الباكالوريا في زمن كورونا… لا غنى عن دروس الدعم الحضورية والشهادة لا بد منها – اليوم 24
إجراءات مشددة لمنع تسريب الإمتحان
  • كورونا

    طنجة تحت الصدمة.. الجائحة تتفشى

  • المستشفى العسكري- كورونا

    الطب العسكري يتهيأ للعودة إلى مستشفيات طنجة

  • كورونا

    الشمال يسجل أثقل حصيلة وبائية منذ بداية الجائحة

مجتمع

الباكالوريا في زمن كورونا… لا غنى عن دروس الدعم الحضورية والشهادة لا بد منها

ما تزال امتحانات السنة الأخيرة من المستوى الثانوي التأهيلي، تحظى باهتمام خاص لدى شريحة واسعة من الأسر المغربية، إذ يُحضر لها في أجواء وطقوس خاصة، كما أن تحدي النجاح فيها يعد موضوع تباه ومدعاة للافتخار بين الأسر، ومسألة اعتزازا أو عدم الرضا بالنسبة إلى الوالدين، بل وعند البعض يرتفع التقديس لشهادة الباكالوريا لتصير كأنها قضية مصيرية، وعند فئة أخرى تعتبر شهادة من الشهادات سواء حالفهم النجاح، أو حال دونهم التعثر والإخفاق. ورغم أن موعدها هذا الموسم يتزامن مع تفشي وباء “كوفيدــ 19″، فإن الطقوس المعتادة داخل كل بيت مغربي جارية على قدم وساق، وذلك على بعد ساعات من موعد الامتحان الوطني.

هذه المشاعر المختلفة، والمتباينة، لامسناها في شهادات تلاميذ صادفناهم في زيارة مفاجئة إلى مركز الخوارزمي للدعم والتقوية بمدينة طنجة، أول أمس السبت، إذ كان التلاميذ متفرقين في قاعتين، قسم ينجز فيه المقبلون على امتحانات الباكالوريا التمارين التي يقدمهما لهم أستاذ العلوم الطبيعية، وقسم آخر يتابع فيه تلاميذ بإمعان شروحات أستاذ مادة الفلسفة عن كيفية تحرير نص فلسفي.

تباعد حضوري

منذ أسبوعين تقريبا، أي بعد إقرار السلطات الرفع التدريجي لقيود الحجر الصحي، بدأت شيماء الميموني، الحضور إلى أحد مراكز الدعم الدراسي الموجود في شاعر فاس وسط مدينة طنجة، سألناها عن دواعي تمسكها بالدروس الحضورية المباشرة، عوض الدروس عن بعد، فقالت بأن “المراجعة في المنزل غير متوفرة، فأخي الصغير يربك تركيزي بشغبه الطفولي، وطلبات أختي الصغيرة تشتت ذهني، زيادة على أن المراجعة الجماعية عن بعد، لا تسمح لي باستدراك ما يفوتني من نقص في الفهم مع أساتذتي، لذلك أفضل الدروس الحضورية لإشباع نهمي من الأسئلة بأكبر قدر ممكن”. داخل مركز الخوارزمي للدعم والمراجعة، أجواء خاصة، فرضتها مناسبة الاستعداد للامتحان الوطني للباكالوريا، وتداعيات جائحة فيروس كورونا، فقاعات الدروس لم تعد تستوعب أكثر من ستة تلاميذ في كل قاعة، إضافة إلى الأستاذ، عكس ما كانت عليه قبل زمن الجائحة، حيث كانت تمتلئ بنحو 20 تلميذا، يقول زكريا بنعلي، مسير تربوي بهذا المركز، مؤكدا أن “التقيد بالإجراءات الاحترازية والوقائية من تفشي العدوى أمر ضروري لا محيد عنه في مثل هذه الظروف، فالسلامة الصحية رهان أول قبل كل شيء”.

