ثريا المسرح المغربي تنطفئ.. اختطفت في عهد الحسن الثاني واستوزرت في عهد محمد السادس- بروفايل – اليوم 24
ثريا جبران
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: غرفة «سيدي قاسم»

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: طاجين الفتيت و«كوكوت» حصاد

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: فنجان 2021 القاتم

مجتمع

ثريا المسرح المغربي تنطفئ.. اختطفت في عهد الحسن الثاني واستوزرت في عهد محمد السادس- بروفايل

جربت ثريا جبران الصمود كما قاومت طبع أسرتها المحافظ. فتحايلت على والدتها بادعاء متابعة تكوين في مجال الرياضة، ولم تخبرها بالحقيقة إلا بعد التخرج. لكن انضمامها إلى فرقة المسرح الوطني لم يدم أكثر من سنتين، حيث عادت إلى مدينة الدار البيضاء، مسقط رأسها، لتعمل في إحدى شركات توزيع المحروقات، ثم مساهمة في تأسيس عدد من الفرق الحرة، مثل مسرح الشعب ومسرح الفرجة… قبل أن تجرب الإطلال على جمهورها من نافذة السينما والتلفزيون محققة انتشارا وشهرة كبيرين. ليتوج أداؤها سنة 1985 بحصولها على جائزة أحسن ممثلة عربية في مهرجان بغداد.

 “يؤسفني أن الشباب اليوم لا يعرفون هذه المرأة، لم يروها تصول وتجول على خشبات المسارح”، هكذا ختم الإعلامي المتخصص في الشأن الثقافي، ياسين عدنان، نعيه للممثلة والوزيرة السابقة، ثريا جبران، بعد الإعلان الرسمي عن توديعها الحياة ليلة أول أمس في أحد مستشفيات الدار البيضاء.

 “لا أنسى قط أن أول لقاء مباشر لي بثريا جبران حصل في مراكش سنة 1995، يوم رحيل الفنان المراكشي محمد أبو الصواب”، يضيف ياسين مسترجعا تفاصيل الذكرى: “رافقنا جنازة أبو الصواب من بيت أسرته في حي أزلي حتى مقبرة باب اغمات. وحين ولجنا المقبرة دخل الرجال وحدهم. هكذا ظننت. وبهذا جرت العادة. قبل أن أنتبه ونحن نودع جثمان الراحل مثواه الأخير أن امرأة حزينة كانت تقف بالقرب مني داخل المقبرة. امرأة أعرفها. اسمها ثريا جبران. ولجت المقبرة برأس حسير، لكن حزنها الجليل غطى على كل شيء”.

في أحد حواراتها الصحافية السابقة، تتحدّث الفنانة الراحلة عن نفسها قائلة: “إذا كانت ثريا جبران قد عادت إلى الميدان الفني، ورجعت إلى ممارسة إبداعها ولم تتعرض للجنون ولا لأي خلل عصبي أو نفسي، فإنما الفضل كله يرجع إلى أسرتي الكبيرة، أسرة الفن والثقافة والإعلام…”، لكن حديثها هنا ليس عن محنتها مع المرض، الذي أبعدها لأسابيع عن مكتبها كوزيرة للثقافة في عهد حكومة عباس الفاسي، بل عن ذلك الاختطاف الذي تعرضت له يوم 26 يونيو 1991، بعدما كانت تستعد لتحل ضيفة على برنامج “رجل الساعة”.

“لم أكن أنا بالذات كشخص من استهدفته عملية الاختطاف، كان المستهدف هو تلك الفنانة ذات الامتداد الشعبي، المعروفة وذات المصداقية، التي سعت إلى توظيف مصداقيتها وشعبيتها لخدمة بعض المبادئ التي تؤمن بها”، تضيف ثريا جبران في حوار أجرته مع جريدة “النشرة” سنة 1994.

