الكركرات.. المغرب يقطع الطريق أمام وصول الجزائر إلى الأطلسي – اليوم 24
الكركرات
  • لويزة حنون

    حزب معارض: الوضع السياسي والاجتماعي بالجزائر “كارثي”

  • روبو- أرشيف

    مقاولة أمريكية تستثمر في مشروع تطوير أول إنسان آلي مغربي الصنع

  • received_242262067363403

    جدل داخل البيجيدي بعد ظهور رباح مع وزير إسرائيلي

الرئيسية

الكركرات.. المغرب يقطع الطريق أمام وصول الجزائر إلى الأطلسي

“… الحجج والدلائل تدل بدون جدال على أن الصحراء كانت دائما مغربية، ولكن الجزائر لم ترد للمغرب أن تكون له حدود مشتركة مع إفريقيا. لا أقول مع موريتانيا، ولكن مع إفريقيا. الجزائر التي اعتادت أن ترى المغرب مطوقا، إما بينها وبين البحر، وإما بين الصحراء وبين البحر، لم تكن لترضى أن ترى المغرب يشرئب شمالا إلى أوروبا بواسطة إسبانيا ويتصالح مع إسبانيا… ولم ترد أن ترى المغرب يضرب جذوره في جنوبه في إفريقيا الأصلية، لذا حاولت أن تضرب بحجر واحد عصفورين”.

الحديث هنا للملك الراحل، الحسن الثاني، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، والذي اعتبر فيه أن “الخطأ الكبير الذي ارتكبه المخططون الجزائريون، هو أنهم جعلوا من أركان سياستهم الظن بأن الاتفاق بين المغرب وموريتانيا مستحيل. لكن المستحيل تحقق وبعد المسيرة الخضراء واسترجاع الصحراء، وقع ما وقع من الأحداث ووجدت موريتانيا نفسها أمام وضع لم تخطط له”.

حديث يجعل الأمس الذي يعود إلى أكثر من أربعين عاما، شديد الشبه بالحاضر الذي تعيشه المنطقة المغاربية عقب التدخل المغربي لتحرير معبر الكركرات الرابط بين المغرب وموريتانيا، والذي جرى صبيحة الجمعة 13 نونبر الجاري. فالكلمة المفتاح في نزاع الصحراء، هي الساحل الأطلسي، والذي ظل يحوز تلك الكلمة منذ أن فتح الملف منتصف السبعينيات، هو الجارة الجنوبية للمغرب، موريتانيا.

فكل ما وقع منذ بداية أكتوبر الأخير، يؤكد أن مخاضا طويلا في العلاقات المغربية الموريتانية، يمتد لـ15 سنة على الأقل، قد جرى تتويجه بواقع ميداني جديد، عنوانه حدود برية مشتركة ومباشرة بين البلدين، لأول مرة منذ قام المغرب بعملية مماثلة لدحر البوليساريو والجزائر من ورائها، من الإطلال على الساحل الأطلسي الصحراء، أي يوم تقدم الجيش المغربي ليبسط سيطرته على إقليم وادي الذهب، إثر اضطرار موريتانيا للانسحاب منه تحت وطأة “النيران الصديقة” لجبهة البوليساريو. الفرق بين الحدثين، هو أي منطقة عازلة سيضطر العابرون للكركرات لاجتيازها بين المغرب وموريتانيا.

دور موريتاني مبكر

“أظن أن موريتانيا قامت بدور الوسيط قبل 13 نونبر الجاري، وبالضبط قبيل العملية العسكرية للجيش المغربي في الكركرات بهدف تحييد عناصر جبهة البوليساريو سواء بزي مدني أو عسكري”، يقول إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية. ويضيف هذا الأخير أن الحكومة الموريتانية قد لمّحت إلى هذا الدور، حين أكد الناطق الرسمي باسمها بأن بلاده “تعمل على حل أزمة الكركرات في أسرع وقت ممكن”. ويفترض حمودي أن هذا الدور لم يكن ليحصل بدون إيعاز من المغرب، “إنها طريقة ذكية لتقوية موريتانيا إزاء بقية الأطراف، وأظن أنه ينبغي مواصلة هذا التوجه، أقصد تعزيز وتقوية الدور الموريتاني مستقبلا، خصوصا وأن موريتانيا اليوم، ليست هي موريتانيا نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات”.