وأوضح زكريا في معرض حديثه مع “أخبار اليوم”، “أن المركز أقفل أبوابه ثلاثة أشهر ويزيد، وذلك منذ منتصف شهر مارس الماضي، تزامنا مع قرار وزارة التربية الوطنية تعليق الدراسة الحضورية، لكن الطلب على دروس الدعم والتقوية لم يتوقف من لدن التلاميذ، خاصة أصحاب المستويات الإشهادية المقبلين على الامتحانات الوطنية والجهوية، دفعهم للاستعانة بتقنيات التواصل عن بعد في المراجعة مع التلاميذ، وقد كانت الدروس مفتوحة الولوج بشكل مجاني أمام الجميع، وكانت تستقطب تلاميذ من مختلف ربوع الوطن، وذلك على صفحتنا الرسمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، حسب قوله.

وإلى جانب دروس الدعم والتقوية، يضيف المتحدث، “أطلق المركز مبادرات موازية خاصة أمام موجة انتشار الأخبار الزائفة المتعلقة بمستقبل الموسم الدراسي، والتي لم تتوقف إلى غاية الإعلان الرسمي لوزارة التربية الوطنية عن قرارها بشأن الامتحانات النهائية، أبرزها مبادرة “تحققوا” لمكافحة الأخبار الزائفة المتعلقة بمجال التربية والتعليم، وقد ساعدت التلاميذ المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، على تلقي المعلومة الصحيحة المتعلقة بمواعيد الامتحانات ومباريات ما بعد الباكالوريا والمنح الدراسية، وغيرها من المعلومات المتعلقة باهتمامات التلاميذ المقبلين على الامتحانات الإشهادية”.

الشهادة ولا بد!

في إحدى قاعات مركز الدعم والتقوية كان أستاذ العلوم الطبيعية، مصطفى مدوار، يشرح درس Les lois statistiques de la transmission des caractères héréditaires chez les diploïdes، كان يقطع كلامه بين الفينة والأخرى أسئلة التلاميذ الستة الحاضرين، يسألون بالتناوب أو دفعة واحدة في بعض المرات، يبدو أن تركيز التلاميذ منصب على امتحان الباكالوريا، ولم تعد هواجس فيروس كورونا مسيطرة عليهم. تقول شيماء في حديث للجريدة معها “كل تركيزي منصب على الامتحان الوطني، فوالدتي تعيرني بأختي التي سبق أن حازت على شهادة الباكالوريا باستحقاق، لذلك فأنا أنافس شقيقتي التي كانت قبل عامين حصلت على الشهادة بمعدل 18 / 20”.

عند انتهاء درس الدعم والتقوية، وجدت شيماء الماموني والدها في انتظارها عند باب المركز، يحتضنها بعدما قبلت يده، ثم يسألها بحرص شديد باديا من خلال محياه، كيف كان درسك اليوم؟ فتجيبه بتمتمات، ثم يعقب قائلا؛ “ما تزال مادة اللغة الإنجليزية تنتظر دورها في المراجعة”، فتجيبه بلغة الواثقة المتمكنة مطمئنة إياه قائلة، “الإنجليزية سأتركها إلى عشية الامتحان، أعتقد أنني بحاجة للتركيز أكثر على الرياضيات والعلوم الطبيعية والفزيائية”، فيرتب على كتفها تعبيرا عن الرضا ثم يعقب محفزا إياها “هكداك أبنتي ديري الخاطر لماماك وحاولي تجيبي الباك بالمعدل باش تهزي راسنا وتشرفي العائلة كلها إن شاء الله”.  حكاية شيماء مشابهة لقصة منال مع الاستعدادات لامتحان الباكالوريا، وقد لا تختلف إلا في بعض التفاصيل، فقد كانت منال، التي تدرس بشعبة الآداب والعلوم الإنسانية، تستفيد من حصة في درس “البناء الحجاجي في النص الفلسفي”، وقد كان الأستاذ بلال اليوسفي، يبذل قصارى جهده ليلقن التلاميذ كيفية استخراج أدوات الفهم من النص وتحديد الأطروحة، والقواعد المنهجية لبناء نص حجاجي بأدوات فلسفية. كان في كل مرة يقطع شرحه بعبارات تحفيزية تحث تلاميذه على التركيز وتفادي التوتر، واعدا منال التي كانت أكثرهم قلقا، “بتحقيق نتيجة مذهلة إذا ما هي تقيدت بالقواعد المنهجية في التعامل مع النص الإشكالية المنتظر أن يأتي في ورق الامتحان الوطني”، وفق تأكيده.