لا تكاد تفتح سيرة ثريا جبران حتى تصادف اسم زوج اسمه عبد الواحد عوزري، الذي يصف ياسين عدنان علاقته بالراحلة بـ”الشراكة الفنية”، حيث كان يتولى إخراج أعمالها المسرحية، وتألقا معا بشكل خاص عبر تجربة “مسرح اليوم” التي برزت بقوة في التسعينيات. وهو الرجل نفسه الذي ألح “المحققون” على استفسار زوجته الفنانة عنه سنة 1991. “قالوا لي: سنزيل لعبد الواحد عوزي سلاحه، أي ثريا جبران… سألوني من زارك أيام الإعداد للبرنامج؟ من هيأ معك نوع مساهمتك، أنت وحدك أم أن هناك من يساعدك. هل طلب منك عبد الواحد عوزري أشياء محددة كي تقوليها؟ فكرة زيارة السفارة العراقية من كان صاحبها، فكرتك أم فكرة عبد الواحد عوزري أم فكرة شخص آخر؟…”، تضيف السعدية قريطف، الاسم الأصلي للوزيرة، قبل أن تسرد قصة الاختطاف: “كانت سيارات الأجرة تمر ولا تقف إلى أن توقفت سيارة بيضاء، نزل منها شخص وقصدني كما لو كنا نعرف بعضنا البعض من قبل… لم يكن يبدو على الرجل إطلاقا أنه “صعلوك” أو محترف عمليات اختطاف. ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي أستجيب فيها لأشخاص يعرضون علي أن يوصلوني بسيارتهم من محطة القطار إلى بيتي… واصل الرجل حديثه معي حول البرنامج التلفزيوني. وعند زقاق يلتوي إلى اليسار باتجاه ثانوية شوقي مد يده خلف رأسي وضغط بعنف بحيث أصبح رأسي في لحظة خاطفة في الأسفل، ووجهي ينظر إلى أرضية السيارة، أصبت بفزع شديد. صرخت، فقال لي: اسكتي، نريدك لمدة ربع ساعة فقط ونعيدك إلى بيتك… لجأ إلى العنف ووضع رجله على رأسي فأصبح فمي في أرض السيارة تماما. اجتاحني رعب شديد، وداهمني البكاء، وجف حلقي”.

أكدت ثريا جبران أنها فكرت في أن الغرض من الاختطاف قد يتعلق باعتداء جنسي، “كنت أبكي، أستعطفه وأقول له: إنني أم، راه عندي وليداتي، أنا ماشي من ذاك الشي اللي كتعرفوا. أجابني: ماكاين حتى حاجة من ذاك الشي!… لم أعرف من قبل ما معنى الخوف، وذلك اليوم عرفت حقا ما هو الخوف… كان يصفعني… جاء بمقص وبدأ يقص شعر رأسي وهو يقول: إن كنت تريدين أن تكوني “رجل ساعة” ينبغي أن تكوني رجلا بالفعل. وواصل قص شعري بعنف وحقد وشراسة دون أن يشفق على الأقل على جلدة راسي. وحين أفقت، وجدت بجانبي عبد الواحد دون أن أعرف هل كنت في البيت أم في المستشفى”، تقول وزيرة الثقافة السابقة عن قصة اختطافها.

ظلت علاقة ثريا جبران بالراحل الحسن الثاني مبهمة، وعلاقتها باليسار غامضة، “لست أدري هل نتوفر فعلا على يسار ويمين، كل ما أرى هو أن هناك أناسا وطنيين يخدمون الوطن وأناسا ينهبون الوطن… وأنا أضع نفسي في خانة الناس الذين يدافعون عن المبادئ”.

لكن علاقة المرأة بمحمد السادس طردت الغموض وتخلصت من كل إبهام. فـ”لثريا مكانة وتقدير خاصان لدى الملك وأسرته، انظروا فقط إلى الصورة التي التقطها الملك مع الحكومة، لقد بدت ثريا قريبة جدا منه ومرتبكة لدرجة وضعت معها يدها فوق قلبها أثناء القسم”، يقول مقرب من وزيرة الثقافة السابقة في حديث لـ”أخبار اليوم”. فيما أكد مصدر آخر أن إصرارا شخصيا من محمد السادس كان وراء استوزارها، و”وحدها تلقت اتصالا هاتفيا من الملك ليؤكد لها أنها وزيرة الثقافة في جميع الأحوال، وحرص شخصيا على تبديد رهبتها وتهيّبها من المنصب”، يقول مصدرنا الذي أكد أن الملك تبادل مع وزيرته عبارات المزاح في أحد لقاءاتهم الرسمية.

لكن، ماذا عن علاقة استوزار ثريا جبران برجل اسمه فؤاد عالي الهمة؟ ألم تكن هذه الفنانة إحدى بطلات حملته الانتخابية ببنكرير؟ “قد يكون الهمة هو القناة التي أوصلت صورة جيدة عنها إلى قاعة العرش، لكن العلاقة الوطيدة بين الفنانة والملك أصبحت تتجاوز هذا المستوى من التفسير”، يقول أحد مصادرنا الذي حاول تأكيد فكرته بمشاركة ثريا جبران في الحملة الانتخابية لـ”الشيوعي” نبيل بنعبد الله في استحقاقات 2007 التشريعية.

لكن هذا الأخير لم يكن يعلم أن المرأة التي صعدت رفقته إلى المنصة ترفع يده تأييدا في حملته الانتخابية، سوف تصبح بعد أسابيع وزيرة بينما فقد هو مقعد البرلمان وحقيبة الاتصال التي كان يحملها في عهد حكومة إدريس جطو. “ما عطانا ما عطيناه، غير حنا اللي بغيناه”، كانت تردد الممثلة ثريا جبران مؤيدة لبنعبد الله، كما لو كانت تستعيد بذاكرتها لحظات صعودها إلى خشبة المسرح، محتفلة بالجسد والناس وبالواقع والحقيقة المرة لمغرب الستينيات والسبعينيات، التي تترجمها خطابات النص المسرحي الذي تدخله هذه الممثلة بلهفة تلتقي بتطلعات وآفاق المتلقي، وهو يدخل في طقسية الدراما وقوة المسرح الانفرادي الذي أسست له الممثلة في مسرح اليوم الذي شاركت في تأسيسه عام 1987.

