السعيداني: الجائحة تكشف المعاناة اليومية وتفتح أبواب التغيير -حوار – اليوم 24
maxresdefault
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الثقافة بين نمطين في التدبير!

  • إبراهيم إبراش

    إبراش: غالبية المطبعين المغاربة هم من المثقفين والفنانين الذين لا وزن لهم- حوار

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الملكية بين عيد التذكار وعيد العرش!

حوار

السعيداني: الجائحة تكشف المعاناة اليومية وتفتح أبواب التغيير -حوار

يعد الباحث التونسي منير السعيداني أحد أبرز المتخصصين في مجال علم الاجتماع السياسي على الصعيد المغاربي، بل والعربي. إذ تقدم مؤلفاته وتحليلاته منظورات وتصورات غنية حول التحولات العميقة التي تشهدها بلاده تونس، وكذا شمال إفريقيا والشرق الأوسط. من هنا، فتحت مساهماته حول حدث فيروس كورونا، سواء فيما كتبه عنه أو في مشاركاته في الندوات الافتراضية، أفقا واعيا وواسعا لما ينبغي أن يكون عليه التفكير في وضع اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي استثنائي ومفاجئ. في هذا الحوار، نتوقف معه عند أبعاد هذا الوباء الفيروسي وانعكاساته وتداعياته المختلفة، وكذا أثر الإجراءات الرسمية الرامية إلى الحد من انتشاره.

 

على الصعيد الاجتماعي، هل ترى أن أزمة كوفيد 19 ستغير العلاقات الاجتماعية؟ وهل بمقدور مفهوم التباعد أن يصور لنا هذه العلاقات الجديدة بين الأفراد؟

*** هذه الأزمة الناجمة عن انتشار كوفيد 19 ليست أزمة صحية، بل اجتماعية شاملة. عالم الاجتماع التونسي، رضا بوكراع، يعتبرها ظاهرة اجتماعية كلية. هي، وفي آن معا، صحية وسياسية واجتماعية، وهي ممتدة في الزمن وشاملة لشرائح مجتمعية واسعة. على هذا، من الممكن تماما أن نعتبرها عدسة نرى منها السلوك الاجتماعي على الطبيعة. ولذلك أمكن لي إدخال هذا الفيروس إلى مخبر علم الاجتماع في واحد من نصوصي المبكرة (نشرته 14-03-2020)، كما أمكن لي أن أعامله وكأنه مدني خلال ندوة افتراضية (بثت 04-06-2020). ربما كانت عبارة “إعادة صياغة الصلات الاجتماعية” أفضل عبارة لتصوير أثرها في العلاقات الاجتماعية. الصلات الاجتماعية (=الروابط الاجتماعية) التي تقوم بين الأفراد والمجموعات والجماعات تتجسد في الحياة اليومية من خلال جملة من الممارسات مثل التحية والمجالسة والتحادث والسؤال عن الأحوال والزيارات العائلية وأشكال شتى من التفاعل والتبادل المادي وغير المادي. ومسارح تلك التجسيدات متعددة منها الشارع والسوق الأسبوعية والمقهى وأفضية العمل والحدائق العامة، وحتى وسائل النقل الجماعية ضمن لقاءات الصدفة… من خلال هذه الممارسات، يتم تعهد الصلات الاجتماعية وصيانتها وتجديدها ونفخ الروح فيها لإحياء ما تقادم منها أو تجديد ما تلف أو تعزيز ما ضعف أو ترقيع ما تهلهل. وفي الأثناء، ما يحدث على الدوام، هو خضوع هذه الصلات إلى التغير. خذ مثلا ظهور الهواتف المحمولة، والذكية منها خاصة، بما توفره من إمكانية الاشتراك في شبكات تواصل اجتماعي افتراضية وتنزيل تطبيقات اتصالية. لقد أدخل هذا الاختراع التكنولوجي تحولا في كيفيات التواصل بحيث أعاد صياغة الصلات الاجتماعية من حيث إمكانية تعهدها بصفة أكثر كثافة ويومية، وإن كان بتفاعل أقل مباشرة لأنه لا يتم وجها لوجه رغم إمكانية التصوير وحتى بث مقاطع مصورة حية كانت أم مسجلة.

