مصطفى كرين يكتب: الحجر السياسي والدبلوماسي.. – اليوم 24

مصطفى كرين يكتب: الحجر السياسي والدبلوماسي..

  • مصطفى كرين يكتب: الحجر السياسي والدبلوماسي..

  • مصطفى كرين يكتب: الإعلام هو فن الحكم

بعد إصدار الرئيس الفرنسي في وقت سابق لـ”أوامره” المتعجرفة للسلطات المغربية من أجل تسهيل ترحيل المواطنين الفرنسيين العالقين بالمغرب، ها هي الـ”سفيرة” الفرنسية تفرض “الحجر الدبلوماسي” على المغاربة، في ما يتعلق بنموذجهم التنموي في خريف السنة الماضية، وبالضبط يوم 25 من نونبر، أي منذ تعيين بنموسى، السفير المغربي في فرنسا، والحامل على ما يبدو لجواز سفرها أيضاً، على رأس لجنة النموذج التنموي الجديد كتبت مقالا تحت عنوان: “حتى لا يصبح النموذج التنموي حماية فرنسية جديدة “، ومن باب التحفظ العلمي كذلك، لم نكن من الذين هرولوا وسارعوا للاتصال باللجنة من أجل عرض اقتراحاتنا وأحلامنا وتصورنا لمغرب الغد، وإن كنا نملك الكثير منها ونحن مبدئيا مستعدين لدعم عمل اللجنة لو بدا لنا منها ما يسرنا أو أحسسنا منها بما يحفزنا على ذلك، وهو ما لم يحدث مع مرور الأيام .

وكم كان إحباطنا، الذي لا يوازيه إلا حجم الأمل الذي كان يحدونا في البداية ونحن ننتظر الإعلان عن صيغة النموذج التنموي، كم كان إحباطنا ونحن نقرأ أن رئيس لجنتنا المحترمة يسارع، ليس إلى مؤسسة وطنية، بل إلى السفارة الفرنسية لإحاطتها علما بكل ما أفضى إليه به المغاربة من هموم وآلامٍ تعتبر فرنسا بالذات سببا مباشرا لها، وآمال وطموحات ظلت نفس فرنسا تعاكسها منذ أكثر من ستين سنة، في مشهد أعاد إلى أذهاننا حكايات الصدر الأعظم أيام الحماية الفرنسية المباشرة، وهو يتردد على الإقامة العامة الفرنسية لبسط تفاصيل الحياة اليومية السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية للمغاربة أمام المقيم العام الفرنسي .

بنموسى، الذي لم يجد ما يقوله للمغاربة بعد ستة أشهر من العمل، وجد في جعبته ما يكفي للبوح لسفيرة دولة أجنبية بكل ما دار أو على الأقل بخلاصة ولب ما باح له به المغاربة. لست من خبراء الدبلوماسية، ولكن صراحة يبدو لي الأمر غامضا وغريبا. دعونا نتساءل، هل من اللائق أن يفضي رئيس لجنة النموذج التنموي الذي أراده له الملك أن يكون نموذجا مغربيا ـ مغربيا خالصاً، لسفيرة دولة أجنبية (فرنسا) بتقرير حول عمل اللجنة حتى قبل أن تكمل اللجنة عملها؟ أليست هذه، إن صحت، رقابة مقيتة تعيدنا لزمن كنا نتمنى أن يولي إلى غير رجعة.

وهل تملك سفيرة فرنسا الحق في طلب ذلك، بينما الأمر يتعلق بمشروع وطني محض؟ وهل بقي لدى فرنسا أصلا ما تقدمه وهي التي تعاني الويلات وتعيش انهيارا لنموذجها الخاص وتعيش إفلاسا سياسيا واقتصاديا وانكماشا على مستوى امتداداتها في إفريقيا والعالم؟ وهل قام بنموسى بذلك بمحض إرادته أم تشاور في هذا الأمر مع باقي أعضاء اللجنة؟ فإذا كان قد استشار مع باقي أعضاء اللجنة، فإن المصيبة عظمى، وإذا لم يكن قد استشار، فالمصيبة أعظم . كما أن صمت اللجنة وعدم انتفاضها ضد بنموسى يعتبر دليلا على أن بنموسى، ربما، ليس الوحيد الذي اتصل بجهات أجنبية، مما يلقي بالكثير من الظل على عمل اللجنة ومصداقيتها وشرعية عملها، وهو ما يجعل قرار حل اللجنة بالكامل أفضل من تحميل بنموسى لوحده مسؤولية ما وقع.

وهل مازال هناك، بعد كل هذا، شيء يمكن تسميته بمشروع النموذج التنموي المغربي المغربي؟ شخصيا لست متفائلا بهذا الخصوص، بعدما أصبح لدولة أجنبية اليد الطولى وحق الرقابة والتتبع عليه، وربما، التجريح والتعديل، وطبعا أي تعديل أو تجريح لن يكون سوى استمرار للسياسة الاستعمارية الفرنسية، ولن يكون إلا بما يوافق هوى ومصالح فرنسا، وليس بما يخدم هموم ومعاناة المواطن المغربي.