ويشدد إسماعيل حمودي على أن المنطقة خضعت لعملية تهيئة طويلة، محددا نقطة بدايتها في العام 2010 على الأقل، “حين أقدمت موريتانيا على الاعتراف بمعبر الكركرات من خلال مقرر وزاري رسمي تحت مسمى “الكيلومتر 55″، وأنشأت به مكاتب تمثل الدولة الموريتانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، ثم بعد ذلك حين أقدمت سنة 2014 على حملة تمشيط ضد تجار التهريب والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وقد قام المغرب بحملة تنظيف مماثلة في صيف 2016 من أجل فسح المجال بشكل آمن أمام تدفق الحركة التجارية والمدنية بين البلدين”. ويخلص حمودي إلى أنه وإن كانت البوليساريو قامت بمناوشات طيلة السنوات الأربع الماضية، لثني المغرب وموريتانيا عن تثبيت هذا الممر كمعبر دولي لتنقل الأفراد والبضائع، “فقد منحت للمغرب من خلال عرقلة حركة المرور عبر المعبر، في الفترة ما بين 26 أكتوبر و13 نونبر 2020، فرصة سانحة لتكريس المعبر بوصفه معبرا دوليا للحركة المدنية والتجارية”.

صراع السبعينيات

لفهم الدور المحوري لموريتانيا في نزاع الصحراء، ولماذا تعتبر حاسمة فيه، يجب الغوص عميقا في التاريخ الحديث، والوصول على الأقل إلى العام 1976، تاريخ توقيع ما يُعرف باتفاقية مدريد، التي انسحبت إسبانيا بموجبها من الصحراء، تاركة المغرب وموريتانيا ليتدارسا حدودهما في هذه المنطقة. بل إن هذا الترابط المغربي الموريتاني في نزاع الصحراء، يعود إلى العام 1975، واستعدادات المغرب لاسترجاع صحرائه، حيث قدمت طلب الرأي لدى محكمة العدل الدولية في لاهاي، بشكل مشترك مع الجارة موريتانيا.

كانت أذهان الجميع وقتها تحتفظ برواسب عقد الستينيات، الذي قضته موريتانيا مستقلة عن فرنسا، لكن دون أن تنال الاعتراف المغربي. ففي ندوة صحافية عقدها بالقصر الملكي بالرباط يوم 25 نونبر 1975، أكد الملك الراحل الحسن الثاني أنه شخصيا لم يكن مع فكرة ضم موريتانيا إلى المغرب، “وقد قلت ذلك في أول استجواب لي لما شرفني والدي بأن أكون نائبا لرئيس مجلس الحكومة التي كان يرأسها، ولقد طالبت في استجوابي بإجراء استفتاء في موريتانيا، وأن يطلب من الموريتانيين هل يرغبون في أن يصبحوا مغاربة أو يريدون البقاء مستقلين، وفيما إذا رفضوا أن يصبحوا مغاربة، فالمغرب يكون أول المعترفين وتأييدهم لدخول الأمم المتحدة وأن يفتح أكبر سفارة له في موريتانيا لأنني لا أرى ذلك نوعا من الخيال، فليس من المعقول أن أطالب بتمبوكتو لأن المغرب كان يملكها في عهد السعديين، ولا أن أطالب بإشبيلية لأن صومعة لاخيرلدا توجد هناك، وهي جزء من بناء الموحدين”.

في النتيجة كان العمل المشترك بين المغرب وموريتانيا في ملف الصحراء سدا منيعا أمام الأطماع الجزائرية الرامية إلى التسلل نحو الواجهة الأطلسية. وفي الأرشيف الرسمي للمغرب، نجد نص اتفاقية مؤرخة في 14 أبريل 1976 تتعلق بتخطيط الحدود البرية بين المغرب وموريتانيا. وإلى جانب هذه الاتفاقية، أُبرم اتفاق تعاون اقتصادي ملحق بها، ينص على اشتراك البلدين في رأسمال شركة فوس بوكراع التي تستغل الفوسفاط في الصحراء، “على أن تحدد ترتيبات هذا الاشتراك باتفاق بين البلدين”. ويضيف الاتفاق الاقتصادي أن البلدين اتفقا على تنسيق وسائلهما وطاقاتهما من أجل استكشاف الثروات الباطنية في الأقاليم الصحراوية المسترجعة قصد العمل على استغلالها بكيفية مشتركة…