مع الجائحة نحن نشهد تحولا ثانيا، وهو الاضطرار المديد إلى حد ما، والخارج عن إرادتنا، إلى ممارسة التباعد الجسدي. لا يعني هذا أننا لم نكن نمارس ذلك التباعد قبل اندلاع الجائحة، ولكننا كنا نمارسه بسبب انشغالاتنا المهنية والحياتية، أو لبعد المسافة، أو لطول الوقت الذي يستغرقه التحضير للقاء من لنا بهم صلة. في ظل الجائحة، نحن مضطرون لممارسة التباعد لأنه مفروض حسب الإجراءات والتدابير التي اتخذتها السلط الصحية بقرار سياسي. في هذا المعنى نحن مضطرون لممارسة “تباعد بدني”، لاحظ معي أن تسميته التي سادت، أولا، هي “التباعد الاجتماعي”. في هذه التسمية نوع من الوعي غير المعلن بأن التباعد البدني قد يؤدي إلى تباعد اجتماعي، ولذلك علاقة وطيدة باعتبار الإنسان مدنيا بالطبع، كما ذكر بذلك ابن خلدون، موضحا أن “النسبة فيه (القول) إلى المدينة، وهي عندهم (الحكماء) كناية عن الاجتماع البشري، ومعنى هذا القول: أنه لا تمكن حياة المنفرد من البشر”. إعادة صياغة الصلة الاجتماعية بممارسة التباعد البدني إذًا، مهدد لعقد المجتمع بالانفراط.

وماذا عن المجتمعات العربية، وخاصة المجتمعات المغاربية المعروفة بتقاليدها الجماعية الدافئة والحميمية؟

*** اعتيد القول إن بعض المجتمعات، جماعاتية، في معنى قيام الصلات الاجتماعية فيها على الجماعوية، وعلى الحرص الدائم على وضع ممارسات صيانة تلك الصلات وتعهدها في موقع مركزي من الحياة اليومية وأنشطتها مواعيدها الموقوتة بانتظام. ولكن اعتيد القول كذلك إن هذه المجتمعات- وعديدون هم من يعدون المجتمعات المغاربية ضمن هذا “الصنف” من المجتمعات- أقبلت منذ عقود على مظاهر من “الفردانية”، وعلى الأخص في مدنها الكبرى التي شهدت ظهور العلاقات الاقتصادية الرأسمالية المفردنة، وتشابك علاقات أفرادها بالسوق، واكتفاءهم في تحصيل موارد حياتهم المادية، و”تحررهم” من العلاقات العائلية الممتدة خاصة، واستقلالهم بالسكن المنفرد أو الأسري الضيق، واشتراكهم في حياتهم اليومية مع من لا يشاطرونهم بالضرورة الانتماء إلى الدوائر العائلية والعشائرية المعتادة، وارتباطهم، بوصفهم مواطنين بالدولة… إلخ. ثمة، بطبيعة الحال، احترازات على استخدام مفهومي الفرد والفردانية ذاتهما وعلى مقولة الفردنة، بحجة أن ما عاشته المجتمعات المقصودة، خلال العقود الأخيرة، وعلى الأخص منذ استتباب السياسات النيولبرالية، وانخراطها في أسواق البضائع والخدمات والظواهر المعولمة، ليس متكاملا ولا متجانسا ولا شاملا ولا داخلي الدافع ولا مستقل الديناميات وجودا وتطورا، وهو ما يجعله هجينا مرتبكا وضعيف الحاضنة اجتماعيا وثقافيا.

ومن آثار الجائحة أنها وضعت، بالنسبة إلى الطبقات الوسطى الحضرية في مجتمعاتنا المغاربية مثلا، المنزل العائلي ومقر الإقامة الأسري المنفرد، في موقع مركزي بالنسبة إلى نسيج الصلات الاجتماعية بحيث تم تعهد صلات الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة مثلا. ولكن معطيات متواترة، وبعضها بالأرقام المؤكدة، تشير إلى تكاثر حالات العنف العائلي المنزلي، والاعتداء على الأطفال والنساء والمعاقين من أفراد هذه الأسر، وفرار الأطفال والزوجات من العنف والاضطهاد الأسريين، ووصل الأمر إلى حالات انتحار ومحاولات انتحار. أما بالنسبة إلى الطبقات الأقل إمكانيات، من حيث وجود المنزل الأسري واتساعه، وتوفر التجهيزات الصحية فيه، ومقومات الرفاه الحياتي الأدنى، فيبدو أن سياق الجائحة لم يغير كثيرا من عادات الاجتماع والترافق والتداني البدني.

