عادل بنحمزة يكتب: السلطان أردوغان والنادي المسيحي! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: السلطان أردوغان والنادي المسيحي!

  • عادل بنحمزة يكتب: ترامب.. تاجر البيت الأبيض!

  • عادل بنحمزة يكتب: ترامب.. تاجر البيت الأبيض!

المواجهة الإعلامية المفتوحة التي تعرفها العلاقات التركية الغربية، على خلفية القرار القضائي/السياسي التركي بتحويل متحف آية صوفيا إلى مسجد، هي فقط تعبير عن التوترات المقبلة بين الدولة العثمانية الجديدة وبين من يعتبرون، دون أن يصرحوا بذلك، أن الاتحاد الأوروبي هو في الواقع نادي مسيحي مغلق. تتعزز هذه القناعة عندما نستحضر أن دول الاتحاد اعترضت على انضمام تركيا، وذلك بعدما فرضت شروطا كثيرة عليها، بينما في المقابل، قبلت دول المعسكر الشرقي سابقا ذاتها، باقتصادات ضعيفة جدا عكس الاقتصاد التركي، وكل من كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي السابق، علما أن تركيا كانت مؤهلة أكثر من غيرها للانضمام إلى الاتحاد، ويظهر واضحا أن مسألة الهوية الدينية وما يرتبط بها، كانت عاملا حاسما في موضوع الانضمام إلى الاتحاد، علما أن تلك المفاوضات الطويلة جرت قبل وصول حزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان للسلطة، إذ لم يشفع لتركيا كونها حليفا للغرب في حلف الناتو وواجهة كانت دائما متأهبة في مواجهة المعسكر الشرقي بزعامة السوفيات.

قد نختلف أو نتفق مع القرار التركي، لكن ردود الفعل التي صاحبته كان مبالغ فيها بشكل كبير، خاصة تلك التي صدرت من الدول الأوروبية، فإذا كانت تلك الدول تحذر اليوم من النزعة الإسلاموية لأردوغان وحزبه، فإن الواقع يشهد أن سياسات إقصاء تركيا من الفضاء الأوروبي في العقود الماضية، عززت تلك النزعة ولم تترك للأتراك غير هويتهم الدينية والقومية، كخط دفاع أخير لصيانة كرامتهم التي جرى إذلالها في أشواط من المفاوضات الطويلة مع الأوروبيين، فالرفض الأوروبي ساهم في تعزيز الهوية التركية ببعدها العثماني، حيث سعى الأتراك إلى إعادة اكتشاف بعد أساسي من هويتهم، تعسف عليه في لحظة من اللحظات الراحل كمال أتاتورك، هذا البعد هو البعد الإسلامي الذي جعله كمال، بعد إعلان نهاية نظام الخلافة الإسلامية، مجرد بعد من بين أبعاد أخرى محددة للهوية التركية، بل وبعدا هامشيا ليس إلا، ومثلت محاولات كسر هذا التنمية الثقافي والهوياتي، فرصة لصعود لافت لظاهرة أردوغان ومعه حزب العدالة والتنمية، الذي نجح في ما فشلت فيه الحركة الإسلامية في تركيا منذ منتصف السبعينيات، ألا وهو عدم الاصطدام مع المؤسسة العسكرية، وعدم المس بالهوية العلمانية للمجتمع والدولة، وعدم خلق بنية حزبية منغلقة إيديولوجية والرهان الكلي على تحقيق النجاح الاقتصادي واستقطاب حلفاء جدد بخلفيات برغماتية وليست إيديولوجية محضة، فتحقق لأردوغان بهذه الوصفة السحرية، ما لم يتحقق لمن سبقوه من قادة الإسلام السياسي في تركيا. أما على المستوى الاقتصادي، فإنه حقق معجزة غير مسبوقة، مما ضاعف مناصريه ممن لا يتقاسمون معه بالضرورة خلفيته الإيديولوجية، لكن الربح يقودهم..

قبل سنوات بدا أن أردوغان يعيش تضخما كبيرا في “الأنا”، وبدأ يتحرر كثيرا من المحاذير التي طوق بها نفسه بخصوص خلفيته الإيديولوجية وظهر ذلك جليا في كثير من القوانين التي تؤطر المجال العام، كما أن تراكم النجاحات الانتخابية الباهرة، أنسى أردوغان بأن  الديمقراطية ليست فقط، حكم الأكثرية، بل هي أساسا الضمانات التي تتوفر للأقلية، ويمكن القول على هذا المستوى وعلى مستوى حرية التعبير، إن تركيا بدأت تنحدر في اتجاه السلطوية والاستبداد بشكل يعيد إنتاج تجربة بوتين في روسيا، وشكل “قرار” أردوغان تغيير طبيعة النظام السياسي في البلاد، من برلماني إلى رئاسي بعد استنفاده عدد الولايات المسموحة له في رئاسة الحكومة، وتمكينه في المقابل من ولايتين جديدتين كرئيس للدولة باختصاصات كاملة، كل ذلك تحقق بعد بسط نفوذه الكلي والمطلق على حزب العدالة والتنمية، أولا، وعلى مفاصيل كثير في هياكل الدولة.

المواجهة المفتوحة التي يخوضها اليوم، أردوغان مع الغرب بصفة عامة، هي عملية محسوبة بعائدها الانتخابي، حيث يراهن على الفوز فيها، وهي مواجهة مشحونة بالعواطف ومجيشة للمشاعر، وهو كل ما يطلبه أردوغان للفوز، لكن ليس الرئيس التركي هو فقط، من يسعى إلى الفوز بعائد هذه المواجهة، بل حتى أولائك الذين ينتقدونه أفرادا وجماعات.

 

شارك برأيك