تفكيك مافيات المخدرات .. الزعماء يسقطون والشبكات تستمر – اليوم 24
النيني
  • اليوسفي هرما

  • اليوسفي هرما

  • الغنيمة

مجتمع

تفكيك مافيات المخدرات .. الزعماء يسقطون والشبكات تستمر

قبل شهر، أوقفت الشرطة بارون مخدرات وجماعته في مدينة العرائش عقب فشل تهريب أطنان من الحشيش عبر زوارق سريعة وسفينة صيد. وكانت تلك العملية غير معتادة، لأن محو شبكة بأكملها من الوجود لم يكن نمطا جاري به العمل في استراتيجيات مكافحة المخدرات عند الشرطة المغربية. هنالك مشاكل في تدبير البنيات التحتية لمافيات تهريب الحشيش. وكلما سقط زعيم، يعتقد الناس أن شبكة قد اختفت، لكن الواقع يثبت أن الزعماء يسقطون، لكن شبكاتهم تستمر في الصعود.

عندما تفكك الشرطة المغربية مافيات المخدرات، فإنها غالبا ما تقطع رؤوسها، لكن تبقى شبكات تهريب المخدرات موجودة بصفة مستمرة. ونتيجة لذلك، فإن السلطات تدفع،  بشكل ضمني، إلى تجديد قادة المافيا، بل يحدث في بعض المرات أن يستمر القادة المعتقلون في تنفيذ عملياتهم من داخل السجن. 

احتلوا المواقع!

ما ستوضحه الوقائع المذكورة في هذه المادة هو أن السلطات في حربها على مافيا المخدرات تنجح في شيء واحد. إنها تحتل مواقعها، لكنها لا تقضي عليها. ولم تفشل هذه الخطة أبدا.

وكما يلخص رقيب في الدرك الملكي عمل لفترة سنتين في مراقبة نشاط تهريب المخدرات على طول ساحل مضيق جبل طارق، فإن النتائج مدهشة: «بدل أن تنهك نفسك في محو المافيا كلها، والزج بأفرادها جميعا في السجون، يمكن أن تنهي الأمر بضربة واحدة، اجعل منطقة التهريب مستحيلة عليهم. لقد حدث هذا في مرفأ دالية، ثم في مرفأ واد المرسى، وما أنتجته هذه العملية هو دفع الشبكات شرقا نحو مرافئ واد لاو».

 لكن نقل العمليات ليس بنتيجة مشجعة في الحساب النهائي لعمليات مكافحة المخدرات. وكما يشرح ضابط شرطة في تطوان، فإن الشبكات، وهي تنقل أعمالها من هنا – أي من الساحل الشمالي للمملكة- تحت ضغط السلطات، فإنها أيضا طرحت تحديات جديدة على الشرطة: «كانت عملية تهريب المخدرات فيما مضى بسيطة ورتيبة، ويمكن احتواؤها، لأن مسار الشحنات كان محددا، لكنهم هذه المرة غيروا كل شيء، وأصبح المهربون الكبار يملكون أسطولا من شاحنات البضائع، ولديهم شركات شرعية في الجنوب، ويستطيعون تحمل الكلفة الإضافية لنقل شحنات المخدرات من الشمال نحو الجنوب، ثم تحميلها مرة أخرى نحو شمال المملكة، وبدل أن تشحن في زوارق سريعة، أصبحت بعض التفاصيل مأمونة أكثر، فهم يضعون 20 طنا في شاحنة، وهو ما يعادل شحنة 15 من الزوارق سريع، ثم يؤدون السعر المطلوب، ويقطعون موانئ المملكة». ويكتشف الناس سخرية في بعض تفاصيل هذه العمليات؛ وقد لاحظت السلطات ذلك أيضا، وكما يقول ضابط في الجمارك يعمل في ميناء طنجة المتوسطي، فإن بعض الاستراتيجيات في مكافحة المخدرات ربما خدمت المافيات أكثر مما مضى: «هنا، حيث يوجد ميناء طنجة المتوسطي، كان هنالك مرفأ مخدرات مريع، كانت الفيلات حتى عام 2001 على مرمى حجر من الشاطئ، وكانت الزوارق السريعة تخرج منها نحو البحر وهي مملوءة بالمخدرات، وكأنها ستذهب في نزهة؛ لكن الميناء شطب بصفة نهائية على ذلك المرفأ، كما دمر الفيلات كلها، بيد أن من كان يعمل هنالك قبل 2001 ستجده يعمل بعدها، لقد حولوا الميناء إلى شيء لصالحهم، وبدل أن يكتفوا بشحنات صغيرة، ها هم ينقلون المئات من الأطنان من دون أن يظهر أحدهم في الصورة.. في المحصلة الأخيرة، يمكنك أن تقبض على سائق الشاحنة والمعشر، وبعض المساعدين، ثم ينتهي الأمر بالنسبة لتلك العملية، بينما المخدرات تستمر في التدفق.» 