وبذلك نرى أنه لا يمكن الجزم بسيادة اتجاه واحد أو توجه غالب، على الرغم من تأكيد الخطاب السياسي- الصحي الرسمي وخطط المواجهة الموضوعة لمجابهة الجائحة على ما تعتبره ضروريا من الانضباط للوحدة والإجماع الوطنيين والطبيق الصارم لتعليمة ملازمة المنزل.

هل يمكن القول، إذًا، إن تأثير فيروس كورونا في تمثلات أفراد المجتمع وسلوكياتهم الاجتماعية والنفسية مختلف نوعا وعمقا؟ وهل يكون بمقدوره أن يغير الطبائع التقليدية؟

*** نعم، نوعية تأثير كوفيد 19 في الساكنة تختلف، وكذلك مداه. ورغم ذلك يمكن أن نرسم خطوطا عريضة لمروحة من تمثلاته الجماعية. نحن أمام مروحة من التمثلات فيها درجات خمس: أولاها درجة الإنكار بالقول بألا وجود للوباء وذلك بفضل الحماية الإلاهية، أو بفضل صغر السن وتمام العافية، أو باعتباره مرضا لا يمس إلا الأغنياء أو على العكس لا يصيب إلا الفقراء، وثانيتها درجة الاعتراف النسبي بالقول إن الوباء موجود، ولكنه ليس خطيرا كما يروج له وإن هذا الترويج يقوم به الساسة الحاكمون لغايات سياسية تسلطية، وثالثتها درجة الاعتراف المحايد بالقول إن الوباء موجود وإنه خطير فعلا، ولكن مقاومته هي مسؤولية الحكومة الحصرية أو الرئيسة على الأقل، ورابعتها درجة الاعتراف الإيجابي بالقول إن الوباء موجود وإنه خطير فعلا، ولكنه ليس قدريا وإن للشباب مثلا دورا في مقاومته، وكذلك القول إنه قابل للتحدي، بل إن تحديه واجب لضمان عدم الوقوع في براثن الفقر والجوع وقلة ذات اليد أو تهديد النوع البشري، وخامستها درجة الاعتراف النشط بالقول إن الوباء موجود وإنه خطير وبائيا واجتماعيا وهو ما يتطلب التحمس لمواجهته مواجهة مجتمعية يمكن أن تظهر من خلال أشكال متنوعة من التطوع الحر والمدني المنظم، وباعتماد سياسات تمكين على الحكومات أن تتبعها.

باعتبار الدرجات الثلاث الأخيرة، يمكن للجائحة أن تغير العوائد الاجتماعية، لا في منظورها الثقافي-الاجتماعي فحسب، بل، أيضا، في منظورها الاجتماعي-السياسي. وفي هذا الصدد كثيرا ما ينظر إلى “الحفاظ على بعض العوائد الاجتماعية”، من قبيل العناق والمصافحة والمجالسة اللصيقة المطولة، على أنه سلبي ويدل على قلة وعي بالمخاطر. ولكن، إذا ما تخلينا عن نظرة الاستعلاء التي تسم مثل هذه التقييمات، وتخلينا عن الموقع الخارجي في ملاحظة هذا السلوك الاجتماعي، واخترنا لأنفسنا موقع ملاحظة داخليا تفهميا، كما تعودت أن تفعل العلوم الاجتماعية التفهمية (ماكس فيبر) والتفاعلية (التفاعليون الرمزيون) والبراغماتية (لوك بولطانسكي)…، واعتمدنا نظرة من أسفل )إدوارد تومسون(، رأينا غير ما تقدم، وتفطنا إلى أن التمثلات التي إليها تستند هذه الممارسات نتاج تاريخي اجتماعي ممتد العروق، فيها تحضر المخاييل الاجتماعية والذهنيات السحيقة ونماذج تصور متوارثة، وآثار الموقع من التنضيد الطبقي القائم والهويات الجندرية المبنية… إلخ. ولا بد لنا، من أجل فهم تلك الممارسات، وحسن موقعتها في التحليل، من أن نشتغل على الاجتماع في بعده التاريخي، وعلى التاريخ في تجسده الاجتماعي ونقرأهما في توالفهما وتحاورهما وتجادلهما.