لكن الجارة الجنوبية للمغرب، كانت وقتها أضعف عسكريا من أن تحول ضغط وضربات الإخوة الأعداء في جبهة البوليساريو، المدعومين بسلاح كل من جزائر بومدين وليبيا معمر القذافي. وما خشيه المغرب حصل بالفعل، وتبديدا لأي شك حول الجهة التي تقف وراءه، فإن اتفاقا بين موريتانيا والبوليساريو وُقّع في العاصمة الجزائرية بين 3 و5 غشت 1979، تلتزم بموجبه موريتانيا بالانسحاب من الصحراء وتسليم الجزء الخاضع لسيطرتها لجبهة البوليساريو، وذلك بعد سبعة أشهر من توقيع الاتفاق، أي أن وادي الذهب كان سيصبح تراب دولة البوليساريو ويمنحها فرصة الوجود المادي لأول مرة.

لم يكن هذا المنعطف الكبير في مسار قضية الصحراء ليحصل لولا حدوث الانقلاب الشهير في يوليوز 1978، للإطاحة بالرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، رفيق الحسن الثاني في استرجاع الصحراء. ومثلما تابع العالم يوم 1 نونبر الجاري مسارعة الجيش المغربي لحسم الأمر في الميدان، لم يتردد المغرب وقتها من تحريك قواته لقطع الطريق أمام ميليشيا البوليساريو، وتحصين إقليم وادي الذهب. وبين تاريخ الانقلاب في موريتانيا ومسارعة الجيش المغربي إلى فرض سيطرته على “تيرس الغربية” وبين لحظة قدوم شيوخ وأعيان الإقليم لتقديم بيعتهم في غشت 1979، واصل الحسن الثاني مرافعاته الدينية والتاريخية والدبلوماسية لتأصيل ما يقدم عليه من خطوات. “… إذا قامت موريتانيا بعمل مثل هذا (التنازل عن وادي الذهب للبوليساريو)، فسوف يكون على المغرب إذاك أن يتحمل مسؤوليته، ولا أقول مسؤولياته، أي المسؤولية الوحيدة الضرورية الواجبة، وهي مسؤولية الدفاع عن البقاء…”، يقول الحسن الثاني في درس حسني رمضاني أسبوعين قبل تلقيه البيعة.

إحياء حسابات قديمة

الاعتبارات التي جعلت إقليم وادي الذهب في قلب حرب السبعينيات، هي نفسها التي تستمر اليوم، لكن بأساليب أخرى، وغايتها الأخيرة خنق المنفذ البري الوحيد للمغرب نحو عمقه الإفريقي.

فإذا كانت العلاقات المغربية الموريتانية قد عاشت منذ إسقاط الرئيس مختار ولد داداه بانقلاب عسكري في يوليوز 1978، حالة من المد والجزر التي طغت عليها أزمة صامتة طويلة، فإن أكبر توتر عرفته في عهد الملك محمد السادس تمثل في الخلاف /التوتر الذي أخذه تصريح الأمين العام لحزب الاستقلال السابق، حميد شباط، عندما قال إن موريتانيا أرض مغربية. تصريح شباط في دجنبر 2016 دفع الملك محمد السادس إلى إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز لإعادة الأمور إلى طبيعتها. واضطر الملك حينها إلى إرسال رئيس الحكومة المغربية السابق، عبدالإله بنكيران، إلى نواكشوط في زيارة خاطفة لرأب الصدع.

