تاريخ الأوبئة والمجاعات.. التصورات الشعبية والغيبية للكوارث- الحلقة 20 – اليوم 24
المجاعة
  • أنابيك

    المجلس الإداري لوكالة «أنابيك» يدرس سيناريوهات ما بعد كورونا

  • العثماني ولفتيت

    الانتخابات في موعدها.. “الداخلية” تلتزم بالحياد والنزاهة وتنتظر مذكرات الأحزاب

  • الخدمة العسكرية

    نواة لصناعة عسكرية في المغرب.. وتعزيز أمن المعلومات

فسحة رمضان

تاريخ الأوبئة والمجاعات.. التصورات الشعبية والغيبية للكوارث- الحلقة 20

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

تتراءى كارثة الجفاف في المعتقدات الشعبية من خلال منظور ديني ينزع عنها صبغتها الطبيعية، ويجعل منها ظاهرة غيبية. فقحط الموسم الفلاحي، وتسلط الجراد وانتشار الجوع الذي يسوق الناس جملة إلى القبر، كل هذا يبرز في مخيلة المعاصرين بصورة عقاب من السماء نزل بسبب خطايا مجهولة.

انطلاقا من هذا التصور الغيبي، فإن القلق الأساسي الذي ينتاب الناس هو أن اختلالا ما طرأ على المجرى العادي للأمور. وهذا يعني أن الكارثة لا تنزل فجأة من السماء، وإنما هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأعمال الناس، فهي تعزى للقدرة الإلهية الجبارة، وتعتبر أيضا عقابا للإنسان على شروره. نقرأ في وثيقة بتاريخ 17 يونيو 1868 عبارة عن رسالة من عبدالقادر الفاسي إلى الحاج محمد بن المدني بنيس، “والجوع.. قاهر بالسيطرة الإلهية وإن كنا مستحقين لجميع ما يحل بنا لما نحن عليه من العصيان والمخالفة”. ولم يكن هذا التصور خاصا بالفقهاء أو بعامة الناس، بل نجده بارزا في خطاب السلاطين والحكام. ففي المرسوم الذي ألغى به مولاي سليمان المواسم نرى السلطان يقيم علاقة مباشرة بين انتشار المناكر ونزول المصائب. يقول “إن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت العلات، وشحت السماء، وسبحت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقصت بركة الزروع لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ويسد طريق المنافذ”.

بالإضافة إلى انتشار البدع وفساد أخلاق الناس وتفريطهم في أمور العقيدة، نلاحظ أن السياسة حاضرة، أيضا، في التصورات التقليدية لكارثة الجفاف، فكثيرا ما تعزوها المعتقدات الشعبية إلى مساوئ السلطة. وكانت التهمة توجه إلى السلاطين “إما لجورهم، كما نجد مثلا في بيعة أهل فاس للمولى عبدالله بن إسماعيل، “إن الله جعل الجور هلاكا للحرث والماشية والبلاد”. وإما لفرضهم ضرائب غير شرعية، ويمكن هنا أن نذكر رواية بوجندار عن إسقاط مولاي الحسن للمكس، فهو يخبر بأنه في اليوم الذي قرأ فيه خطاب السلطان وأزيل المكس، نزل مطر غزير، ثم يضيف: “الحمد لله ببركة طهارة الله لعباده من نجاسة المكوس، بعدما كان الناس في وقفة عظيمة من قلة الأمطار”. كما جرى ربط الكوارث بالتعامل مع النصاري، خاصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع استشراء التسرب الأوروبي. وقد دعا محمد بن جعفر الكتاني إلى قطع جميع العلائق مع المسيحيين وحملهم مسؤولية المصائب التي ألمت بالبلاد.

وبخصوص الطقوس الدينية، فقد كان يتم اللجوء إلى صلاة الاستسقاء، ويشارك فيها أكبر عدد من المؤمنين وينبغي أن يرأسها ولي صالح ممن له معرفة عميقة بالعلوم الدينية وشهرة بالتقوى والعبادة. ومن هؤلاء الولي الذي تحدث عنه القادري، هو مولاي الطيبي الوزاني، الذي طلب منه أهل وزان أن يصلي بهم صلاة الاستسقاء، فصلى بهم، فأرسل الله تعالى المطر فورا عقب الصلاة. بالإضافة إلى صلاة الاستسقاء كان الناس يخرجون خاشعين مبتهلين مرددين دعاء الغيث واللطيف، متبركين بأضرحة الأولياء.

وبجانب المسلمين كان اليهود يطلبون الغيث، بصلاة الاستسقاء التي تسمى عندهم “يقون هكشيم”، وتقام في الوقت عينه الذي تنظم فيه صلاة الاستسقاء من طرف المسلمين، ويصحبها الصوم والابتهالات في سائر معابد الملاح، والخروج للمقابر للتبرك بالصلحاء الشفعاء. وكان السلطان يتدخل أحيانا بنفسه لترؤس صلاة الاستسقاء، إما تلقائيا أو بناء على طلب رعاياه. وهذا ما فعه مولاي إسماعيل حين اشتد الجفاف في 1680، فخرج في 17 مارس “حاسر الرأس، حافي القدمين، في مذلة خلقه، مصحوبا بسائر حاشية ملكه والجم الغفير من رعيته”. وبعد إقامة الصلاة زار السلطان مساجد المدينة، واستغرق ذلك يوما كاملا، ثم بعد عودته لقصره “أصدر أمره لسائر المسيحيين بإيالته بتنكيس سائر الأصنام التي بكنائسهم ومحال عبادتهم وتعظيم أرباب الزوايا وأهل الصلاح المشهورين بالاستقامة”.

وفي 1876، عندما اشتد القحط بمراكش أمر مولاي الحسن بالطواف على أضرحة صلحاء المدينة السبعة طلبا للغيث. وقبل ذلك بحوالي عشرين سنة، خرج مولاي عبدالرحمان في 26 يناير 1857 للاستسقاء “حيث اشتد الحال من حبس الأمطار ومعه أهل المدينة”.

شارك برأيك

لا حول و لا قوة إلا بالله

سبحان مبدل الأحوال كان الأجداد المغاربة أكثر عزًا بدينهم و إيمانهم
فالسلطان مولاي إسماعيل الذي خرج حاصر الرأس حافي القدمين متذللا لربه خاشعا لله في دعائه… كان يضرب له ألف حسابي في بأسه و شدته على أعداء وحدة بلاده و كان يضاهي ملوك أروبا مثل لويس في فرنسا١٤ و غيرهم…
و لا مجال للمقارنة بخلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات يستخفون بالدعاء و الفقهاء و كأن المصائب لا علاقة لها بما كسبت أيدي الناس… النتيجة هي الذلة و المسكنة بين الأمم

إضافة رد