شاركت ثريا جبران بأعمال مغربية وعربية وعالمية في مهرجانات وفعاليات عربية ودولية، واستقطبت جوائز عديدة، وأوسمة وتكريمات مغربية وعربية ودولية. وساهمت السينما والتلفزيون في ذيوع شهرتها، هي التي مارست المسرح منذ رأت النور، بفضل أخيها الأكبر الذي كان يدير فرقة لمسرح الهواة، “وكانت إحدى اللحظات الأولى بتمكني من مشاهدة الأفلام الصامتة في سينما محمد عصفور، وكلنا نعرف عصفور الذي يمثل بداية السينما المغربية. كان عصفور يعرض تلك الأفلام في حي بوشنتوف وكنا ندخل لمشاهدتها بريال (خمسة سنتيم). ثم مشاركتي في مسرحية “يوسف بن تاشفين” مع فرقة “الشهاب” المسرحية لمحمد التسولي، التي شاركنا بها في مهرجان مسرح الهواة بالدار البيضاء سنة 1968…”.

بعد إتمامها لدراستها الثانوية بالدار البيضاء، حيث أبصرت النور سنة 1952، التحقت السعدية قريطف بمعهد المسرح الوطني بالرباط التابع لوزارة الثقافة والتعليم عام 1969، حيث درست أربع سنوات، ثم التحقت بفرقة الشبيبة والرياضة، ثم واظبت على نصوص المسرح الجامعي، في وقت كانت فيه الخشبة مصدر إزعاج وقلق لرموز النظام وأجهزته. لكن ثريا جربت الصمود كما قاومت طبع أسرتها المحافظ. فتحايلت على والدتها بادعاء متابعة تكوين في مجال الرياضة، ولم تخبرها بالحقيقة إلا بعد التخرج. لكن انضمامها إلى فرقة المسرح الوطني لم يدم أكثر من سنتين، حيث عادت إلى مدينة الدار البيضاء، مسقط رأسها، لتعمل في إحدى شركات توزيع المحروقات، ثم مساهمة في تأسيس عدد من الفرق الحرة، مثل مسرح الشعب ومسرح الفرجة… قبل أن تجرب الإطلال على جمهورها من نافذة السينما والتلفزيون، محققة انتشارا وشهرة كبيرين. ليتوج أداؤها سنة 1985 بحصولها على جائزة أحسن ممثلة عربية في مهرجان بغداد.

قدمت ثريا جبران عروضها المسرحية في الأسواق والقاعات السينمائية وفي المصانع والمناطق النائية، مستقلة سيارة تحمل أعضاء الفرقة وتجهيزات الديكور، محتفظة بشعرة معاوية الرفيعة مع المعارضة اليسارية لنظام الحسن الثاني، قبل أن تبدأ في أخذ مسافتها بحضورها لتظاهرات حزب العدالة والتنمية مثيرة سخط الرفاق، ثم بعرضها خدماتها الدعائية على أقوى مرشحي الانتخابات، موظفة صوتها الجهوري وحضورها القوي، ليبلغ صداها قاعات البلاط التي ردت عليها بمنحها حقيبة الثقافة.

اللكنة “العروبية” والقاموس الخشن يقفزان إلى الأذهان كلما ذكر اسم ثريا جبران، فـ”البداوة هي هويتي، هي حياتي الحقيقية. وأنا لا أمثل هذا الدور كحركات أو كصوت أو كملامح. لا أضع القناع على وجهي لكي أمثل دور البدوية، بل إن حقيقتي الوجدانية والنفسية هي هذه البداوة”، تقول ثريا جبران، غير أن ذلك لم ينعكس على حياة امرأة تعتبر فنانة قبل أي شيء آخر، بيت فاخر، خاصة عندما كانت تستقر بإحدى فلل حي اللوازيس البيضاوي قبل أن تنتقل إلى العاصمة قبيل استوزارها، ديكور رفيع وأثاث فخم مع قطع فنية من مختلف بقاع العالم. فيما تتزين الجدران بصور صاحبة البيت، فتبدو في بعضها بشعر أشقر وفي أخرى رفقة ليلى علوي أو فردوس عبد الحميد… كل ذلك اختفى من حياة ثريا جبران في مرحلتها الوزارية، لتستقر صورة واحدة للملك محمد السادس وسط بيت وديكور يصفه من شاهده بـ”العادي”.

شارك برأيك