ثم أين هي الأحزاب المغربية والشخصيات الوطنية وهيئات المجتمع المدني المغربي التي أفضت إلى بنموسى، والتي يحق لها محاسبته على إفشاء ما أفضت له به؟ لماذا تصمت الأحزاب والحكومة والبرلمان عن فعل كهذا يحتقرها ويختزل وجودها ويجعلها هي والعدم سواء؟ هل كل هؤلاء قاصرون ولا يستحقون أي إحاطة وينحصر دورهم جميعا في ما استأمنوا عليه رئيس لجنة النموذج التنموي من أسرار ومشاريع وطموحات وهموم لينقلها السيد رئيس اللجنة ويفشي ما استأمن عليه لدولة أجنبية؟

قد يكون هو حاملا للجنسية الفرنسية، وهذا حقه وشغله، ولكننا نحن لسنا فرنسيين، كما أن 99,9999 من الفرنسيين ليسوا مغاربة. ثم هل هذا السلوك سلوك معزول أم هو أسلوب ومنهجية عمل؟ وأغلب الظن أنه كذلك . السفيرة الفرنسية ورئيس اللجنة لم يقلقا كثيرا على ما يبدو للحالة الاقتصادية للمغرب ولا لوطأة الوباء على المعيش اليومي للمغاربة، بل فقط لما أفضى به المغاربة حول نموذجهم التنموي المقبل. وأين يمكن تصنيف هذا الفعل؟ هل ما وقع يدخل في إطار التعاون والتنسيق بين دولتين صديقتين وحليفتين، أم هو تطفل من دولة أجنبية على شأن داخلي مغربي، أم هو حكم بالوكالة، أم هو ولاء للخارج أم مجرد خطأ سياسي؟

فإذا كان الأمر يتعلق بالتنسيق بين دولتين مستقلتين وحليفتين، فإن السيدة السفيرة لا تملك حق التوجه مباشرة لرئيس اللجنة، بل إلى رئيس الحكومة أو على الأقل رئيس الدبلوماسية المغربية، ولكن لا سبيل إلى ذلك إلا بعدما تستكمل اللجنة عملها، ويجري تبني النموذج التنموي الوطني وتبدأ عملية تنزيله على أرض الواقع، أما إذا كان الأمر يتعلق بتطفل دولة أجنبية على شأن داخلي للمغرب، فإن الأمر يتطلب تحركا ثلاثي الأبعاد، تحرك من طرف وزارة الخارجية لفرض الاحترام ووقف هذا العبث الدبلوماسي، وتحرك من طرف الحكومة للتنديد بهذا السلوك ورد الأمور إلى نصابها، وتحرك من أجل إقالة فورية لرئيس اللجنة بسبب سقوطه في هذا المطب، وربما حل اللجنة وتجديد تركيبتها من مغاربة غير مزدوجي الجنسية حتى لا نقع من جديد في المأزق عينه. أما إذا كان الأمر يتعلق بحكم بالوكالة، فإن الأمر يتطلب إحياء فوريا لفكر ونضال الحركة الوطنية وتطهيرا لكل المؤسسات والإدارات من أولئك الذي يأتمرون بأمر المستعمر القديم الجديد المتجدد، كما يتطلب تشريعا فوريا لمنع تحمل أي مسؤولية سامية من طرف مزدوجي الجنسية إلا في إطار استشاري وتعاقدي قصير المدى وفي حالة الضرورة القصوى وفي إطار محدود وضيق ودون الاقتصار على جنسية بعينها .

أما إذا كان الأمر يتعلق بالولاء للخارج، فإنه من الواجب التحرك وفتح تحقيق في الموضوع وترتيب الآثار القانونية على ذلك. وفي انتظار اتضاح الأمر، فإن أقل ما يجب فعله، ليس فقط إقالة بنموسى من رئاسة لجنة النموذج التنموي، وليس فقط، تنحيته من منصب سفير المغرب، وخصوصا إذا كان فرنسي الجنسية، أيضاً، وكذلك على اعتبار أن السلوك الذي صدر منه يجعله محل تساؤل كبير مشروع، ولكن يجب إعادة النظر جذريا في مسألة إسناد المسؤوليات في البلاد، فإما أن نأخذ حظنا، نحن الذين بقينا صامدين بين جدران هذا الوطن رغم كل شيء، وإما أن يقال لنا صراحة هاتوا جنسية غير جنسيتكم وولاء غير الذي لديكم حتى ينظر إليكم، أو يقال لنا اخرجوا منها فلا مكان لكم فيها، لأننا بصراحة ضقنا ذرعا بهيمنة مزدوجي الجنسية والفرنسيين منهم بالخصوص على حاضر ومستقبل المغرب، والحالة أننا منذ الاستقلال لم نجن من ذلك أي قيمة مضافة وأي امتياز وأي تقدم، بل استمر الفساد في بسط أجنحته على كل شيء، واستمرت الامتيازات التي يتمتعون بها دون غيرهم في إجهاض أي إمكانية لانبثاق عدالة اجتماعية ببلادنا، واستمر كل شيء في الانهيار. لقد ضقنا ذرعا بهذا، من اختار فرنسا فهنيئا له بها، ولكن هذه الوصاية تخنقنا في هذا الوطن.

والآن مرة أخرى، هل مازال هناك نموذج تنموي؟ هل مازال المغاربة ينتظرون نموذجا تنمويا جديدا؟ وهل مازالوا مستعدين لوضع ثقتهم في هذا النموذج؟ وهل يمكن أن ينخرطوا فيه مستقبلا بعد الذي حصل؟ ومن جهة أخرى، إن سلوك بنموسى وسكوت اللجنة عليه خطيران جدا لأنهما للأسف يؤسسان ويخلقان المبررات النفسية والثقافية والإيديولوجية لمواجهة تكاد تكون حتمية بين المغرب وفرنسا، مواجهة أصبحت تقترب بخطى عملاقة ولا أحد يمكن أن يتنبأ بتوقيتها ومآلها. لذلك، فإن اختفاء بنموسى وتغيير سلوك فرنسا تجاه المملكة والحد من التمييز في إسناد المسؤوليات لصالح الفرنسيين من أصل مغربي، ستكون قرارات حكيمة فيها مصلحة البلدين معا.

شارك برأيك