كيف تفسر هذا التفاوت في محاربة فيروس كورونا بين دول عربية استطاعت أن تحاصر انتشاره مثل تونس والأردن، وأخرى مازالت تسجل حالات مرتفعة من الإصابات والوفيات؟ هل تمثل نسبة وعي المجتمع عاملا حاسما في هذا الباب؟ وهل من دور للتعليم في نجاح تونس والأردن في الحد من تفشي كورونا؟

*** اسمح لي بأن أُنسّب ما بنيت عليه سؤالك. صحيح أن ثمة تفاوتا في النجاح وأن البلدان التي ذكرت، والتي تؤخذ على نطاق واسع على أنها مثال للنجاح، تمكنت من تسجيل نتائج محمودة في الحد من انتشار الوباء والتقليل من خسائره في الأرواح، وحتى في الإصابات. ولكن لا يبدو أن هذا النجاح مبهر إلى الدرجة التي تريد أن توهم بها بعض الدعايات الرسمية أو شبه الرسمية، حيث لا تعز نظائره (نجاحات فيتنام، وكوريا وسنغفورة…)، فضلا عن أنه متقلب الأوجه (الموجة الثانية من انتشار الوباء في الأردن مثلا كانت قوية) ومعرض لمخاطر الانتكاس (في تونس، تزايدت أعداد الحالات الموبوءة بعد رفع الحظر الصحي الشامل). ربما كان علينا أن ننتظر بعض الوقت لنحكم على نجاح الخطط، على امتداد نصف سنة مثلا.

وفضلا عن ذلك، كرر خبراء تونسيون ممن يتحملون مسؤوليات مرموقة في اللجنة العليا لمجابهة الجائحة في تونس أنهم هم أنفسهم، ورغم تأكيدهم على إسهام الخطة الصحية في التقليل إلى الأقصى من تبعات الجائحة، يضعون فرضيات أثر عوامل لا علاقة لها بالخطة المعتمدة. تمتد هذه العوامل من طبيعة مناخ البلاد، إلى التركيبات الجينية للتونسيين، ومعدل أعمارهم الشابة، مرورا بعاداتهم الغذائية، وصولا إلى نظام التلاقيح المقرر لهم رسميا خلال سنواتهم الأولى ومنها على الأخص اللقاح ضد مرض التدرن الرئوي (السل)، وهي كلها عناصر لها أثر مباشر في درجة متانة نظام المناعة الجسدية لدى التونسيين. ومما أعلنه الخبراء أن هذه الفرضيات سوف تكون محل دراسات معمقة وكذا محل متابعة، بل وصل الأمر إلى حد تصريحهم بأنهم ساعون إلى تحديد مواصفات مخصوصة للدواء أو الأدوية التي يمكن تقريرها للتونسيين المصابين بكوفيد 19، وهي مواصفات قد لا تكون مجدية النفع بالنسبة إلى ساكنة مناطق أخرى من العالم، حتى القريب، مثل الأوروبي مثلا.

وبالإضافة إلى هذه العناصر ثمة فعلا مجال للسؤال عن مدى اضطلاع عناصر أخرى بأدوار في نجاح الخطط الصحية في البلدان التي ذكرت. إذا ما أخذنا عنصر التعليم مثلا، أحلنا على ما قد يسمح بانتشار الثقافة الصحية ومداه وعمقه… إلخ. وفي هذا الصدد، لا بد من الملاحظة إلى التناقص التدريجي، خلال العقود الأخيرة، لموقع التعليم والثقافة التي يبثها، ومنها الثقافة الصحية، من نظام الاعتقادات والتمثلات الاجتماعية. وبالفعل، ثمة أرقام تشير إلى مغادرة ما لا يقل عن 100 ألف طفل ومراهق تونسي كل سنة مقاعد الدراسة من دون إنهائها (عدد تلاميذ المدارس الابتدائية (حتى 12 سنة) والإعدادية (حتى 15 سنة) والمعاهد الثانوية (حتى الباكالوريا) التونسيين يبلغ مليونين تقريبا). وفضلا عن ذلك، ثمة تقييمات سلبية، محلية ودولية لمردودية النظام التعليمي التونسي، زيادة على تواتر علامات استشراء الخرافات والأساطير والبعد عن العقلانية في التعامل مع الأمراض بما فتح الباب للمشعوذين والمتطببين والراقين وغيرهم. على هذه الخلفية، يمكن القول إن ثمة صراعا حقيقيا بين المعارف والثقافات في مجال المعتقدات والتمثلات ذات العلاقة بالصحة وبالثقافة الصحية، وهو صراع قديم ومستجداته لا تكف عن التغير والتبدل.

