحون بين العرض الفرنسي والعروض الأخرى لإنشاء خط القطار السريع بين الدار البيضاء وأكادير، ولربما، إلى العيون، ومن تلك العروض الأخرى ما يبدو أنه متفوق كثيرا على العرض الفرنسي. ولا أدري ما إذا كانت اللقاءات والقرارات الأخيرة المتعلقة بالعلاقات المغربية الفرنسية، وتعيين رئيس مزدوج الجنسية، ربما، للجنة النموذج التنموي، في هذا الظرف بالضبط، الذي تبحث فيه فرنسا، أيضا، عن «تجديد» نموذجها التنموي الذي جعلت فيه لوجودها في إفريقيا مكانة الصدارة… كل ما أعرفه هو أن فرنسا ماضية في بسط سيطرتها على هواء المغرب وأرضه، وأن المغاربة عوض الانتباه إلى ضياع الوطن منهم، سائرون في حياة الأوهام، وربما التآمر على الوطن، إما عبر تفاهاتهم الإعلامية أو عبر نقاشاتهم ونضالاتهم البيزنطية المبشرة بتحرير فلسطين… تلك التي باعها أهلها منذ زمن بعيد. نعم، باعها أهلها…، ودعونا نفحص الأمر عن قرب: ففي الوقت الذي كان فيه المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون، يضعون أسس اتفاق أوسلو قبل بدأ المفاوضات الرسمية، كان كل من بسام أبو شريف ونبيل شعت، مستشارا الرئيس الفلسطيني وصائب عريقات، يؤسسون شركات مشتركة مع رجال أعمال إنجليز وأمريكيين وغيره حول الصفقات المقبلة في منطقة الحكم الذاتي، وقد أصبحوا من أغنى أغنياء فلسطين وهي محتلة، فكيف تريد منهم أن يسعوا إلى تحريرها، بل إن الحاجز الإسمنتي الذي بنته إسرائيل لفصل القطاع، جرى بواسطة مواد بناء ينتجها معمل في ملكية نبيل شعت. كما أن اتفاق أوسلو، بالنسبة إلى الذين يصرخون وهم لم يقرؤوا منه حرفا واحدًا، هذا الاتفاق أعطى لإسرائيل حق السيطرة على ساحل غزة، وأعطاها حق ومسؤولية الإشراف الأمني عليه، وأعطاها السيطرة على المنافذ البحرية وحتى البرية للقطاع، دون الكلام عن سيطرة إسرائيل قانونيا وطبقا للاتفاق الموقع من طرف ياسر عرفات، على الطريق الرابطة بين شمال وجنوب غزة، وعلى كل الطرقات التي يستخدمها المستوطنون. ولم ينص إطلاقًا على انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع والضفة، بل تحدث عن انسحاب بعض القوات إلى خارج المخيمات وإعادة انتشار القوات الأخرى في المناطق الاستراتيجية… المهمة والمسؤولية الوحيدة الموكلة للفلسطينيين، والتي أعتبرها من باب السخرية السوداء، هي اضطلاع منظمة التحرير بمسؤولية التبليغ عن كل المعارضين لإسرائيل داخل فلسطين، بالإضافة إلى مسؤولية حماية المستوطنين، فقد قال، آنذاك، «أمنون شاحال» وكان رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي «على الطرف الآخر (أي منظمة التحرير) أن يثبت قدرته على منع والسيطرة على العناصر المعارضة»، كما صرح شيمون بيريز بشكل واضح قائلا: «إذا تحدثنا موضوعيا فإن قيام دولة فلسطينية أمر مستحيل، وإذا كان الأمر منوطا بنا، فلن يكون هناك دولة فلسطينية أبدًا»، والأخطر من كل هذا، هو تلك الملاحق السرية (أي مجموعة من البنود التي لا تظهر في الاتفاق العلني الرسمي ولا يتم إلقاء الضوء عليها بل تبقى سرية)، حيث جاء مثلا في الملحق الأول أن منظمة التحرير لا تمانع في بناء مستوطنات يهودية تحت إشرافها داخل منطقة الحكم الذاتي، وتتحمل مسؤولية حمايتها. وتقول المادة التاسعة إنه «لا يحق للمنظمة أن تطالب بعودة اللاجئين أو النازحين الذين لجؤوا إلى دول الجوار»، كما تنص المادة الرابعة من الملحق على أن «الشرطة الفلسطينية تعمل ضمن اللوائح والأنظمة الداخلية للشرطة الإسرائيلية وتتلقى رواتبها وأسلحتها من وزارة الداخلية الإسرائيلية»… وطبعا، من يأكل خبز السلطان يضرب بسيفه، وبالتالي، «تلتزم المنظمة بتسليم قوائم بأسماء الجماعات المعارضة لاتفاق السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير»، حسب منطوق المادة الثامنة من الملحق، كما تلتزم بـ»حل المجموعات المعارضة وتسليم أسلحتها وإعطاء معلومات عن أماكن تخزينها».   وبالمقابل «تتعهد الحكومة الإسرائيلية بالحفاظ على أمن وحياة قيادة منظمة التحرير الراغبين في الإقامة بإسرائيل أو مناطق الحكم الذاتي»… يا لها من مكافأة مجزية لصائب عريقات ونبيل شعت وبسام أبو شريف ومحمود عباس… لكل هذا دعوني أقول صراحة إنني أعتبر أن دونالد ترامب يقدم للفلسطينيين مخرجًا ما، من المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم وهو بهذه الصيغة، ربما من حيث لا يدري، رجل سلام وفلسطيني أكثر من المسؤولين الفلسطينيين أنفسهم، وإن ما قاله حول الفرصة الأخيرة للفلسطينيين في ما يُعرف بـ»صفقة القرن» فيه، ورغم أنه مجحف جدا وظالم في حق الفلسطينيين، فيه الكثير من الحقيقة، بالنظر إلى ميزان القوى القائم حاليًا. أن الذين يصرخون اليوم، لا يدركون حجم المصيبة.

شارك برأيك