مصدر مغربي جيد الاطلاع قال لـ”أخبار اليوم” إن بداية المخاض، الذي انتهى يوم 1 نونبر الجاري بسيطرة المغرب على “قندهار”، يعود على الأقل إلى الحملة الانتخابية الأولى لمرحلة ما بعد الانقلاب على الرئيس السابق معاوية ولد الطايع عام 2005، “حينها بدأت بعض الأصوات، منها من يرتبط بالجزائر، لكن منها، أيضا، من يرتبط بأطراف موريتانية، تتحدّث عن إعادة النظر في تخلي موريتانيا عن إقليم وادي الذهب، وما يهمنا نحن كمغاربة الآن، هو الانتباه الجدي إلى جوارنا مع موريتانيا، وبعث رسائل قوية وجديدة عن تجاوزنا لأفكار الماضي من قبيل السيادة المغربية على موريتانيا، وإشراك نواكشوط جديا في السياسة الإفريقية للمغرب، وإن كانت موريتانيا مكلّفة جدا، لكن المغرب لا يمكن أن ينجح في سياسته الإفريقية بدون موريتانيا أو بالقفز عليها، كما لا يمكن لموريتانيا أن تضمن استقرارها، بل وبقاءها ووحدتها بدون المغرب”.

ومنذ تلك المرحلة، ظلت كواليس العلاقات بين البلدين تتحدث عن وجود خلاف استراتيجي وصفته بـ”العميق” بين البلدين، يخرج إلى الواجهة بين الفينة والأخرى في شكل حوادث متفرقة، ويفسّر “البرود” في العلاقات عدة سنوات، والذي تجسد في غياب سفير موريتاني بالرباط، مع تردد أنباء عن رفع عناصر عسكرية أو شبه عسكرية موريتانية، للعلم الموريتاني في منطقة الكويرة المغربية، والمتاخمة لنواذيبو الموريتانية. فهذه المدينة التي تعتبر بمثابة أقصى نقطة في جنوب المغرب، تجسّد اتفاقا حساسا وغير معلن جرى بين الملك الحسن الثاني والرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد داداه، حيث ينص الاتفاق على اعتبار الكويرة جزءا من إقليم وادي الذهب الذي استرجعه المغرب من موريتانيا عام 1979. لكن المغرب وبعد استرجاعه لهذا الإقليم، التزم بعدم القيام بأي نشاط اقتصادي في الكويرة لأنه يعني مباشرة قتل نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا.

تدريجيا أخذت المنطقة الحدودية بين المغرب وموريتانية تتخلص من “برود” فترة التسعينيات الذي أعقب وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو. وبات المغرب وموريتانيا كل من جهته، يحاول اللعب بورقة المعبر الحدودي البري، لتحقيق مكاسب استراتيجية. وتميّز النقاش حول هذا الموضوع، برواسب فترة خضوع إقليم وادي الذهب للسيطرة الموريتانية بعد المسيرة الخضراء، وبناء على اتفاقية مدريد الشهيرة التي وقعت بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا في أبريل 1976، والتي جعلته أقرب إلى الـ”طابو” في النقاشات التي يعرفها المغرب حول ملف الصحراء.

الكركرات في قلب الصراع

الاعتبارات التي جعلت إقليم وادي الذهب في قلب حرب السبعينيات، هي نفسها التي تستمر اليوم بأساليب أخرى، وغايتها الأخيرة خنق المنفذ البري الوحيد للمغرب نحو عمقه الإفريقي. مصدر جيد الاطلاع قال لـ”أخبار اليوم” إن سنة 2015 وحدها شهدت إحصاء ما يناهز 109 جنسيات عبرت النقطة الحدودية “الكركرات”، ما يؤكد تحوّل هذه الطريق الرابطة بين المغرب وموريتانيا إلى شريان للمبادلات العالمية.

التحركات الدولية والإقليمية التي جرت في السنوات القليلة الماضية، لمحاولة التوصل إلى حل نهائي لنزاع الصحراء، أعادت إشراك موريتانيا بقوة، سواء من خلال عودة الحديث في الكواليس عن “حل فيدرالي” بينها وبين البوليساريو، أو طرح أفكار لجعل الحل النهائي للنزاع يبني شراكة جديدة بين المغرب وموريتانيا، من قبيل جعل الميناء الأطلسي الكبير الذي يخطط له المغرب يتحول إلى مشروع مشترك بين البلدين، وربما يقام في خليج الكويرة المهجور حاليا. لكن أول خطوة في بناء المستقبل، هي معرفة حقائق الماضي.