ثمة عنصران آخران قد يساعدان على فهم مدى الانضباط للخطة الصحية الرسمية في الكثير من البلدان، هما مدى حضور الوسائط الإعلامية والإخبارية وأنشطتها التحسيسية والتوعوية والتوجيهية من جهة، ومدى حضور الأجهزة الأمنية والبوليسية الضابطة لحركة الناس في الفضاء المادي والاجتماعي، والفارضة لاحترام الأوامر الصادرة في هذا الصدد. وهذان العنصران يشتغلان على الأغلب خارج اعتبارات الديمقراطية والتشاركية والإقناع والتمكين، أي خارج اعتبار المسؤولية الاجتماعية الواعية الطوعية النشطة.

على هذه الخلفية، يمكن أن نفهم الوصم الذي يصاحب تقدير مدى انضباط أقسام من الساكنة وخضوعها للخطة الصحية الرسمية، ومدى انضباط شعوب دون أخرى، ونجاح خطط مواجهة بمحفزات ثقافية دون أخرى… وعلى الأغلب يكون الموصومون هم الفقراء، والمنتمون إلى الفئات الاجتماعية الشعبية، وغير المتعلمين تعليما “حديثا” أي نابوليونيا، والرافضون لأنماط العيش الحضرية-الراسمالية السائدة، وذوو الثقافات الأهلية العريقة من المنتمين إلى الشعوب غير “المتحضرة”، والتي يقال عنها إنها “بدائية”.

تكشف لنا هذه المعطيات حالة البيوت الداخلية في ظل الجائحة. فإلى أي حد يمكن أن يمثل هذا الوباء فرصة لإعادة ترتيب حالتها المتصدعة؟

*** يكاد يكون من المتفق عليه بين العلماء والباحثين الآن، وبعد مرور نحو 120 يوما على اندلاع الجائحة، أنها فتحت أبوابا كبيرة وعلى اتساع مصاريعها للتغيير. ثمة من يضع ذلك التغيير على تهديد للوضع القائم، وثمة من يضعه على هيئة بنية فرصة متاحة، وثمة من يضعه على هيئة مقاومة، وثمة من يضعه على هيئة مصير غامض… إلخ.

لماذا تستدعى فكرة التغيير، على صيغة أمل كانت أم على صيغة توجس؟

لأن الجائحة كشفت ما كان يعتقد أنه مخبوء وغير مرئي في حين كان مادة المعاناة اليومية والمكابدة المريرة التي تعيشها كل لحظة الغالبية الساحقة من الناس على امتداد كل بلدان العالم. لقد سارعت السلطات في الهند مثلا إلى دعوة ذوي الأصول الريفية من متساكني المدن (خدم، حرفيون،…) إلى العودة إلى قراهم لأن “المدينة لا تحتمل بقاءهم”، ومنهم من قطع عشرات الكيلومترات مشيا على الأقدام حتى يبلغ قريته الأصلية. يثبت هذا المثال، في نظري، أن الجائحة بينت افتقادنا لخمسة أسس لاستدامة العيش معا، وهي الاعتراف والإنصاف والتضامن والرعاية والعدالة. فمنذ استتباب النيوليبرالية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة واكتساحها الجائح لكافة مناطق المعمورة سادت سياسات الإنكار والوصم والإقصاء والتهميش ضدا عن واجب الاعتراف، كما ساد الضيم الاقتصادي والظلم الاجتماعي والجور السياسي والعديد من أشكال الحيف الأخرى ضدا عن واجب الإنصاف، وتصاعدت وثائر الاستغلال وتزايدت مظاهر الهيمنة وأعيد إنتاج أسبابهما وتدعمت آلياتهما ضدا عن واجب التضامن، وجرى التخلي عن المسنين والمعوزين والفقراء والمعوقين وفاقدي السند، ووجد المهاجرون والمهجرون ومفتقدو المأوى والغرباء وذوو البشرات غير البيضاء أنفسهم في العراء المادي والمعنوي ضدا عن واجب رعايتهم، وزاد شعور المقهورين بقهرهم ضدا عن واجب إقرار العدالة.

