بلال التليدي يكتب: مساجلة في الملكية والإسلاميين والانتقال الديمقراطي – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: مساجلة في الملكية والإسلاميين والانتقال الديمقراطي

  • بلال التليدي يكتب: الفاشلون

  • بلال التليدي: يكتب حجج سخيفة

ليس من عادتي الدخول في المساجلات، لكن هذه المرة سأكسر العادة، وأناقش أحد الزملاء على خلفية نقاش جرى بينه وبين الدكتور حامي الدين حول الإسلاميين والملكية والانتقال الديمقراطي.

جوهر فكرة الزميل يونس دافقير أن الإسلاميين في المغرب يعتبرون كابحا لتطور الملكية، وأنهم لو تطوروا لساعد ذلك الملكية على الذهاب بعيدا في التحديث. 

وجوهر فكرة الدكتور حامي الدين،  أن الملكية تتطور بتطور المجتمع، وأن التحديث السياسي والانتقال نحو الديمقراطية يتطلب تطور المؤسسة الملكية.

لا أريد أن أكون مخاتلا في التفاعل مع أفكار دافقير، وإلا فصياغته تفتقد لكثير من اللياقة، إذ صورت الملكية “رهينة” للإسلاميين تحتاج لمن “يحررها”، و”مضطرة” لمسايرة المحافظين، وأن أفق تطورها “يحدده” المد الإسلامي.

لا أحب التركيز على هذه الصياغة غير اللائقة عن الملكية، فهي أسوأ بكثير من التأويل الذي أضفي مرة على بعض تصريحات الدكتور حامي الدين، ومع ذلك، لا أحب لعبة الوشاية، وأنا في سياق مناقشة موضوعات كبيرة من هذا الحجم.

 لنتجه إلى محل النزاع، فالذي يفرق بين وجهتي النظر هو تركيز كل واحد من الطرفين على أحد جوانب التحديث، فالزميل دافقير يهمه بشكل أكبر التحديث الثقافي (الديني الهوياتي والقيمي)، في حين يركز الدكتور حامي الدين على التحديث السياسي، إذ كلامه عن الانتقال الديمقراطي.

التحديث السياسي، أو الانتقال الديمقراطي في  بعده السياسي، بما يعنيه من تحول كل المؤسسات، بما في ذلك النخب السياسية وقوى المجتمع المدنية، والمؤسسة الملكية، كان بالأمس مقولة للقوى الديمقراطية، لكنه أصبح اليوم مقولة للمؤسسة الملكية نفسها، فمستشار الملك عبداللطيف المنوني أكد في حوار سابق مع وكالة الأنباء الفرنسية، “أن المغرب ماض نحو الملكية البرلمانية”، وعزا سبب عدم بلوغ هذه الغاية إلى وجود مقتضيات يلزم تجويدها، واعتبر أن المشكلة تكمن في ضعف الأحزاب وعدم تلبيتها للمنتظر منها دستوريا. فواضح من هذا التشخيص المصاغ بلغة فيها كثير من اللياقة قياس تطور الملكية بتطور النخب السياسية.

ما أفهمه من كلام المنوني أن الملكية لا يمكن لها أن تتطور من طرف واحد، في ظل ترهل الحقل الحزبي، وإنما تتطور بشكل منسجم مع تطور كل المؤسسات والنخب السياسية، وهو عين ما ذكره الدكتور حامي الدين. 

أما التحديث الثقافي المرتبط بالهوية والقيم والنظرة إلى النص الديني، فلا ينبغي تبسيط علاقة المؤسسة الملكية به، والقول بأن أفق تطور الملكية فيه، يتحدد بثقل التيار الإسلامي المحافظ، فشرعية الحكم الدينية سابقة على وجود الإسلاميين، وكثير من “المتنورين” الذين يتقاسم الزميل دافقير معهم الرؤية مثل أحمد عصيد وغيره، لا يترددون في القول بأن المشكلة في أصولية الدولة، وأنها توظف الإسلاميين ضد الحداثيين للإبقاء على طابعها التقليدي المحافظ!

لا أتبنى هذا التحليل، لكن أسوقه للتدليل على التناقض في مسلك المحاججة عند الحداثيين، وللتأكيد على أن التحديث الثقافي في المغرب، يجري بشكل لا يتعارض مع نظام إمارة المؤمنين، وأن هذه المؤسسة التي أصبح لها بمقتضى دستور 2011 وضعا مؤسساتيا، هي التي لها الصلاحية الحصرية في تحديد الحلال والحرام وتدبير المصالح المرسلة، أي لها الحسم في القضايا الثقافية المجتمعية التي للدين رأي فيها.

نعم، ثمة اعتبار للديناميات الاجتماعية والسياسية في هذا الحقل، والملكية مثلها مثل أي حكم تتفاعل مع هذه الديناميات، وإن كان هناك من إيقاع مجتمعي يميل لجهة معينة، فالمشكلة تقع على ترهل القوى الحداثية، وعجزها عن تنظيم نفسها وتأطير المجتمع، وصياغة رؤيتها التحديثية في المجال الثقافي بشكل يتناسب مع مرجعية البلاد، ولا يحدث أي تماس مع مؤسسة نظام إمارة المؤمنين.

ولذلك، فمقولة أن يكون “الإسلاميون بالمغرب كوابح للتطور الملكية” خاطئة بالاعتبارين، أي باعتبار دورهم في الحقل السياسي وفي الحقل الثقافي أيضا، وما يثير المفارقة حقا، أن يصدر من محتك بالعلوم السياسية، تذمر من العملية الانتخابية وما  تنتهي إليه نتائجها، وتتضاءل لديه قيمة العملية الانتخابية، وما تفرزه صناديق الاقتراع لمجرد الشعور بالرتابة، أو الإحساس بضرورة ألا يعود الإسلاميون مرة أخرى لقيادة الحكومة.

الديمقراطي لا يمكن أبدا أن يرتد إلى مواقع الرجعية السياسية، فهو لا يكتفي فقط، باحترام النتائج التي يفزرها الاستحقاق الانتخابي، بل يدافع عن تحقق مترتباتها، ويدعو القوى الديمقراطية التي خذلتها أصوات الناخبين إلى إعادة تنظيم صفوفها، ومراجعة ذاتها، والنظر إلى مكمن الخلل، هل هو في رؤيتها، أم في عدم فهمها لمجتمعها، أم في عجزها عن صياغة رؤية تلامس تطلعاته،  أو في ركوبها لغة لا يفهمها الجمهور؟.

الحقيقة التي أومن بها، أن أكبر عدو للديمقراطية، وأكبر كابح لتطور المؤسسات، وتطور المجتمع، هي القوى التي تتبنى التحديث، وتغتاله كل لحظة وحين بطروحات رجعية، وتتحول إلى مواقع  الوشاية واختلاق التوتر بين المؤسسات.

شارك برأيك