بلال التليدي يكتب: الإسلام الفرنسي – اليوم 24
بلال التليدي
  • بلال التليدي

    بلال التليدي يكتب: التقليح… وأزمة المجتمع الحقوقي

  • بلال التليدي يكتب: الديمقراطية الأمريكية في أزمة

  • بلال التليدي يكتب: المغرب المختلف

المرأة

بلال التليدي يكتب: الإسلام الفرنسي

تابعت باهتمام شديد حدث قتل المدرس الفرنسي صمويل باتي الذي عرض رسوما كاريكاتورية مسيئة للنبي صلى لله عليه وسلم على تلامذته في الفصل الدراسي، والمداهمات وحملات الاحتجاز التي قامت بها الشرطة الفرنسية للتحقيق في الحادث.

والحقيقة أن هذا الحدث الوحشي لم يترك أي فرصة لتطوير النقاش حول الإساءة للرموز الإسلامية داخل الفضاء العلماني الفرنسي، بل إنه حوره بالكامل، فانتقل الحدث من محاكمة سلوك لاتربوي يسائل النموذج العلماني الفرنسي، بل يسائل ازدواجية المعايير في التعامل الفرنسي مع التطرف ضد الأديان، إلى محاكمة التشدد الديني الإسلامي.

والحقيقة أن هذا التحوير للنقاش العمومي كان مفيدا للسلطة السياسية في فرنسا، فبدل فتح نقاش عمومي واسع لمساءلة ومحاكمة سلوك لاتربوي يزدري الأديان داخل فصل دراسي، محكوم بمنهاج دراسي لا تدخل في محتواه الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم عبر نشر رسوم كاريكاتيرية ذات إيحاءات جنسية، بدل ذلك، جرى تجاهل هذه الاعتبارات كلها، وصُوِّبَت المدفعية مرة أخرى نحو الإسلام، باعتباره ثقافة تبرر العنف.

قد يذهب البعض بعيدا في التأويل، ويفترض سيناريو تدبير الحدث لخدمة أجندة خاصة، أو على الأقل منع التشويش على أجندة الرئيس إيمانويل ماكرون في فرض النموذج الفرنسي للإسلام.

والحقيقة أن الحملة الإعلامية والتواصلية التي أثارها سلوك هذا المدرس غير التربوي داخل الفصل الدراسي، كانت بالوزن نفسه الذي أخذه تصريح الفرنسية مريم التي عادت من مالي وصدمت الرئيس ماكرون بإشادتها بالإسلام، والتي لم تكن متوقعة، بل كانت مناقضة للسياق الذي كان معدا له عند عملية الاستقبال، ففرنسا هذه الأيام منشغلة بتنفيذ توصيات «مركز مونطاني» حول «صناعة الإسلاميين»، وهي تسارع الخطى من أجل بناء نموذج إسلام فرنسي على مقاسها.

لكن الجنوح إلى هذا التفسير البسيط يغطي على حقيقة وجود متدينين حمقى لا يفهمون حقيقة دينهم ورسالته السمحة، بل لا يفهمون السياق السياسي الذي يتحركون فيه، ولا يدركون حاجة فرنسا إلى مثل هذه التصرفات الطائشة التي تعينها على تحصين النموذج العلماني الفرنسي من المساءلة النقدية، وفي الوقت ذاته تحقيق خطوات في تنفيذ نموذج إسلام فرنسي لا يجد قبولا من غير المسلمين في فرنسا، فبالأحرى المسلمين.

لقد كان السيد إيمانويل ماكرون في وضعية لا يحسد عليها، بسبب الحدثين، وربما ازدادت وضعيته سوءا بسبب الخسائر الدبلوماسية والميدانية التي جناها من جراء خوضه صراعا استراتيجيا ضد تركيا على أكثر من جهة، وزاد الأمر تعقيدا بتصريحه حول الإسلام، وأنه يعاني أزمة داخلية في كل المناطق، لكن حدث قتل المدرس بتلكم الطريقة الوحشية أعطى نفسا جديدا له، وربما وقودا ساعده على المضي في خطته في التحكم في المساجد في فرنسا، والهيمنة على تكوين الأئمة والمرشدين، وإقامة ميز عنصري يفرض على المسلمين الفرنسيين، دون غيرهم، رقابة شديدة في ممارساتهم الدينية وتصرفاتهم المالية ونشاطهم الجمعوي والاجتماعي.

والواقع أن الذي يهم أكثر في هذه التطورات، ليس سياسة فرنسا تجاه الإسلام، ولا محاولتها بناء نموذج إسلام فرنسي، فهذه السياسة، باعتبار توقيتها ومحتواها، ستكون محكومة بالفشل، لأن السياق الانتخابي لا يسمح بأكثر من استقطاب أصوات محسوبة على التيار اليميني المتطرف، هذا إن لم يستطع هذا التيار تحصين أصواته، والأرجح أن حجة هذا التيار ستكون قوية في منع ماكرون من اختطاف أصواته، إذ لم يتحرك بأجندة استهداف المسلمين بشكل جدي إلا في آخر الولاية الانتخابية.

ثم هي فاشلة باعتبار محتواها، لأنها تفترض أن بالإمكان تطويع الإسلام بفهم فرنسي لبعض نصوصه، أو بتكييف مفاهيمه مع النموذج العلماني الفرنسي، فليست هذه هي المرة الأولى التي تتداعى مستودعات تفكير إلى محاولة صناعة «إسلام مدني ديمقراطي» يناسب النموذج الليبرالي الأمريكي، فمركز «راند» ذهب إلى أبعد من ذلك، فأضاف إلى فكرة ترويج إسلام مدني ديمقراطي، تكوين شبكات معتدلة تضطلع بدور ترويج هذا الفهم الجديد للإسلام، لكنها لم تستطع أن تحقق أي نتيجة، حتى وهي تضع محاذير شديدة، وتحاول منع أي سيناريو يثير رد فعل شعبيا عنيفا يفترض وجود مؤامرة أمريكية على الإسلام.

الذي يهم في هذه التطورات أكثر هو تفويت الفرصة على فتح نقاش عمومي شامل يسائل النموذج العلماني الفرنسي، ويبين محدوديته وعدم قدرته على التعاطي مع مشكلات التعايش الديني والثقافي واللغوي.

لقد ضاعت أكثر من فرصة لمساءلة هذا النموذج، والمؤسف أن من يساعدون في غلق قوس هذه المساءلة حمقى لا يدركون أنهم لا يقومون بأكثر من تحويل الرصاصة القاتلة إلى صدورهم.

شارك برأيك