حيرة أمهات

إذا كانت هذه الأيام بمثابة الدقائق الأخيرة من العد العكسي لموعد إجراء امتحان الباكالوريا، بالنسبة إلى التلاميذ المجدين، فإنها لدى البعض الآخر “ما تزال موعدا بعيدا”، وبالتالي فالاستعداد لها عندهم لا يؤخذ على محمل الجد، إذ لا يبدأ العد العكسي عندهم إلا في آخر الأيام من موعد الامتحان، لكن وأمام لا مبالاة هذه الفئة، فقلوب أمهاتهم تتأرجح بين الحيرة والترقب، حائرات كيف يحفزنهم على الحفظ والمراجعة، ويترقبن كيف سيتعامل أبناؤهن مع أوراق الامتحان الواحدة تلو الأخرى، وبالتالي يعتصرهن القلق إزاء النتيجة المرتقبة. أم جابر واحدة من هؤلاء الأمهات المنشغلات بلامبالاة فلذات أكبادهن مع الامتحان الوطني، فابنها ليس متحمسا لخوض امتحان الباكالوريا بالحماس الذي تريده له. تقول “أم جابر” في دردشة مع الجريدة: “مازلت أحلم بأن يكون ابني مثل أبناء أخواله، واحد تمكن من ولوج كلية الطب والصيدلة، والآخر يدرس بالمعهد العالي للزراعة والبيطرة في الرباط، لكن ابني البكر يعاكس رغبتي ولم أعرف كيف سأقنعه، فلم أعدم وسيلة أحفزه بها لكنني لم أفلح، وأنا نادمة على الأمر”. وفي ثنايا كلامها، لا تخفي المتحدثة أن رسوب ابنها، أو حتى نجاحه دون معدل معتبر، سيجلب لها “المهانة” بين أبناء أشقائها، “فنجاح الأولاد بالمعدل مدعاة للتباهي والتفاخر وسط عائلتنا منذ زمان”، تقول أم جابر، وبالنسبة إليها، فإن تزامن امتحان الباكالوريا مع زمن جائحة فيروس كورونا، ليس مبررا للتخاذل عن الجد والاجتهاد، لكن ابنها يبرر ارتخاءه بكونه غيّر ميولاته العلمية واهتماماته المعرفية، واتجه لتعلم مهارات التصوير والمونتاج وبرامج التطوير المعلوماتي، لذلك سيكتفي حسب قوله بما حصله من دروس عن بعد، ستكون زاده أيام الامتحان الوطني المنتظر خلال الأسبوع الجاري.

ويبقى موعد امتحانات الباكالوريا هذا الموسم استثنائيا عن غيره من المواسم الماضية، فقد كان الاستعداد النفسي للتلاميذ، حسب بلال اليوسفي، الأستاذ بمركز الخوارزمي للدعم والتقوية بطنجة، الرهان الأول والتحدي الأكبر في التعامل مع المقبلين على الامتحان، معتبرا أن نفسية عدد منهم كانت متأرجحة بين القلق النفسي من الامتحان، وبين المخاوف من الحالة الوبائية التي لم تفارق البال، إذ رغم تطمينات السلطات، فعقل التلاميذ والآباء والأمهات على حد سواء، منشغل بالرغبة في التفوق الدراسي وجني ثمار الموسم، وفي الوقت عينه الحفاظ على السلامة الصحية وتجنب الإصابة بالفيروس التاجي، حسب قوله.

شارك برأيك