تفكيك ما لم يفكك !

في واد المرسى، لا تستطيع السلطات أن تفعل شيئا لمراقبة مرفأ كان دوما مصدر قلق، فقد سحب الدرك الملكي ذات مرة في 2006 نحو 80 زروقا سريعا من أقبية في فيلات تطل من سفح جبل هنالك، ثم تركتها في مرفأ مارينا سمير لتتعرض للتلف، لكن المافيات حاولت أن تستعيد السيطرة كما فعلت هنالك قبل ثلاث سنوات، حينما سقط منير الرماش، لأن السلطات وقتها نجحت في دفع رؤوس المافيا إلى المغادرة، ولكن كل شيء كان مؤقتا، لأنهم سرعان ما عادوا. في 2010، وضعت السلطات برج مراقبة عالي التقنية على هضبة تطل على شاطئ واد المرسى، وأحست المافيا أن أيديها أصبحت مُقيدة، لكنهم مع ذلك يعثرون على مخرج كما هو حالهم دوما.

 في تلك الأوقات، كان هنالك بارون يقود شبكة هائلة لتهريب المخدرات، كان لقبه الطاحونة، لكنه كان في السجن، لما وضع برج المراقبة فوق بلدته. كان الطاحونة، وهو المعروف في تلك الأرجاء، قد طور خطة بديلة كي تستمر أعماله. وعلى كل حال، لم يفكر أبدا، وهو في السجن، في التوقف عن العمل. كانت الفكرة وقتها واضحة: انقلوا كل شيء نحو جزيرة ليلى. تحول هذا المكان إلى مرفأ نشط بشكل مفاجئ لتهريب المخدرات، وحتى وإن كان هنالك عنصران من القوات المساعدة يحرسان الشاطئ، إلا أنهما كانا بلا حول ولا قوة، فهما معزولان تماما، ومؤونتهما تحملها البغال لنحو ساعتين من الزمن كي تصل إلى مركزهما.  خطط الطاحونة لنقل المخدرات بواسطة البغال أيضا، وأيضا لنقل الزوارق السريعة، وعلى كل حال، كان أفضل ما في هذه الخطة هو ضمان منصة تحميل تخلو من تهديد، وحقق الطاحونة، وهو في السجن، أرباحا مذهلة. 

إلنيني نفسه كان مضطرا لنقل أعماله كل مرة من مرفأ إلى آخر بسبب خطة السلطات في مواجهة تهريب المخدرات، وبعدما كان يعمل بهدوء في واد المرسى، نفذ محاولة سيطرة على مرافئ واد لاو، فوجد الرماش في مواجهته، وانتهى الطرفان في السجن، لكن إلنيني لم يصب بالكسل، فقد كان مستمرا في أعماله وهو في السجن، حتى وإن كان في كثير من المرات يغادره كي يشرف بصفة شخصية على تهريب المخدرات. وما يطرحه نموذجا إلنيني والطاحونة، هو بالضبط ما يجعل من مكافحة تهريب المخدرات بالمغرب عملية ناقصة من الوجهة الإستراتيجية.   

في 1995، قدمت وزارة الداخلية خطة لمحو مافيا المخدرات بشمال المملكة، وكانت تحمل عنوانا ذا دلالة: التطهير. شملت الخطة مكافحة أنشطة أشمل، لكنها مرتبطة بشكل جوهري بالتهريب. بعدما انتهت العملية، في عام على أقصى تقدير، كانت المافيات الأكثر شهرة في تهريب المخدرات قد اضمحلت بشكل تام، ولم يعد هنالك أثر عملي لشبكات مقترنة بأسماء كبارها، مثل الديب، أو رشيد التمسماني أو عبد الواحد أمزيان، بل وحتى اليخلوفي. كانت عملية تذويب عميقة، لكنها تركت المجال مفتوحا لمن يرغب في أن يحتله. وعلى كل حال، كانت هنالك أسماء أخرى في قائمة المستهدفين بالتطهير، لكنهم نجحوا بطرق درامية في الإفلات من قبضة وزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري. هل نجحت خطة البصري في محو شبكات تهريب المخدرات؟ كلا. يشرح ضابط شرطة كيف أن المكان الذي خضع للتطهير سرعان ما اتسخ مرة أخرى: «تفكيك شبكات على قدر هائل من القوة لم يكن يشير بشكل مباشر إلى أن تهريب المخدرات قد تلقى ضربته القاضية، وفي ذلك الوقت، عشنا كي نرى نصف عام من البياض، لكنه في حقيقة الأمر، لم يكن بياضا ناصعا، لأن المساعدين من الدرجة الثانية، الذين لم يكن يظهر لهم أثر في صورة تلك المافيات، شرعوا في إعادة بناء المافيات، وهنا سيظهر منير الرماش، ثم الشريف بين الويدان (محمد الخراز)، مدعومين من رجال أكثر قوة مثل محمد الشعيري، ومصطفى بولقصير، المنفلتين من عقال تطهير 96». 

