يونس مسكين يكتب: ترويض الهر الوحشي – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: طاجين الفتيت و«كوكوت» حصاد

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: فنجان 2021 القاتم

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: كثبان الصحراء تتحرك

الرأي

يونس مسكين يكتب: ترويض الهر الوحشي

يستعد العالم ومعه دول المنطقتين العربية والإفريقية، لتنزيل حل جديد للأزمة الليبية، يرتقب أن ينهي سنوات من الاقتتال الداخلي والصراع بين القوى الإقليمية والدولية، وكل المؤشرات تدل على أن شمس هذا الحل لن تشرق سوى من المغرب، في صيغة جديدة، مزيدة ومنقحة من اتفاق الصخيرات الشهير. 

نحن إذن، مقبلون على “ريمونتادا” باهرة وتحول غير هين في التموقع المغربي في الأزمة الليبية، لا يمكن المرور عليه مر الكرام. فإلى وقت قريب، كانت الرباط تبدو وقد أصبحت خارج دائرة “اللعبة” الليبية، خاصة حين باتت كل من المواجهات العسكرية والدبلوماسية تجري بين قوى وفاعلين كبار مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والدول الأوروبية وتركيا ومصر ودول الخليج…

ما يحصل في ليبيا يؤكد أن المملكة تحتفظ بأوراق وخيوط ضاربة في عمق المجال الإقليمي الذي كانت تستمد منه تاريخيا مقومات قوتها، وإلا كيف يمكن أن نفسر انكسار جميع المخططات المحلية والعربية والأوروبية والتركية والروسية… وعودة الجميع إلى طرق أبواب المغرب؟ وكيف استطاعت المملكة إغلاق هذه الدائرة التي حاول البعض من خلالها الالتفاف على اتفاقية الصخيرات، واستدعى خلالها تدخلات مباشرة وغير مباشرة من تركيا وروسيا وألمانيا، وزجّ بمئات المقاتلين المرتزقة من الشرق والغرب، لتعود البوصلة من جديد إلى وجهتها المغربية ويعين وزير حقوق الإنسان السابق، محمد أوجار، رئيسا للبعثة الأممية لتقصي الحقائق في ليبيا، وهو منصب لا يمكن أن يسند إلا لدولة لديها ما يكفي من مفاتيح الأقفال الليبية.

صحيح أن بعض الأصوات الهامسة في الكواليس تتحدث عن مظلة أمريكية خفية للتحركات المغربية التي ظهرت بشكل علني مند شهر يونيو الماضي، لكن حتى وبافتراض صحة ذلك، فإن هذه المظلة وجدت في الدور المغربي ما لم تجده في مبادرات الجوار الليبي، من مصر إلى الجزائر مرورا بتونس، وما لم تجده في مؤتمرات موسكو وبرلين وتحركات فرنسا وإيطاليا المباشرة…

من أراد أن يحاول فهم مثل هذه “الضربات الناجحة” للدبلوماسية المغربية، لن يجد بديلا عن أدوات قراءة النظام السياسي المغربي من منظور التاريخ والثقافة، حيث يمثل الإرث الطويل الذي تجره الدولة المغربية وراءها، أكثر من مجرد “ماض انتهى”، بقدر ما يعني وجود ذاكرة غنية تتيح إمكانات كبيرة مما يصطلح عليه اليوم بالقوة الناعمة، وروابط تاريخية ودينية وقبلية، واهم من يعتقد أن أدوات العصر الحديث وقوة المال والتكنولوجيا تستطيع القفز عليها. فما يحدث هذه الأيام مع الازمة الليبية يؤكد استمرار هذه القوة الناعمة، وفوق هذا وذاك، قدرة المغرب على الاحتفاظ بثقة الأطراف المتصارعة وإن كان المشهد العام يظهره كما لو كان مؤيدا لطرف ضد آخر.

ورغم كثرة الأطراف المتدخلة في الأزمة الليبية، وتشعّب الخلافات بين صراع تقليدي خفي بين العملاقين الأمريكي والروسي، وحرص أوروبي على حماية عمقه الاستراتيجي، وتنافس عربي-عربي وعربي-تركي لحيازة مجال نفوذ سياسي واقتصادي؛ إلا أن الأصل في توتّر الأوضاع الداخلية وتحولها إلى حرب أهلية منذ أربع سنوات، يعود في قسم كبير منه إلى الدور الفرنسي الذي تثبته التحركات الميدانية وشحنات السلاح التي جرى ضبطها، والمحاولات العلنية التي قامت بها فرنسا للإمساك بخيوط الملف الليبي وسحبه من جارتها إيطاليا التي كانت صاحبة امتياز استعماري قديم في ليبيا… بل إن التحرك الفرنسي في الملف الليبي تحوّل في إحدى اللحظات إلى جفاء واضح مع المغرب واصطدام مباشر مع دوره ومصالحه.

