يونس مسكين يكتب: الدخول الكوروني – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: غرفة «سيدي قاسم»

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: طاجين الفتيت و«كوكوت» حصاد

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: فنجان 2021 القاتم

الرأي

يونس مسكين يكتب: الدخول الكوروني

تفتتح بدءا من يوم غد، فاتح شتنبر، واحدة من أخطر عمليات الانتحار الجماعي التي عرفها تاريخ المغرب، لكن هذه المرة بقرار رسمي وترتيب حكومي. فابتداء من صباح يوم غد، سوف يكون آباء وأولياء أزيد من ستة ملايين طفل مغربي، على موعد من توقيع وثيقة هي أشبه بتلك التي يطلب الأطباء من أقارب المرضى توقيعها، حين يكونون مقبلين على تدخل جراحي بآمال شبه منعدمة في النجاح.

كأننا شعب بلا ذاكرة، يراد لنا اليوم أن نقتنع بأن الأمر يتعلّق بإشراك في اتخاذ القرار، وتمكين مفاجئ للأسر المغربية من حق المساهمة في تأطير وتنظيم عملية تعليم وتربية أبنائهم. فقط لو أن أحدهم تطوع ليشرح لنا ما الذي حدث حتى أصبحت السلطة نفسها التي مررت أمس قوانين مصيرية خاصة بقطاع التربية والتعليم، مستعملة أسلوب الفرض والضغط عبر التعليمات الفوقية التي نزلت على الفرق البرلمانية، حتى تتم فرنسة المواد العلمية، هي نفسها التي تسلم زمام الأمور للمغاربة وتتركهم يقررون بكل “حرية” هل يختارون التعليم الحضوري أم “الغيابي” لأطفالهم.

دون فهلوة فارغة ولا استغباء، الأمر يتعلّق بقرار يحقّق إصابة عصفورين بحجر واحد، الأول، وهو الأخطر، يتمثل في تبرئة ذمة السؤولين من الكوارث شبه المؤكدة التي ستنجم عن فتح المدارس فجأة بعد شهور من الحجر والعزل الاجتماعي، وثانيهما منع انهيار “سوق” التعليم الخصوصي، من خلال اقتياد الأسر نحو دفع رسوم التسجيل وتوقيع التزامات يجري تمريرها تحت غطاء “العلاقة التعاقدية” بين المدارس والأسر. وفي الحالتين، نحن أمام أكبر عملية تهرّب من المسؤولية. 

ففي الوقت الذي أبدعت فيه بعض الأمم المتحضرة بنودا قانونية تدقق كيفية إعمال مبدأ المسؤولية الجنائية لصاحب القرار العمومي، تفتقت “العبقرية المغربية” على فكرة جعل والدي كل طفل يحتمل أن يفتك به فيروس “كورونا” في ظل غياب وسائل الكشف والعلاج، متحملين للمسؤولية الكاملة بالدليل والبرهان. وفيما تتحمّل الحكومات الديمقراطية التبعات الاقتصادية والاجتماعية للجائحة، لم نجد نحن سوى جيوب الأسر لتمويل عملية إنقاذ عبثي لقطاع التعليم الخصوصي، والمصيبة أن أطفالا أبرياء يُستعملون كفئران تجارب في هذه العملية.

ليس الأمر هنا مسألة جدل بين رأي وآخر، اختيار واختيار مضاد بين التعليمين الحضوري و”الغيابي”، بل هي مسألة واقع وبائي واقتصادي واجتماعي واضح ولا مجال فيه لأي اختلاف: السلطات التي لا تحوز وثائق موقعة رسميا من الأسر، أحجمت عن تنظيم امتحانات السنة الأولى بكالوريا، لأنها تعلم علم اليقين أن الوضع الوبائي الحالي يختلف بشكل كبير عن الفترة التي نظمت فيها امتحانات البكالوريا شهر يوليوز الماضي. والنتيجة واضحة لا غبار عليها: بمجرد فتح المدارس، عمومية كانت أو خصوصية، سوف نكون أمام انفجار بؤر فيروسية مهولة، وإلا كيف ننتظر نتيجة مختلفة في الوقت الذي نقف فيه على بؤر تسبب فيها حضور شخص واحد مصاب، من مستوى رئيس جماعة ترابية، علما أنه اعتمد أكثر إجراءات التباعد والوقاية الممكنة. هل يعقل أن ننتظر من الأطفال احتراما أكبر والتزاما أشد بإجراءات الوقاية، وهم المتعطشون للعب الجماعي والخارجون من فترة طويلة من البعد عن المدرسة؟

