فسحة رمضان.. الدور الاجتماعي للمخزن في أوقات المجاعات- الحلقة 23 – اليوم 24
المجاعة
  • أنابيك

    المجلس الإداري لوكالة «أنابيك» يدرس سيناريوهات ما بعد كورونا

  • العثماني ولفتيت

    الانتخابات في موعدها.. “الداخلية” تلتزم بالحياد والنزاهة وتنتظر مذكرات الأحزاب

  • الخدمة العسكرية

    نواة لصناعة عسكرية في المغرب.. وتعزيز أمن المعلومات

فسحة رمضان

فسحة رمضان.. الدور الاجتماعي للمخزن في أوقات المجاعات- الحلقة 23

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

تمتع السلاطين عموما بهيبة روحية وتأثير كبير وسط مختلف فئات الشعب، بحيث نشأت عند السكان قناعة بأنهم أصحاب بركة خارقة، تحيط بهم عناية إلهية خاصة. من هذا المنظور تبلورت في الذهنية الجماعية إيديولوجية جعلت فئات الفلاحين يرون في السلاطين حصنا منيعا من الجوائح.

إنها بالطبع صورة مثالية كثيرا ما كذبتها الوقائع، لكن المهم أنها اكتسبت مع مرور الزمن صبغة التقليد الغريزي المنغرس عميقا في الذاكرة التاريخية للشعب لتعطيه فكرة مطمئنة بتوفره تجاه آفات الدهر على ملاذ سياسي يتحقق بانتماء الفرد إلى الجماعة التي يرأسها سلطان قادر ببركته على إبعاد الجوائح عنه أو، إذا حلت، على التكفل بإسعافه. مثلا في 1898 التي اشتد فيها الجوع في المناطق الشرقية، اضطر الناس للهجرة إلى الجزائر بحثا عن لقمة العيش، ومما زاد الطين بلة أن السلطات الفرنسية التي كانت تحتل البلاد طردت المغاربة، فعادوا للتكدس في مدينة وجدة في حالة يرثى لها، ولما ضاقت بهم المدينة ذرعا، وطالت المعاناة، تطلع الجميع إلى السلطان طلبا للغوث، فكتب حينئذ عامل المدينة إلى الحاجب با أحماد مستعطفا “.. فورد علينا أهل الوطن طالبين إطلاع العلم الشريف بهذه الحال ليمن عليهم مولانا بما ينعش به حال ضعفائهم، فإنهم أحوج ما يكونوا إليه الآن ذاكرين أن خير مولانا كثير وأقدر منهم بجبر الكسير ليتفضل عليهم بشيء من الدقيق والزرع وغيره”. وحسبما تشير إليه الوثائق، فإن السلطان لم يكن يبقى غائبا عن هموم رعاياه، على الرغم من ضعف وسائله.

ومنذ العصور الوسطى تتجمع الشواهد على حرص السلاطين على مواساة الضعفاء، فقد كانوا يوزعون عليهم الصدقات ويقيمون المارستانات للغرباء والمجانين والحارات للجذمى، ويوقفون الأوقاف على عابير السبيل، وذوي الحاجة. وقد كانت المراهنة على تزويد الأسواق بالحبوب وتوفير لقمة العيش للمعوزين من الثوابت في وظيفتهم الاجتماعية. ويشير مصطلح “المخزن” الذي عرفت به دولة السلاطين، إلى هذه الوظيفة الاجتماعية، فقد كانوا حريصين على بناء الأهراء الضخمة لتخزين المؤن، وكان أحد أغراض هذا التخزين الرسمي ضمان إمداد منتظم للأسواق للحد من موجة الغلاء في السنوات السيئة أو في حالة الحصار. وأيضا لإغاثة المنكوبين في حالة وقوع مجاعة مفرطة. ونذكر من هذه الأهراء، الهريين العظيمين اللذين بناهما مولاي إسماعيل بمكناس، في صهريج السواني، أحدهما يحتوي كما يقول ابن زيدان على 345 أسطوانة، ويزيد طوله على 180 مترا، ولا يقل عرضه عن 69 مترا. وهذا الهري هو الذي يقول عنه أبو القاسم الزياني “وجعل المولى إسماعيل بها هريا لخزن الزرع يسع زرع المغرب كله”.

في القرن الثامن عشر، كان المخزن ما يزال قادرا على وضع المواد الغذائية في الأسواق تحت مراقبته من خلال الحسبة، وهي تعني في الاصطلاح الإسلامي مراقبة الأسعار، بحيث كان للمحتسب عيون يراقبون الأسعار وجودة السلع، كما كان المخزن قادرا على تحديد أسعار القمح والخبز، وكان يرغم التجار على إخراج مخزونهم وبيعه بسعر محدد. وقد ذكر جوزيف دي ليون، أن مولاي إسماعيل “كان يراقب بنفسه صناعة الخبز. فكان يأخذ عينات من أفران متعددة، فإذا وجدها من نوعية رديئة أو دون الوزن الذي يحدده القانون ضرب رقبة صاحب المخبزة”، وأحيانا كان المحتسب هو الذي يعاقب بالإعدام أو يخسر وظيفته إذا حصل اختلال. وخلال مجاعة 1721، “فتح السلطان مخازن القمح وفرقه على الضعفاء وذوي العاهات، وأتته قبائل البربر والأعراب وأنزلهم ببلاد الغرب”. كما كان السلاطين يحاربون الاحتكار والغش. فعندما علم السلطان أن أحد كبار الباشوات لم يخرج سوى جزء من قمحه للسوق أعطى مولاي إسماعيل، كما يخبرنا دي ليون، أوامره باعتقاله وتوثيقه من رجليه إلى دابة وجرجرته عبر أزقة مكناس ” إلى أن تمزق إربا إربا ووزع قمحه على الفقراء”. وفي مكناس عندما قام طحانو المدينة بخلط الدقيق بالجير للزيادة في وزنه مما تسبب في موت عدد كبير من الناس، علم السلطان بالأمر فأحضر في الحين أمين الحنطة مع باقي الطحانين، فاعترفوا بجريمتهم الشنعاء بعد تهديدهم بالإعدام، فأمر السلطان بجرجرتهم بواسطة البغال عبر المدينة، البعض لأنهم مذنبون والبعض الآخر لأنهم لم يبلغوا بهم. ويقول دي ليون إنه “بعد هذا التشهير لم يقع نقص أبدا في القمح إلى غاية نهاية عهد مولاي إسماعيل”.

شارك برأيك