بلال التليدي يكتب: الديمقراطية الأمريكية في أزمة – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: الديمقراطية الأمريكية في أزمة

  • بلال التليدي

    بلال التليدي يكتب: ماذا بعد تحقيق هدف إزاحة العدالة والتنمية؟

  • بلال التليدي

    بلال التليدي  يكتب: توجه تطبيعي يميني متطرف!

سمحت المتابعة المطردة للانتخابات الأمريكية بملاحظة مؤشرات متقابلة، بعضها يدعم فكرة حيوية النموذج الديمقراطي الأمريكي، وأن هذه المحطة في مسار الانتخابات الأمريكية، غير مسبوقة من حيث نسبة المشاركة، ودرجة المتابعة والاهتمام، والدينامية التي  حركتها داخل المجتمع الأمريكي، هذا فضلا عن صعوبة التوقع،  فيما يفتح بعضها الآخر تساؤلات عدة حول أفق النموذج الديمقراطي، لا سيما وأنه لأول مرة في تاريخ الانتخابات الأمريكية، تبرز مؤشرات الطعن في نزاهة الانتخابات، ورفض تسليم السلطة.

والحقيقة، أنه من الممكن تأويل هذه المؤشرات المقلقة على أساس أنها تعكس شخصية الرئيس الأمريكي ترامب المشاكسة، أكثر مما تعبر عن اصطفاف سياسي بلغ هذا المستوى المؤسسي من الخلاف السياسي داخل المجتمع الأمريكي، كما يمكن تأويل المؤشرات  الكاشفة لحيوية النموذج الأمريكي، بالسقف العالي الذي بلغه الصراع، والاصطفاف بين مكوني المجتمع الأمريكي: المحافظون والديمقراطيون.

في السابق، لم يسلم النموذج الديمقراطي الأمريكي من النقد، فقد وجهت له انتقادات على خلفية تأثير المال والإعلام في تكييف صوت الناخب الأمريكي، لكن وجاهة هذه الانتقادات- مع وجاهتها- لم تكن تحظى بقول واسع داخل المجتمع الأمريكي، وكان ينظر إليها على أساس أنها من نتاج النقد الماركسي للتجربة الديمقراطية الأمريكية،  وأنه لا يمكن بحال بناء ديمقراطية “أفلاطونية” بعيدة عن التركيبة المجتمعية الأمريكية التي يشكل فيها أصحاب المال والأعمال سلطة تؤثر في الإعلام والمؤسسات الاستطلاعية والبحثية التي تصوغ وتكيف الرأي العام الأمريكي.

ولذلك، لم تمس هذه الانتقادات شيئا في جوهر الديمقراطية الأمريكية، ولم تدفع في اتجاه تعديل بعض لوازمها. في المقابل، أثمرت انتقادات أخرى مسارات تعديلية مهمة، منها ما يتعلق بحقوق الولايات الصغيرة التي تتمتع بحاضنة قوية من الأقليات، والتي كان النظام الانتخابي يبتلع أصواتها، فلا يكون لها أي تأثير، فقدم الاجتهاد الديمقراطي الأمريكي صيغة “المجمع الانتخابي”، لإعطاء اعتبار ووزن لأصوات هذه الولايات الصغيرة، حتى أصبحت اليوم تمثل مشكلة للديمقراطية الأمريكية، بعدما صارت هذه الولايات المرجح القوي للرئيس المنتخب.

المشكلة المطروحة اليوم على النموذج الديمقراطي الأمريكي، لا ترتبط بالنموذج النقدي الذي قدمه اليسار الماركسي، ولا حتى بالنقاشات التي تثار حول النظام الانتخابي وحاجته إلى المراجعة، وإنما ترتبط بصراع خفي من داخل المؤسسات التي ترعى التوازنات الكبرى للدولة الأمريكية، ذلك أنه ولأول مرة، يصاحب عملية التشكيك في نزاهة الانتخابات، حديث مثقفين وباحثين وإعلاميين ومراقبين للانتخابات الأمريكية، عن سيناريوهات فوضى محتملة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات.

في التجربة السابقة، التي وقعت فيها نازلة شبيهة بالتي تقع اليوم حول احتساب أصوات أو عدمها، كان اللجوء إلى المحكمة العليا،  باعتبارها المؤسسة الحكم التي تنهي الخلاف، وتضمن صلابة وحصانة النموذج الديمقراطي. لكن اليوم، وبالرغم من أن الرئيس ترامب التجأ إلى القضاء للتشكي مما ارتبط بالتصويت عبر البريد من ممارسات نسبها إلى التزوير، إلا أن تهديده المبكر، بعدم تسليم السلطة، وتشكيكه في العملية الانتخابية، فضلا عن دخوله معترك الصراع مع مؤسسات في الدولة، يفترض أنها حيادية، وضعت في الأصل لضمان توازن السلط، وتحقيق استقرار وحصانة النموذج الديمقراطي الأمريكي، كل هذه المؤشرات، تبرز أن الصراع، لم يعد مقصورا على التعبيرين السياسيين: الحزب الجمهوري في مقابل الديمقراطي، وإنما دخل مربع المؤسسات التحتية، التي تؤسس لكيان الدولة.

قد يكون هذا التفسير صحيحا، ويكون الخلاف السياسي هو المُخرج الذي يبرز على السطح، من جراء الخلاف العميق الذي يجري في البنية الداخلية للدولة. لكن في كل الأحوال، لا يمكن أن نذهب بعيدا، ونتصور بأن تدبير الصراع، يمكن أن يصل إلى حدود الفوضى والاقتتال، وإن كان كانت بعض صور التوتر في بعض الولايات قد تكون واردة ومحتملة، فالعقل البراغماتي الأمريكي، لا يمكن أن يقبل أن تصل الصراعات إلى هذا الحد، ففي نهاية المطاف، ستجد البنى التحتية للدولة التسوية المطلوبة، وتنعكس ذلك بشكل سريع على التعبيرات السياسية، وعلى موقفها من العملية الانتخابية.

بكلمة، ما تقدمه الانتخابات الأمريكية، يؤشر على أن النموذج الديمقراطي، بشكله الحالي، لم يعد يضمن التسويات المرضية بين نخب الحكم الحقيقية، وأن أي تأخر في إصلاح هذا العطب، يمكن أن يحول التوترات الجزئية التي قد تظهر عقب الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات، إلى حالة من الانقسام الحاد في المجتمع الأمريكي،  والذي لن يكون بالإمكان التحكم في تداعياته، وآثره على العلمية الديمقراطية في المدى المتوسط والبعيد.

شارك برأيك