عادل بنحمزة يكتب: دروس «بورقعة»! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: دروس «بورقعة»!

  • بنحمزة

    عادل بنحمزة يكتب: ليبيا بين نجاح التسوية أو التحول النهائي إلى دولة فاشلة

  • عادل بنحمزة يكتب: تدبير الجائحة بالخيبة!

احتلت أخبار مغادرة الملك السابق لإسبانيا خوان كارلوس لبلاده في اتجاه المنفى الاختياري بأبوظبي، واجهة الأخبارعلى الصعيد الدولي، وفي المغرب يحق لنا أن نهتم أكثر من غيرنا بما يحدث في الجارة الشمالية، إذ إن خوان كارلوسليس شخصية عابرة في التاريخ المعاصر لإسبانيا، كما أن شبهات الفساد التي تطارده وتطارد أفرادا من عائلته، تكشفلنا أن الديمقراطية لا تمنع دائما المسؤولين، حتى الذين يتوفرون على رمزية كبيرة، من الوقوع تحت إغراءات الفساد، لكنما تمنحه الديمقراطية هو عدم إمكانية الإفلات من العقاب، مهما كان المعني بالأمر، ومهما كانت رمزيته، فأمام القانونيكون المجال مفتوحا فقط، أمام الأدلة والأدلة المضادة.. إسبانيا، فضلا عن نجاحها الديمقراطي المثير للاهتمام، هي،أيضا، نموذج لنجاحات اقتصادية تستحق الوقوف عندها.

لقد حققت الجارة الشمالية سنة 2017 إنجازا كبيرا فيما يخص قطاع السياحة، إذ أصبحت ثاني وجهة سياحية فيالعالم بعد فرنسا، واستطاعت بذلك أن تزيح الولايات المتحدة الأمريكية. القطاع السياحي في إسبانيا استطاع أنيستقطب 82 مليون سائح ضخوا في خزينة الدولة الإسبانية حوالي 87 مليار أورو، بارتفاع بلغ 12 في المائة مقارنةمع سنة 2016. نعم، 87 مليار أورو في قطاع واحد هو السياحة. في المقابل، بلغ ناتج المغرب الخام في كل القطاعاتتلك السنة أكثر من 120 مليار دولار بقليل، هنا يظهر الفرق الشاسع بين اقتصادين جارين، يملكان المواصفات ذاتها  والمنتج السياحي ذاته، والمنطقة الجغرافية ذاتها والمناخ المعتدل ذاته، وتقريبا التقاليد الغذائية نفسها، لكن التفوق يبقىظاهرا بشكل لا يسمح بالمقارنة، هذا أحد دروسبورقعة“….

بورقعةكان نعتا قدحيا يطلقه المغاربة على المهاجرين الإسبان سنوات الستينيات والسبعينيات، كما يصفوننا اليوم همبـالمورو، حيث تخصص الإسباني في تلك الفترة في أنواع من تجارة القرب، مثل بيع الأواني المنزلية بالمقايضة، كمااشتهروا بتنشيط مدن/ملاهي متنقلة بين المدن والقرى الصغرى. لكن اليوم، الحالة مختلفة تماما عن الماضي، هي حالةالمشاهد المؤلمة التي تكررت طويلا في معابر سبتة ومليلية المحتلتين، حيث كانت مشاهد دفع النساء وهن محملات بأطنانمن المواد المهربة، وحالات الهجرة السرية التي أزهقت أرواح شباب في عرض البحر، وحالات المتورطين في أعمال إرهابيةوتجارة المخدرات، باختصار، المسافة بين البلدين صارت أكبر بكثير من المسافة التي توجد حقيقة في الجغرافية.

إسبانيا، التي عاشت واحدة من أسوأ الحروب الأهلية في العالم، تحتضن اليوم أكبر عدد من المقابر الجماعية في العالم،التي تشهد على تلك الحرب المدمرة، فقد عاشت في ظل ديكتاتورية عسكرية قاسية، لكنها عرفت الوصفة السحريةللتخلص من الفقر والتخلف والحروب، وكانت الوصفة باختصار، هي الديمقراطية..

الانتقال الديمقراطي في إسبانيا يعتبر واحدا من التجارب المدهشة والناجحة في الوقت عينه، ورغم المحاولة الانقلابيةعلى التجربة بداية الثمانينيات من القرن الماضي، فإن توافق القوى السياسية ومصداقية المؤسسة الملكية، كانا متراساأمام مشاريع النكوص. إسبانيا، أيضا، استطاعت في سياق تدابير الانتقال الديمقراطي، أن تستوعب النزعة المناطقية/الجهوية بنفسها الانفصالي، وكان الحل هو تمكين جميع الجهات من حكم ذاتي حقيقي، وحتى عندما تعاظمت النزعةالانفصالية في كتالونيا لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، فقد كان الدستور هو الفيصل وسند الشرعية التي تمثلهاالحكومة المركزية في مدريد. فرغم التوترات، التي عرفتها منطقة كتالونيا بمناسبة الاستفتاء الذي أجرى من أجل استقلالالإقليم، نجحت الدولة في بسط نفوذها وسيطرتها، بينما لو واجهت دولة أخرى مثل ذلك التحدي، لكانت مقدمة لحرب أهليةجديدة أو الانقسام. لماذا نجحت إسبانيا؟ ببساطة لأنها تقوم على نظام قوي يتمتع بالشرعية والمشروعية.

من جهة أخرى، يتجاوز الناتج الداخلي لإسبانيا تريليون دولار، وهو ما يشكل قرابة نصف الناتج الداخلي الخام لمجموعالدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ببترولها وغازها وبحارها وفوسفاطها وأزيد من 300 مليون إنسان

ترى، كم نحتاج من دروس من الجارة الشمالية؟

شارك برأيك