بلال التليدي  يكتب: لحظة إجماع.. ولكن؟ – اليوم 24

بلال التليدي  يكتب: لحظة إجماع.. ولكن؟

  • الثلج - أرشيف

    دراسة: جليد الأرض يذوب بوتيرة أسرع من منتصف التسعينيات

  • لقاح "أسترازينيكا-أكسفورد"

    رئيس مختبر “أسترازينيكا” يأسف لانعدام التنسيق بين الحكومات في المعركة ضد وباء كوفيد-19

اللحظة التي تعيشها البلاد دقيقة، لا بالمعنى الروتيني الذي يطلق به هذا التوصيف، وإنما بالمعنى الذي يفيد بأن أمام المغرب فرصا وتحديات، وأن هامش الخطأ ليس مكلفا فقط، ولكنه مدمر، وأن عدم استثمار الفرص، يمكن أن يضيع على المغرب سيناريو لن يحلم به في المقبل من الأيام.

لنخرج من التجريد إلى لغة الوقائع. فالتقارير الرسمية لبنك المغرب، أو التقرير الاقتصادي والمالي لوزارة المالية، أو تقارير المندوبية السامية للتخطيط، تشترك في الحديث عن ركود اقتصادي لم يعرفه المغرب منذ ثلاثة عقود، بسبب الجفاف والقيود التي فرضت للحد من انتشار وباء كورونا.

لا نريد استعادة مؤشرات هذه التقارير بخصوص نسبة تراجع الاقتصاد الوطني (5.2 في المائة)، وتضاؤل نسبة النمو (1.5 في المائة)، والنسبة الضخمة لفقدان مناصب الشغل، (حوالي 726 ألف وظيفة)، فضلا عن الصدمة العنيفة التي تعرضت لها صناعة السيارات وصناعة الطائرات، أي نقاط القوة التي كان يراهن عليها المغرب في مراجعة نموذجه التنموي.

هذه الوضعية، رغم كل الجهود التي تبذل من أجل إنعاش الاقتصاد، تبقى مقلقة، ومفتوحة في الآن ذاته، فليس ثمة مؤشرات مبشرة حول إمكان الخروج لا من واقع الجفاف، ولا من تداعيات تباطؤ النشاط الاقتصادي بسبب كورونا، رغم مبشرات التلقيح.

القلق يأتي من ثلاثة تحديات: الانعكاسات الاجتماعية الناتجة عن فقدان مناصب الشغل وتأثيرها على السلم الاجتماعي، وصعوبات تحقيق الانتعاش الاقتصادي بسبب تحدي الجفاف وتداعيات كورونا المستمرة، وأزمة العطش التي يمكن أن تضرب بعض المناطق بسبب ندرة المياه.

هذه المؤشرات المقلقة لا تمنع صناع القرار السياسي من الحديث عن فرص، وتكيف الاقتصاد الوطني مع جائحة كورونا، والإمكانية التي يمكن أن يضطلع بها الاقتصاد الوطني، لكن، في ظل استمرار الجفاف وندرة المياه، ومحدودية العرض الصناعي، يصعب الحديث عن قيمة مضافة، يمكن أن يتكيف بها المغرب مع المحيط الدولي، وخطاب السيد حفيظ العلمي بهذا الخصوص، يبين الفرق الشاسع بين الفهلوة، والواقع.

في السياسة، ليس هناك ما يطمئن، فهناك رتابة شديدة، انتهت بقتل المعنى فيها، ويزيد من قتلها، أن الصيغ التي يتم التفكير فيها، تقتل البقية المتبقية منها، وتريد أن تراهن على الفراغ، ليكون هو البديل المعتمد في فترة محفوفة بالمخاطر، فاليوم، لا أحد يتابع السياسة، ولا أحد يؤمل فيما يمكن أن يخرج منها غدا، ليس لأن الكل  أصبح عدميا، ولكن، لأن الجميع يطمئن إلى أن جمود الحقل السياسي لا يمنع الدولة من أن تحافظ على التوازنات، وعلى سير المرفق العام، بل، قد يحفزها في أي لحظة إلى أن تتحرك لتوجيه مياه السياسة في الاتجاه الصحيح.

وحدها السياسة الخارجية، ما يبشر في الصورة، وهي الفرصة المتبقية، إن تم جعلها في البوصلة، وتم تعديل النسق الداخلي بناء على احتياجاتها. فالمغرب اليوم، بحكمة من الملك يحقق اختراقات مهمة، ويغير قواعد الاشتباك، وربما يفتح إمكانية لفرص اقتصادية واعدة، يمكن من خلالها أن يستعيد عنوان التمدد في إفريقيا، بعدما تراجع في الخطاب والسياسة أيضا.

لقد نجح المغرب في إدارة الملف الليبي، رغم جهود إقصائه، ونجح في إدارة علاقاته الخارجية المعقدة مع فرنسا وإسبانيا، ونجح في أن يحقق تقدما كبيرا في إدارته للصراع مع الجزائر وجبهة البوليساريو، ولم تستطع بعض المحاور الإقليمية أن تخضعه لطلباتها، بل اضطرت أن تعود لصوابها دون أن يكلف ذلك المغرب الخروج عن محددات موقفه.

لكن الإقرار بهذا الجانب المبشر في السياسة الخارجية، لا يعني أن ذلك سيستمر، أو أن ذلك سيؤتي أكله ضرورة، فلا يمكن للسياسة الخارجية أن تكون بديلا عن كل شيء، بل شرط تحقيق ثمراتها، أن تُرَافَقَ بسياسة ترعى تكوين الإجماع، أو رعايته، أو تقويته، بالشكل الذي يجعل الجبهة الداخلية، قادرة على مواجهة آثار الاقتصاد الراكد، والاهتزازات الاجتماعية المتوقعة بسبب تداعياته، ومُؤَسِّسَة للتضامن الذي يفترض أن يستمر ويتعزز للخروج الآمن من هذه الأزمة.

تتطلب لحظة الإجماع، جوابا سياسيا، وإجراءات انفراجية، وتوقيف ممارسات غير مرضية، والقيام بالتفاتة كبيرة إلى دور الرأي، والقول الحر، ولِمَ لا مصالحة جريئة، لطي أجواء المناكفات التي يخسر منها الجميع.

شارك برأيك