“علاقة موريتانيا بالمغرب علاقة وجودية مرتبطة بالنقاش الذي واكب إعلان قيام الدولة الإسلامية الموريتانية في العام 1960، ولم يختف هذا التوتر، شكلا، إلا بعد 1969، عندما اعترف المغرب رسميا بالدولة الموريتانية، ومع ظهور مشروع تأسيس “دولة صحراوية” في العام 1975 برعاية جزائرية إسبانية، انضمت موريتانيا إلى المغرب لتكوين جبهة  ضد تجزيء المنطقة، ومقابل الطرح الانفصالي دافعت موريتانيا على فكرة المجال الجغرافي المشترك”، يقول الخبير المغربي في الشؤون الإفريقية والمغاربية، الموساوي العجلاوي.

هذا الأخير قال إن موريتانيا كانت تمثل الحلقة الأضعف في الصراع المغربي الجزائري حول الصحراء، “وانتهى الأمر بانقلاب عسكري على ولد داداه في يوليوز 1978، لتبدأ حقبة الحكم العسكري، وانسحاب موريتانيا من إقليم “تيرس الغربية” وانحاز العسكر لزملائهم في الجزائر، ووقعوا اتفاق “سلام” مع البوليساريو في غشت 1979، وأجهض المغرب مشروعا تسليم وادي الذهب للبوليساريو. ومنذ ذلك التاريخ تتأرجح العلاقات المغربية الموريتانية بين التوتر والهدوء الحذر”. وخلص العجلاوي إلى أن موريتانيا تتخوف سواء من المغرب والبوليساريو فيما يخص اللسان البحري الممتد من الكركرات إلى الكويرة، “ومادام الصراع قائما وجامدا، لن يطالب أحد بالكويرة، هذا يشكل منطلق القول لدى الحكومات المتعاقبة منذ عهد ولد الطايع إلى الآن”.

البداية في 2016

صعود معبر الكركرات إلى صدارة الاحداث، بدأت صيف العام 2016، حين بادر المغرب إلى تنفيذ عملية تطهير شاملة في محيط المعبر، استهدفت أنشطة التهريب والتجارة غير المشروعة. فبعد ثلاثة أيام من التحركات الميدانية المتسارعة أصدرت ولاية جهة الداخلة وادي الذهب في غشت من تلك السنة، بيانا أعلنت فيه رسميا وجود عمليات تمشيطية أمنية نسبتها إلى كل من المصالح الأمنية وعناصر الجمارك، بهدف تطهير المنطقة من أنشطة تهريب وتجارة غير مشروعة. البيان قال إن العمليات “قد مكنت هذه العمليات، إلى حد الآن، من إخلاء ثلاث نقط تجمع لهياكل السيارات والشاحنات المستعملة، والتي ضمت أزيد من 600 سيارة، كما تم تطهير المنطقة من جميع أشكال التجارة غير القانونية وممارسيها”.

مصدر جيد الاطلاع قال لـ”أخبار اليوم” إن هذا التحرك المغربي كان موجها إلى كل الأطراف المرتبطة بالأنشطة التجارية والرهانات الاستراتيجية لهذه النقطة الحدودية الحساسة. وأوضح المصدر نفسه أن الشهور الأخيرة عرفت تناميا للأنشطة التجارية غير المشروعة، بمشاركة عناصر محسوبة على البوليساريو، بفعل تراجع المساعدات الدولية المقدمة للمخيمات، خاصة منها الأوروبية، “ونهاية الدعم الإسباني منذ انطلاق الأزمة الاقتصادية، وانخفاض الدعم الجزائري نفسه”. ولم يخف المصدر نفسه اندراج هذا التحرك في سياق توتر العلاقات المغربية الموريتانية في تلك الفترة، واستعمال نواكشوط لأوراق سيادية حساسة بالنسبة إلى المغرب، من قبيل وضعية منطقة الكويرة في أقصى جنوب المملكة.