وليس يقتصر فقدان أسس العيش المشترك اللائق هذه على البلدان والمجتمعات مأخوذة في حدودها الداخلية، أي إنها لا تقتصر على أن تكون ما تفضلت بتسميته “صدوعا في البيت الداخلي”، بل هو فقدان يمتد إلى العلاقات بين الدول كبيرها وصغيرها، والشعوب المتحررة منها والواقعة تحت النير، والثقافات السائدة منها والمسودة. وهذا يجعل منها صدوعا في البيت الإنساني الكبير برمته. هذه لوحة قاتمة ولا شك، ولكنها واقعية إلى أبعد الحدود وفي أدق التفاصيل، وهي ليست جديدة كما قلت، ولكنها صارت فاقعة، بما جعل كثيرين يتحدثون عن تعميق الأزمة الراهنة، وهي أزمة ظرفية، لأزمة الرأسمالية الهيكلية، والتي تظهر في المصاعب التي تلقاها في ضمان استمرارها بما اعتادته من سياسات.

ألا ترى أن هناك ميلا غالبا، في ظل الأزمة، إلى فرض إجراءات مجحفة من شأنها أن تعزز موقع الأنظمة الحاكمة؟

*** في الكثير من الخطابات السياسية الرسمية، صورت الأزمة الراهنة على أنها حرب، واستخدمت كل مفردات معجم المواجهة الحربية مع كوفيد 19 تقريبا: عدو، جبهة، تجنيد، تعبئة، خطوط خلفية، ساحة مواجهة، مناطق عمليات، مستشفى ميداني، جيش أبيض، إصابات، حصار، انتصار، تراجع… في تونس مثلا، تحول ما كان يعرف بـ”الخط الأول” للخارطة الصحية في تونس إلى “جبهة”، وتحولت “ملائكة الرحمة” إلى “جيش أبيض”، وتحولت “ولايات” البلاد إلى “مناطق” عمليات، وجرى اختيار مقر للجنة العليا للإشراف على خطة مواجهة الجائحة في تونس في ثكنة عسكرية، وأعيدت تسمية الإعلام والإخبار بـ”التعبئة العامة”، ولقب وزير الصحة بـ”الجنرال”. وفي المواجهة الفعلية للجائحة استعملت تكتيكات عسكرية في أساسها منها حظر الجولان، والحجر على ملايين من الساكنة، وجرى تقسيم البلاد إلى مناطق حسب حدة المواجهة وعدد الإصابات، وتكثفت الجولات الدورية الراجلة والراكبة التي تقوم بها التشكيلات البوليسية والعسكرية، وتم تجنيد نماذج مختلفة من الإنسان الآلي. بل تطلب الأمر تطوير تكنولوجيات مراقبة لصيقة للساكنة، فابتدعت تطبيقات إعلامية افتراضية لمتابعة الحركة البشرية الجماعية في الفضاء، وللتعرف الإلكتروني على الوجوه، وللاطلاع على المعطيات الشخصية المخزنة في الهواتف الذكية والشرائح والحسابات الإلكترونية المختلفة، وجرى تطويع قواعد البيانات وتطعيمها بالمعطيات المستجدة، وتدقيق سجلات الأسماء والألقاب والحالات المدنية والأوضاع الاقتصادية للأفراد وللعائلات، كما جرى تحيين حالات العضوية في أنظمة الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية، ومراجعة قائمات المستهلكين من أوفياء حرفاء الفضاءات التجارية الكبرى ومجموعات زبائن متاجر البيع بالتقسيط، وحرفاء بنوك القرض والتمويل…

في هذه السياسة، وبقدر ضمور الدور الرعائي الاجتماعي للدولة في تونس مثلا، تزايدت مظاهر حضورها الأمني والمراقب، وبقدر تأجيلها الاستجابة لضرورة تعديل سياساتها الاجتماعية في اتجاه العدالة والإنصاف كان حرصها على أن تكون أياديها حرة من خلال الإلحاح على الحصول على تفويض من البرلمان لاعتماد المراسيم الحكومية عوضا عن القوانين التشريعية العادية.

إلى أي مدى يمكن أن يعطي الظرف الراهن نفسا جديدا لقوى الحداثة والعقلانية؟ وهل من شأنه أن يحجم دور التيارات الدينية المحافظة، بعدما أثبت الوباء أن لا مجال للتفسيرات الخرافية والحجج الدينية في التعاطي مع الأزمة الصحية؟

المجتمع الواقع تحت أثر الجائحة ويعايش مفاعيلها المتسارعة يمكن أن يعطي أنفاسا جديدة للعديد من القوى، وهي ليست بالضرورة أنفاسا متجانسة. ليس من شأن الجائحة أن تخفت من التناقضات الاجتماعية، بل وعلى العكس من ذلك زيادة مظاهرها ومزيد إجهاد المجتمع بمفاعيلها.