هناك من يرفع شعار الحق في التعليم ويستشهد ببعض العبارات المنمقة والتصريحات الشعبوية التي وردت في هذا التقرير الدولي أو على لسان هذا المسؤول الحكومي. لنتفق أولا على أن هذه المواقف المنتصرة للحق في التعليم والحاجة لاستئناف التلقي الحضوري، جاءت من بلدان متقدمة لا مجال للمقارنة بها، ليس لتفوقها الحضاري ومستوى وعي شعوبها، بل لإمكاناتها الاقتصادية وقدرات منظومتها الصحية وسهولة ولوج شعوبها للكشف والاستشفاء والعلاج. كيف يمكن أن تأخذنا العزة بالإثم، ونوهم أنفسنا بأننا قادرون على مواجهة انفجار بؤر وبائية مدرسية، في الوقت الذي نحصي فيه موتانا بالعشرات اليوم وقبل فتح مدرسة واحدة؟

تعالوا نعرج قليلا على بعض النماذج الدولية، وهي لا تخرج عن المجالين الأوروبي والأمريكي، لأن الأمم التي تشبهنا لا تختلف عن حالتنا في التخبط والتردد والخوف من انهيار المنظومة التعليمية الخصوصية. في ألمانيا، التي تعتبر واحدة من أكثر النماذج الناجحة في مواجهة كورونا في العالم، جرى افتتاح جزء من المدارس في بدايات غشت، بفعل وجود استقلالية جهوية في تدبير هذا القطاع. النتيجة أن كثيرا من المؤسسات سارعت إلى إغلاق أبوابها وفرض الحجر الصحي على جميع تلاميذها وأطرها، بعد اكتشاف حالات إصابة داخلها.

في إسبانيا المجاورة لنا، جرى اتخاذ قرار واحد على الصعيد الوطني، هو ارتداء القناع الطبي من طرف جميع الأطفال الذين سيلتحقون بالمدارس، بمن فيهم تلاميذ المدارس الابتدائية. وفي حذر شديد، تستعد الحكومات المحلية المستقلة لاتخاذ قرارات تختلف باختلاف الأوضاع الوبائية المحلية، مع احتفاظ السلطات الحكومية المركزية بصلاحية العودة لتركيز القرار في يدها، كما كان الشأن في مارس الماضي في حال خرج الوضع عن السيطرة.

أما في فرنسا، التي “نترجم” الكثير من قراراتنا من وثائقها الرسمية، فسيتم فتح المدارس ابتداء من يوم غد في جل المناطق الفرنسية، مع فرض ارتداء القناع الطبي على التلاميذ فوق سن 11. يعلم الكثيرون أننا “نستلهم” الكثير من خياراتنا التدبيرية من فرنسا، كما أن مؤسسات البعثات الفرنسية في المغرب قررت اعتماد التعليم الحضوري، مدعية أنها تعتمد البروتوكول الصحي نفسه الذي قررته وزارة التعليم الفرنسية. لكن أحدا لم يشر إلى أن هذا البروتوكول الفرنسي ينص على رصد أية حالة تظهر عليها أعراض كورونا داخل المدرسة، ووضع لائحة بمخالطيها، وتحويلها بشكل عاجل إلى السلطات الصحية التي تعتبر ملزمة بإخضاع هذه الحالات للكشف السريع وتقديم النتائج قبل 48 ساعة. كما أقرت فرنسا تعويضات وتحفيزات جديدة للأساتذة والأطر التعليمية لضمان تعبئة الجميع وانخراطه في هذا البروتوكول.

لا حاجة بنا إلى الذهاب أكثر في هذه المقارنات، والتفصيل في الإجراءات الأمريكية لتدبير الدخول المدرسي، وهي عموما لا تخرج عن الخيارات الأوروبية المنضبطة لقواعد أساسية، أولها التدبير المحلي والجهوي، وتعبئة الموارد والإمكانات الصحية اللازمة لمواجهة البؤر الوبائية المدرسية، التي تعتبر حتمية وليست مجرد احتمال. وبالنتيجة نكون بناء على القرارات المتخذة حتى الآن، سائرين نحو واحد من احتمالين: إما إتمام إجراءات التسجيل ودفع الرسوم، ثم اعتماد التعليم عن بعد، وهذا احتمال يعني ما يعنيه، أو الارتماء في حفرة كارثة صحية نعرف بدايتها ولا نعرف نهايتها.

شارك برأيك