“إن تتبع تصاعد التوتر على الحدود الموريتانية المغربية منذ 2016 يظهر أن هناك مخاوف من أن تتحول شبكات التهريب التي تعبر “المنطقة العازلة”، إلى تحديات أمنية غير متحكم فيها على الصعيد الإقليمي”، يقول الباحث المغربي فؤاد فرحاوي، في دراسة له حول الموضوع، مضيفا أن الإرهاصات الأولية لهذه التحديات بدأت منذ سقوط نظام “القذافي” في ليبيا عام 2011، مرورا بأزمة الطوارق وانهيار الجيش المالي عام 2012، وصولا إلى حالة الوهن السياسي في الجزائر، وفشل جهود إعادة الاستقرار في ليبيا. “والواقع، أن الإشكالات الأمنية لأنشطة التهريب في منطقة الساحل والصحراء تعود إلى مرحلة التسعينيات من القرن الماضي، عندما فُرض الحصار الأممي على ليبيا بسبب “أزمة لوكربي” من جهة، ودخول الجزائر في حرب أهلية، من جهة ثانية”.

وكما راهنت ليبيا على الطوارق لخلق شبكة من العلاقات الاقتصادية غير المنظمة في المنطقة، استعملت الجزائر، حسب فؤاد فرحاوي، جبهة “البوليساريو” ومخيمات تندوف كذراع بشري لاقتصاد التهريب لبناء نفوذها، سواء في اتجاه إفريقيا جنوب الصحراء عبر مالي، أو نحو غرب إفريقيا عبر موريتانيا. “ومع انهيار ليبيا ووهن الدولة الجزائرية بدأت تظهر مخاوف حول مستقبل “البوليساريو” وشبكة علاقاتها التجارية مع المهربين والمسلحين”.

وبالتوازي مع هذه المخاوف، تسجل دراسة فؤاد فرحاوي كيف جنّست موريتانيا قيادات في جبهة “البوليساريو”، فضلا عن عدد من اللاجئين في “مخيمات تندوف”، وهو ما فسره البعض بأنه خطوة لتعزيز كفة “البيضان” في الهرم الديموغرافي الموريتاني لمواجهة عودة “الزنوج” الموريتانيين القادمين من السنغال. “والمثير أن كثير من المجنسين استقروا في مدينة الزويرات شمال موريتانيا، وأغلبهم من قبيلة “ولاد دليم” الممتدة في جنوب شرق الصحراء المغربية، إضافة إلى الزويرات ومناطق أخرى في تيرس- زمور الموريتانية”.

مدير المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط، ديدي ولد السالك، قال في حديث سابق لـ”أخبار اليوم” إن التوتر الذي يخيم على العلاقات المغربية الموريتانية كان أقرب إلى اللغز. “كل القرائن والمعطيات الموضوعية تشير إلى ضرورة وجود علاقة متميزة بين البلدين، وفي غياب المعلومات الرسمية لا يمكن تفسير هذا الوضع إلا بعامل شخصي، فقد تكون لولد عبدالعزيز أسباب شخصية ضد المغرب”، في إشارة إلى الرئيس السابق لموريتانيا. وشدّد ولد السالك على أن المغرب “بلد له استراتيجية كبيرة نحو إفريقيا الغربية ولا توجد مبررات مقنعة للخلاف معه، والسر يتعلق بولد عبدالعزيز وطريقة إدارته للشأن الموريتاني في غياب تام للمؤسسات… موريتانيا تعتمد على المغرب في كل شيء تجاريا وغذائيا وصحيا وحتى سياحيا، ولهذا لا نفهم هذا الوضع”.

أهمية استراتيجية دولية

الأهمية الاستراتيجية لمعبر الكركرات جعلته يتسلق سلم اهتمامات القوى والمنظمات الدولية، فاللجنة الاقتصادية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، صنفت معبر “الكركرات” الحدودي بين المغرب وموريتانيا، باعتباره المنفذ البري الوحيد للمغرب مع جواره العربي والإفريقي. وتقول اللجنة في أحد تقاريرها الحديثة حول المبادلات التجارية في شمال إفريقيا، إن المعبر يسجّل نموّا سنويا يقارب الـ5 في المائة من حيث حركة تنقل الأشخاص والبضائع، رغم وضعيته المتواضعة من حيث البنيات الأساسية وحالة الطريق ومرافق الخدمات الضرورية للعبور. وكشفت الدراسة الأخيرة التي أنجزها مكتب الأمم المتحدة، عن تسجيل عبور قرابة 70 ألف عربة من هذه النقطة الحدودية في العام 2013، ثلثها كان اتجاهه إلى داخل المغرب، فيما الثلثان كانت وجهتهما من المغرب نحو موريتانيا. ووقفت الدراسة على ضعف المحور الطرقي الرابط بين النقطتين الحدوديتين، المغربية والموريتانية، وهزالة المرافق والخدمات الضرورية لعبور الحدود، من مراقبة للحمولة والمرافق الإدارية الخاصة بالترخيص بالمرور، فيما قام المغرب، حسب الدراسة بإجراءات متعددة في الفترة الأخيرة، لتحسين خدمات المعبر الحدودي وتطويره.