لقد رأينا أن ظرف الجائحة يعطي نفسا جديدا لقوى المراقبة والمعاقبة، ولقوى الوصم الاجتماعي، كما يمكنه أن يعطي نفسا جديدا لقوى الابتكار التغييري. أن تكون ما سميتها قوى الحداثة والعقلانية من ضمن قوى الابتكار التغييري، مرتهن بحسن التقاطها للنفس الجديد الذي يهبه لها مجتمع الجائحة بحيث تجير التغيير المقبل لا محالة لصالح اتجاهها. ومن الضروري النظر نحو هذا الأفق، وكما سبق أن أوضحت، من أسفل أي من منظور مصلحة القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في تحديث مواكب لمطلبها-مشروعها في مجتمع جديد تدير شؤونه دولة رعاية اجتماعية مستقلة ديمقراطية عادلة. ويتطلب انخراط هذه القوى ضمن قوى الابتكار التغييري إكساب الحداثة المنشودة محتوى اقتصاديا واجتماعيا يصنع لها دعامة مادية راسخة، بحيث تخرج بها عن سياق سياسات التحديث والعصرنة التي شهدتها مجتمعاتنا منذ استتباب الدول ما بعد الاستعمارية في ستينات القرن العشرين. لقد كانت تلك سياسات فوقية وقسرية ومدولنة، بما جعلها غير منصفة اجتماعيا، ومعطوبة ثقافيا وعائبة تاريخيا. وبالضد عن ذلك، وفي سياق إطلاق جديد محتمل للتحديث، من الضروري أن تسود سياسات التمكين لفائدة الشباب والنساء وساكنة الأرياف والقوى الاجتماعية ذات المصلحة في الاقتصادات الاجتماعية والتضامنية. ومن الضروري أن تقوم سياسات التمكين هذه ضدا عن سياسات تجريد هذه الفئات بالذات، وهي السياسات التي رسمت ووضعت موضع التنفيذ خلال سيرورات التحديث الستينية التي سبقت الإشارة إليها. كما من الضروري أن تقوم سياسات التمكين التي أشرنا إليها ضدا عن الهدر والإتلاف الذي لحق بمكتسبات الحقب الماضية من تاريخ مجتمعاتنا.

في حوار أجريته مؤخرا على قناة فرانس 24، قلت إن أزمة فيروس كورونا قد تكون فرصة مناسبة لإعادة بناء العلاقات بين الدول العربية. في ظل الانقسامات الإقليمية حول ليبيا واليمن وسوريا، وبعد نحو ثلاثة أشهر من تفشي الوباء، هل لازلت ترى بأن هذه الفرصة ممكنة التحقق؟

*** ثمة دائما فرصة، ولكن، مرة أخرى يتعلق الأمر بالقدرة على التقاط اللحظة التاريخية وابتكار السياسات المناسبة لها. لقد سبق وأن حاججت في نص نشرته على أعمدة مجلة عمران (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) بأن العمر الافتراضي للدولة ما بعد الاستعمارية العربية قد ولى وانقضى منذ أمد بعيد (سقوط بغداد وغزوها أمريكيا)، ولم تزد الثورات والانتفاضات و”الحراكات” والحركات الاجتماعية الاحتجاجية المطلبية العربية بموجتها الأولى (2010-2011) وبموجتها الثانية (2019) أن أكدت هذا الانقضاء. سياسات المحاور السائدة الآن على علاقات الدول العربية في ما بينها بتنافذها مع قوى المصالح الأجنبية الإقليمية والدولية، هي محاولات، فاشلة ولاشك، لإحياء رميم الدولة ما بعد الاستعمارية العربية. وليست السياسات الانعزالية التي سادت في التعامل مع الجائحة الراهنة سوى دليل إضافي على موات ما كان يعرف بالتضامن العربي، وهو واحد من أسس قيام الدولة ما بعد الاستعمارية العربية، وإحدى “ضمانات” مشروعيتها وواحدة من تعلات ديمومتها. وليست الخسائر المهولة والمؤلمة التي نشهد جراء سياسات المحاور والسياسات الانعزالية في قطاعات الصحة والتعليم وغيرهما، إلا مظهرا من مظاهر ما سميته إتلافا وهدرا للمكاسب المحققة، وهو هدر يطال الثروات الطبيعية. خذ مثلا تنقل الأفراد وتبادل الأنشطة الثقافية واحتضان الفعاليات الفنية وتشجيع التبادل السياحي،… إلخ. ما الذي يمكن لنا أن نلتقطه في هذا الصدد على المستوى الرسمي العربي خارج سياسات المحاور؟ لا شيء.

