بلال التليدي يكتب: «كورونا» ودروس هادئة في الاجتماع الإنساني – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: «كورونا» ودروس هادئة في الاجتماع الإنساني

  • بلال التليدي يكتب: لماذا المساجد لم تفتح؟

  • بلال التليدي يكتب: مخاطر على الأمن التعليمي

أتذكر ما افتتح به مالك بن نبي في كتابه: «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، حين تساءل عن الشعور الذي ينتاب الإنسان حين يعتزل وحيدا، فاللحظة التي نعيشها هذه الأيام في البيوت، تدفع للتساؤل عن الحد الأدنى لبناء اجتماع إنساني.

الأحوال العادية التي عشناها قبل انتشار هذا الوباء، كانت تحجب عنا الرؤية، لكننا اليوم، نملك بعض الوضوح، فحركة ما تبقى من الاقتصاد في المغرب تدور حول توفير القوت والضرورة. والشيء الثابت الذي بقي ولم يتغير، وربما زاد قوة ووطأة، هو السلطة، بكل أجهزتها، فهي التي تدير كل شيء، وبقية المؤسسات تابعة.

الدكتور أحمد الريسوني، تحدث من واقع اعتزاله عن »دولة الأطباء»، لكن اعتبارات الطمأنينة والتهدئة تجعل الطبيب تابعا للسلطة، فهي التي تدير المعلومة الصحية بطريقتها حفاظا على السكينة والاستقرار، مع اختلاف في درجة الشفافية من دولة لأخرى.

لنتأمل مكونا آخر من مكونات الحد الأدنى من الاجتماع الإنساني، ذلك المكون الذي لجأ إليه الجميع، فصار يقوم بوظائف شتى، أكثر من الوظيفة الحيوية المنوطة به. مكون الأسرة: هي عودة إلى الطبيعة، وهزيمة لمقاربة النوع، ولو بشكل مؤقت، فكل ما أنتجته تحولات الحداثة مما له ارتباط بالعلاقة بين الجنسين، لم يصمد، ولا يصلح أن يعتمد ضمن مكونات الاجتماع الإنساني: جميع أشكال الأسر التي انتهت إليها تحولات الحداثة، لم يعد لها دور ولا وظيفة، وبقيت الطبيعة هي الصامدة.

لننتبه إلى تعليقات كثير من المدونين، ففجأة أحس الجميع بدور المدرسة والمدرس، وهو الدور الذي لم ينته، وبقي يبحث عن صيغ للاستمرار ولو بأشكال غير مخطط لها سابقا.

هل استكملنا عناصر الاجتماع الإنساني في حده الأدنى؟

بالتأكيد لا، فالخوف والرغبة في تأمين الحياة، لا يمكن أن يكونا هُما الدافعين لبناء هذا الاجتماع، ولا يمكن التعويل عليهما في خلق الوحدة في مداها الاستراتيجي، وإلا فلا معنى لاستمرار التعليم، إذ كان يكفي أن تبقى السلطة حازمة بسلطتها الآمرة، ترعى مصالح الاقتصاد لتوفير المعيش من خلال رعاية الحد الأدنى من الضرورة. لننتبه إلى المسيرات التي خرجت في ثلاث مدن، واضطرب الكثيرون في معرفة الجهة الداعية إليها، وربما أخطؤوا خطأ فاحشا حين نسبوها بغير تريث إلى جهات أكد هذا الظرف نضجها وتصرفها على غير عوائدها السابقة. نعم، صدر قرار إغلاق المساجد، وتوقيف صلاتي الجمعة والجماعة فيها، والإبقاء على شعيرة الأذان، والكل قدر المصلحة في هذا التصرف الصادر من مؤسسة إمارة المؤمنين، لكن، هل يعني ذلك أن الاجتماع الإنساني في حده الأدنى، لم يعد يحتاج إلى وظيفة الدين؟ بقاء الأذان له مغزى عميق، وهو تعبير عن استمرار الوظيفة الدينية، من خلال الجهد الفردي للأشخاص في بيوتهم، فالخوف وحده، ووجود السلطة بقوتها الآمرة، لا يكفيان لبناء هذا الاجتماع، بل لا بد من الدين، الذي يؤمن الناس ويطمئنهم، ويربط الناس بالخالق مصدر الأمل والفرج، ويوفر القابلية العقلانية للالتزام بالتوجيهات الآمرة.

أستسمح الذين أخطؤوا في التقاط الإشارة من مسيرات هوجاء تزعم أنها تنادي الله لكي يرفع عنها البلاء، ذلك أنهم لم يتأملوا الخطأ الذي جرى ارتكابه، عندما تقرر إغلاق المساجد وصلاتي الجمعة والجماعة، دون أن يتم التفكير في تعويض هذه الوظيفة بالحد الأدنى في وسائل الإعلام، فالقصف الذي يتعرض له الناس إعلاميا حول شروط النظافة والوقاية من الإصابة بداء كورونا، تجعل الناس لا يرون في الإعلام شيئا متصلا بالدين في القنوات الأكثر متابعة، سوى كلمة السلطة والطبيب!

لنجمع حصيلة المكونات، ونخلص إلى الاستراتيجي منها في الاجتماع الإنساني: السلطة الآمرة، التي يجد المجتمع في توجيهها ما ينفعها، فيثقون بها، والقوت الذي يوفر أسباب الحياة والاستمرار، والأسرة التي تضطلع بوظيفة التربية والتكوين، ورجال التربية والتثقيف، والدين.

لنستأنف التفكير، ونتساءل: وما ينفع التذكير بالحد الأدنى من الاجتماع الإنساني، بعد الخروج من الاعتزال؟

أهل البصيرة يدركون، أن منطلق أي بناء وتطلع للإقلاع، يتطلب التفكير في اللحظة التي قد نعود فيها إلى هذه الحالة، حالة العزلة أو تعاظم التحديات، وإذ ذاك، فشروط الحصانة، ينبغي أن تذهب بنا بعيدا لبناء نموذج مجتمعي آخر، يتأسس على الوحدة ببعدها الاستراتيجي، وحدة تضمنها تجربة ديمقراطية تؤسس الثقة بين السلطة والمجتمع، واقتصاد ينهض بأعباء توفير الاكتفاء الذاتي، وتماسك مجتمعي يستمد قوته من قوة الأسرة وترابطها، ومنظومة تربية وتكوين قوي، ومنظومة صحة يطمئن الناس لعائداتها، ووظيفة مركزية للدين في خدمة الاستقرار والأمن الروحي، وتوفير الحافزية للنظام والانضباط والانخراط في تنمية المجتمع. 6

شارك برأيك

بوشعيب مجدول

رغم ان المقال هو مجرد رأي لكن يوضح بجلاء أنه لا يمكن لمؤدلج إلا أن يستثمر في أي شئ من أجل التوريج لأيديولوجيته. لا أظن أن باحثا يتعامل مع المقاربات بمنطق الهزيمة والربح لأن الباحث همه توظيف المقاربات بمنطق قدرتها على فهم الواقع وليس بمنطق الهزيمة والربح. استثمرتم في السيدا واستثمرتم في تسونامي وتستثمرون في كوفيد 19 وستستثمرون في …..ستتغير الظروف وسيتم الرجوع إلى الحياة العادية، فكم مرت بالإنسانية من ظروف أزمة تم استثمارها أيديولوجيا وكان عائد الاستثمار صفرا وبقي العلم شامخا يضيف لرصيده ما لم تستطع أي أيديويلوجيا أن تضيفها لرصيدها.

إضافة رد