التوتر سيحيط بالمعبر أكثر، عندما خرج المغرب رسميا لتنزيل أحلامه الإفريقية. فمع حصول المغرب على عضوية الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، وتوالي اختراقاته لمعاقل البوليساريو في القارة السمراء، ثم طلبه الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، كلها عوامل أججت غضب البوليساريو ودفعتها إلى الإصرار على جر المغرب إلى استعمال القوة العسكرية لوضعه في قفص الاتهام.

الخبير المغربي في ملف الصحراء، عبدالمجيد بلغزال، قال إن ما وقع في الكركرات منذ 2016، يرتبط بسياق دخول المغرب معركة الاتحاد الإفريقي. “فمع انطلاق هذه المعركة بدأ المغرب عملية تعبيد الطريق نحو موريتانيا”، مضيفا أن تصعيد البوليساريو اشتد أكثر مع إعلان المغرب توقيع اتفاقية إنشاء أنبوب للغاز مع نيجيريا، “حيث خرجوا ليقولوا إن الأمر تسويق للوهم ولا يمكن أن يمر الأنبوب بالمنطقة التي يمكنهم إغلاقها في أية لحظة”.

بلغزال قال لـ”أخبار اليوم” إن جبهة البوليساريو “كانت في لحظة صدمة من الاختراق المغربي لنيجيريا، الداعم الكبير لها في السابق، فرفعت من درجة التوتر، وقام غالي نفسه بزيارة للمنطقة رفقة وفد عسكري، وكان الهدف جر المغرب إلى الدخول في تناقض كبير في الوقت الذي يسعى للعودة إلى الاتحاد الإفريقي، باعتباره يهجم على عضو في الاتحاد”. قراءة أكدتها الوثائق الرسمية للبوليساريو، حيث كشف أحد البيانات الذي أصدرته قيادة الجبهة عام 2016، عن ارتباط الاستفزازات التي قامت بها الجبهة وقتها قرب الكركرات، بالاختراقات المغربية في إفريقيا، وسعي المملكة إلى الاندماج في منطقة الغرب الإفريقي والتخلص من الجمود والحصار المفروض عليها داخل اتحاد المغرب العربي.

البلاغ قال حينها إن احترام وقف إطلاق النار يستلزم العودة إلى الحل الأممي-الإفريقي الداعي إلى تنظيم استفتاء في الصحراء. فيما كان يعتبر المعقل المؤسساتي الأخير لخصوم المغرب داخل القارة الإفريقية، هو مجلس الأمن والسلم التابع للاتحاد الإفريقي، والذي ظل الجزائري إسماعيل شرقي يشغل فيه منصب المفوض الإفريقي في الأمن والسلم، فيما كانت تشكّل الدول التي عارضت انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي الأغلبية المطلقة داخل تركيبة هذا المجلس.

الطاقة والاقتصاد

بعد أول أزمة عصفت بمعبر الكركرات بداية من صيف 2016، قرر المغرب يوم 27 فبراير 2017 سحب قوات الدرك الحربي التي كانت متمركزة قرب نقطة المراقبة الحدودية “الكركرات”، بهدف نزع فتيل التوتر في “المنطقة العازلة” بين الجدار العسكري الرملي في الصحراء المغربية وموريتانيا. لكن الجزائر ظلت تتخوف من أن يتشكل محور اقتصادي “مغربي- موريتاني- غرب إفريقيا” أكثر تنظيما يقضي على شبكات التهريب التي تتغذى منها قيادات جزائرية، خاصة وأن المغرب طرح مشاريع اقتصادية إقليمية، منها التي أُعلن عنها خلال إطلاق برنامجي تنمية جهتي “الداخلة – وادي الذهب” و”كلميم – واد نون” في فبراير 2016، بقيمة 17 مليار دولار، بما فيها ميناء “الدخلة الأطلسي”، كما يوضح فؤاد فرحاوي.