وعلى ذلك، ما يجب التقاطه لا يقع في هذا الجانب، بل في جانب مبادرات مدنية ممكنة قد يكون فيها دور للنخب العلمية الإنسانية والاجتماعية العربية، إذا ما عملت على تجاوز الحدود والانقسامات العربية الموهومة-الموروثة وخاضت بحدية في التشبيك العلمي والتشاركة المعرفي من خلال تطويع تكنولوجيات الاتصال الحديثة. لقد أطلقت، في ختام ندوة (18-06-2020) نظمها مركز فاعلون للأنتروبولوجيا والبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية وجامعة باتنة 1 (الجزائر)، واشترك فيها قرابة الأربعين باحثا من أقطار عربية مختلفة، دعوة إلى تفعيل مقترح انتظام الندوات العلمية الافتراضية العربية ونشر مخرجاتها والترفيع الدائم من جودتها العلمية وترويج نتائجها المعرفية، وهي دعوة كنت قد رسمت بعض ملامحها الأولى بمناسبة اشتراكي في ندوات افتراضية سابقة، انطلقت باستضافات مغربية كريمة مررت منها إلى استضافات أخرى في عمان والعراق ومصر وتونس.

في ندوة افتراضية انعقدت مؤخرا، قال الكاتب المغربي حسن أوريد إن المرحلة الراهنة هي مرحلة لايقين وتوجس وارتياب. في نظرك، هل اهتزت فعلا المنظومة الدولية، بمفاهيمها المختلفة (الديمقراطية، العولمة، السوق، العلاقات الدولية…) بسبب فيروس “كوفيد 19″؟

*** أنا أوافق حسن أوريد، الذي أحييه بالمناسبة، على ما تفضل به. وأدقق أننا انتقلنا من اللايقين والتوجس والارتياب، وهي من علامات مجتمع المخاطر، كما يسميه عالم الاجتماع الألماني “أولريش بيك”، إلى تحقق المخاطر وتجسدها في هذا التغير العاصف الذي يلف العالم بالمظاهر التي عددنا في الأجوبة السابقة. وعلى ذلك أرى أننا انتقلنا إلى ما أسميه “مجتمع الجائحة” بسماته الخمس الكبرى وأولها التسارع في التغيير وفي آثاره، وثانيها الإجهاد بأثر من تناقضاته الاجتماعية المتراكبة، وثالثها الإتلاف المهدد للمكاسب الاجتماعية والفكرية ولأسس الحياة الطبيعية، ورابعها الابتكار في تكتيكات البقاء على قيد الحياة وعلى قيد الوجود الاجتماعي، وخامسها المقاومة. نعم، تهتز أسس المنظومة الدولية، ولذلك هي مقبلة على مستقبل تغييري من أبوابه المشرعة، التي أشرعتها الجائحة والرعاية وضرورة تجديدها والعدالة وواجب إقامتها.

 

هناك من توقع في بداية هذه الأزمة الصحية العالمية أن الحروب ستتوقف- ولو مؤقتا- لكن هذا لم يحدث. في نظرك، لماذا لم يؤثر فيروس كورونا في الحروب، كما أثر في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والأحداث الثقافية، إلخ؟

*** ثمة أسواق لا تتوقف أثناء الأزمات، بل تصير بضائعها نافقة أكثر، ومنها سوق السلاح. وهذا وجه من وجوه الإتلاف بوصفه سمة من سمات مجتمع الجائحة. ولكن لاحظ معي أن الحروب التي ظلت مشتعلة هي حروب داخلية، ومواقعها موجودة في اليمن وليبيا مثلا، وفيها طبعا ما هي حروب بالوكالة، وما هو مزيج بين الحرب الأهلية والحرب العدوانية الخارجية الغازية. ومثلما اعتبر التراب الوطني في الكثير من بلدان العالم ساحة للحرب الداخلية، مثلما كان عليه الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب طويلة الأمد ضد السود والفقراء والمهمشين، اعتبرت مناطق النفوذ ومواطن البترول وحدود الدول المتصاعرة ساحة حرب دولية. وللأسف، لا حل للكثير من التناقضات التي أدخلت النيوليبرالية فيها العالم إلا بالحرب، وبالضبط لأن النيوليبرالية هندستها بهذا المنطق وبرمجت اشتغالها على هذا الأساس.

شارك برأيك