لم تستغرق فترة الانكماش أكثر من عام كي تظهر القوى الجديدة. وبشكل ما، تركت السلطات لهذه الأسماء الحيز الضروري لتنفس الأوكسجين ثم التقوي تدريجيا. وفي نهاية المطاف، سيطر الرماش على ساحل تطوان كاملا، وكما يقول ضابط شرطة: «كان الرماش وقتها يتصرف وكأنه «ديب» جديد، لكن بمواصفات أكثر حدة، وبينت الوقائع، في وقت لاحق، أن الرجل كان يملك السلطات جميعها، وقد أظهر هاتفه كل هذه الحقائق، حتى إن مدير المخابرات الداخلية في تطوان هرب وفي جيبه ثروة كسبها بفضل الرماش». 

سقط الرماش في 2003، لكن البنية التحتية لمافيا الرماش لم تسقط. بلغ عدد التوقيفات حينئذ، كما يروي قاض كان مكلفا بأجزاء من عملية التحقيق، نحو 100،  لكن في نهاية المطاف، لم يُسجن سوى بضعة أشخاص، وبقيت شبكة الرماش  تنشط، وكما يحدث في مثل هذه الحالات، كان الرماش يدير أعماله من السجن.  لكن وجود الرماش وإلنيني في السجن، حتى وإن لم يدمر شبكتيهما بصفة جزئية أو نهائية، دفع بأسماء جديدة لملء فراغ القيادة، وهنا سيبرز اسم «الطاحونة». ومن 2003 حتى 2006، لم يكن هنالك سوى القليلون ممن يملكون سمعة مرعبة، وبينهم الشريف بين الويدان. فجأة، سيقبض على كل من بين الويدان والطاحونة، وسيقضي الطاحونة في سجنه خمس سنوات، بينما بين الويدان لا يزال حتى اليوم في زنزانته. لكن هل سقطت الشبكتان؟ كلا. استمرت أعمال الطاحونة في حصاد أرباحها لأن الشبكة كلها لم تسقط، وكان من الغريب أن يعول على توقيف وسجن الطاحونة كي تسقط المافيا كلها. وبالرغم من ذلك، كان هنالك أشخاص يُطورون أعمالهم بجانب تجارة الطاحونة وهو في السجن، وظهر أن أشخاصا مثل «صوكاطو» يستطيعون تنفيذ عمليات تهريب للمخدرات دون مشاكل. وكما يشرح بارون ترك أعماله منذ ثلاث سنوات، فإن «ما يحدث هو أن السلطات تقطع الرأس، لكن الجسد يستمر في الحياة.. وقليلا ما يحدث أن يبدل المساعدون الكبار ولاءهم بعد سقوط زعيمهم، لأن القاعدة الرئيسية تقول إن المساعدين إما أن يستمروا في خدمة الزعيم نفسه حتى وإن كان في السجن، وإما أن يبنوا أعمالا جديدة لأنفسهم، وبالطريقة الثانية ظهر الطاحونة». 

جيل ملء الفراغ

هنالك اليوم شباب جدد تتملكهم الرغبة والجرأة في الاستحواذ على أجزاء من عمليات التهريب، وهم يطورون تقنيات العمل بشكل دوري. في 2013، كان هناك شخص اسمه «فريفرا»، وهو شاب قصير القامة، ونحيل الجسم، لكنه عدائي بشكل زائد، كان يدير شبكة لتهريب المخدرات نيابة عن شخص آخر تطارده الشرطة، ونجح في جعل اسمه مهاب الجانب. تحركت فرقة من الشرطة إلى مرفأ مارينا سمير كي تقبض عليه، وتنهي المشكلة، ونجحت في ذلك. بشكل غريب، كان معه خلال العملية، بارون آخر يدعى «شليظة»  ذكر اسمه في أكثر من 12 مسطرة مرجعية، لكن الشرطة سحبت «فريفرا» وتركت «شليظة». حوكم فريفرا وأدين بخمس سنوات، فيما غادر «شليظة» إلى بلد أوروبي. لكن شبكة «فريفرا» لم تسقط، وكان واضحا من أن لا شيء سيتغير، لأن نصف عدد أفراد شبكته كان برفقته في مارينا سمير يوم قبض عليه، لكنهم تركوا هنالك. وكي تستقر الأعمال، عاد «الليموني»، وهو الرجل الأكثر خطرا من «فريفرا» ليباشر أعماله حتى وإن كان مبحوثا عنه.  تسلم «الليموني» قيادة شبكته، وفشلت الشرطة في أن تضع أيديها عليه حتى وإن أخذته الشجاعة يوما في غشت 2012 كي يهاجم مركز شرطة بالفنيدق.

شارك برأيك

شاوني حر

التهريب لا يمكن أن يحارب . لأنه كما نقول بالدارحة ” كلشي كيتخلص او كايدي حقو “

إضافة رد