وعند تتبع الخيوط الفرنسية في المنطقة، سنجد أن ما يحدث في ليبيا قد لا ينفصل عما يحدث في مجال جغرافي قريب منها، يمثل هو الآخر جزءا من فضاء التأثير التاريخي والجيواستراتيجي للمغرب، وهو مالي. وليست الصلة هنا مجرد تمديد مفتعل لدينامية سياسية ودبلوماسية جارية في ليبيا لجعلها تشمل بشكل قسري ما يقع في مجال آخر، بل إن هذا التزامن بين الاختراق الدبلوماسي في الملف الليبي، والانقلاب العسكري الجديد في مالي، يعيد إلى الأذهان ما حصل بعد سقوط نظام معمر القذافي، حيث كانت فوضى السلاح التي انتشرت وقتها، وعودة مجموعات مالية مسلحة كان القذافي يجندها للدفاع عنه، في اضطراب شامل داخل مالي، أدى إلى انهيار الدولة وتدخّل دولي قادته فرنسا.

هناك أيضا، في باماكو وتمبوكتو وباقي العواصم الجهوية في مالي، نجد أن المغرب حاضر بثقله ورمزيته وأوراقه التاريخية التي تجعل له دورا محفوظا، بعدما فشل النظام الذي أقامته فرنسا منذ قيادتها للتدخل العسكري الدولي في مالي عام 2012. هنا نلاحظ مرة أخرى كيف يجمع المغرب بين تحالفه التقليدي الثابت مع فرنسا، ومواكبته لخطواتها العسكرية والدبلوماسية في المنطقة، وبين احتفاظه بأوراق فعله المستقل والمتميز، والتي يبدو أنها باتت تشكل إغراء كبيرا للقوى الدولية الأخرى، المتنافسة حول المجال الإفريقي، وخاصة منه هذا المجال الفرنكفوني الذي بقي عصيا على التحولات الدولية والإقليمية التي انعكست على إفريقيا الأنغلوساكسونية، وجعلتها تدخل تدريجيا في دينامية نمو وصعود سريعين.

وحين نمدّ بصرنا نحو باقي أجزاء المنطقة “الفرنسية” في إفريقيا، سنجد مؤشرات التحول والانفلات من القبضة التقليدية، تبرز متسارعة، حيث تؤكد المعطيات المقبلة من بوركينافاصو أن التحول السياسي يطرق الباب بقوة، كما تشهد موريتانيا التي زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أسابيع قليلة ليترأس مجموعة “ج 5” التي شكلتها فرنسا لتكون ذرعا عسكريا لها في “محاربة الإرهاب” في منطقة الساحل والصحراء، حراكا نشيطا ضد شبكات الفساد المنظم، شملت تحقيقاته الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز… وهي كلها ومضات توحي بأن ليبيا قد تكون البوابة التي ستهب منها رياح التغير على منطقة الغربي الإفريقي، وأن “الهر الوحشي” الذي أطلقت فرنسا اسمه على عملياتها العسكرية في مالي عام 2012، مقبل على عملية ترويض شامل، ولحسن الحظ، يبدو المغرب متأهبا للحفاظ على موقعه التاريخي في عمقه الاستراتيجي. 

شارك برأيك

nazih jamal

ونعم التحليل يا سي يوسف مسكين

إضافة رد
مرافعة مواطن

الحل هو الخروج من الهيمنة الفرنسية الفرنكوفونية … عدا ذلك كل مجهودات المغرب , غيره من توابع فرنسا في افريقيا ستظل في في خدمة المتروبول الفرنسي …
نحن العرب و ابناء المغرب العربي تصرف اموالنا في أفريقيا و المستفيد فرنسا
فرنسا و روسيا و السيسي و عمارات ابن زايد يدعمون الثورة المضادة في الوطن العربي …
هل قام الشعب العربي في ليبيا بالثورة من أجل التفاوض مع الخونة و ازلام النظام السابق … ؟؟؟؟؟؟؟

إضافة رد