هذا الأخير يضيف أن مشروع أنبوب الغاز المغرب- نيجيريا، وطلب المغرب العضوية الكاملة في المنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا، فضلا عن عودته إلى الاتحاد الإفريقي، جاء ليرفع من سقف صراع الجزائر مع المغرب، في إطار أبعاد جيواقتصادية جديدة، عبرت عنه من خلال الزج بـ”البوليساريو” لتأزيم الوضع في محيط “الكركرات”. “ولا تكتفي الجزائر بمحاولة تصعيد التوتر بين موريتانيا والمغرب عبر “الكركرات” لعرقلة المشاريع الاقتصادية الإقليمية في “محور المغرب – موريتانيا – غرب إفريقيا”، وإنما تسعى إلى توريط روسيا في هذا الصراع برفع سقف النقاش حول قضية الصحراء في الأمم المتحدة، خاصة وأن “مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب”، قد ترى فيه موسكو منافسا مستقبليا لصادراتها من الغاز نحو أوروبا، وهي الخلفية نفسها التي كانت تحكم روسيا في اعتراضها على “مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء” من نيجيريا نحو أوروبا عبر الجزائر”، يؤكد فؤاد فرحاوي.

أكثر من طرد “قطاع طرق”

وفيما تشير جل المعطيات إلى أن المغرب لم يقم يوم 13 نونبر الجاري بطرد بضع عشرات من عناصر البوليساريو من محيط معبر الكركرات، بل أفشل مشروعا جديا لتمركز الجيش الجزائري في تلك النقطة الاستراتيجية، يوضح الموساوي العجلاوي أن طبيعة الدولة الجزائرية تشكل عقدة إقليمية في شمال غرب إفريقيا، باعتبارها ذلك النظام السياسي الذي نشأ مع جبهة التحرير هو ضحية للنظام الاستعماري الفرنسي، الدولة الجزائرية مع نظام “جنرالات فرنسا” شكلت امتدادا فكرا وممارسة للنظام الاستعماري. “وبقدر ما عانى الشعب الجزائري من الدولة الجزائرية، عبر نظام الحزب الوحيد طيلة 30 سنة والتعدد المزيف من 1991 إلى الآن، بقدر ما أدت المنطقة ثمن التوجه الاستعماري الجديد، سواء تعلق الأمر بالمغرب أو موريتانيا أو مالي أو النيجر أو ليبيا أو تونس، وحدود الجزائر الستة كلها مناطق عسكرية أعلن عنها من جانب واحد النظام الجزائري، إنه نظام التوتر والإزعاج والعربدة بين الفينة والأخرى، والأنا المطلق”.

الباحث فؤاد فرحاوي، كان بدوره قد نبه قبل إخضاع النظام الجزائري دستوره الجديد للاستفتاء قبل أسابيع، مضمنا إياه إمكانية قيام الجيش بتدخلات خارج حدوه؛ إلى أن “التطورات التي تشهدها المؤسسة العسكرية الجزائرية على صعيد التسليح تشير إلى تحولات مستقبلية بصرف النظر عن الأزمة السياسية الحالية في البلاد”. ويشدد فرحاوي على أن تدشين قاعدة للانتشار الجوي في “تامنراست” جنوب الجزائر، في مارس 2017، فضلا عن نشر صواريخ S400 وS300 الروسية على الحدود الغربية للجزائر مع المغرب، “تنبئ كلها في سياق التحولات في منطقة الساحل والصحراء، إلى احتمال تغير العقيدة العسكرية الجزائرية، من عقيدة ترفض المشاركة في عمليات عسكرية مباشرة في الخارج، إلى عقيدة تقبل بهذه المشاركة”.

شارك برأيك

متتبع للقضية المغربية

مقال ممتاز بكل ما في الكلمة من معنى ..معلومات غزيرة تورخ للمنطقة تاريخيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا…اتمنى ان تدرس هدم المعطيات في مقررات ابناىنا عوض التاريخ المشوه الدي نراه في الفصول الدراسية..

إضافة رد