رحيل المؤرخ والصحافي والسياسي الذي أبهر الحسن الثاني – اليوم 24
العربي المساري
  • احدى غرف المستشفى

    أفضل مستشفى مغربي في المرتبة 3494 في التصنيف العالمي

  • عمال أجانب فارون من جحيم الفوضى التي تعم ليبيا

    رغم الاضطرابات الأمنية.. 50 ألف مغربي لازالوا عالقين في ليبيا

  • التكوين المهني-

    يهم الأساتذة المتدربين.. الحكومة تناقش قانونا يمنع خريجي مراكز التكوين من التوظيف المباشر

سياسية

رحيل المؤرخ والصحافي والسياسي الذي أبهر الحسن الثاني

 

في نهاية سنة 1949 أصدر شاب تطواني لا يتجاوز 13 سنة من عمره رفقة رفاقه التلاميذ بمدرسة القاضي عياض مجلة خطية اسمها «الاعتصام»، لم يكن يدرك الفتى التطواني الذي اسمه العربي المساري، وهو يصدر المجلة، أنه يضع أولى خطواته في عالم سيظل وفيا له على مدى ستة عقود.. من مراهقته وحتى وفاته ظل العربي المساري الإعلامي المجتهد الراغب دوما في المعرفة والإنتاج الصحفي والمعرفي..
الإذاعي والصحافي والمؤرخ والوزير والمسؤول السياسي، الذي توفي أول أمس بمنزله بالرباط، معروف بدقة معلوماته ومواعيده، وبروحه المرحة، وبعودته إلى التاريخ لفهم المستقبل، يغادر إلى دار البقاء، بعدما خلف تراثا وازنا من المؤلفات والمقالات والمواقف، والأقصى من ذلك أن يخلف وراءه محبيه وأصدقائه وزملائه الذين أجمعوا بأصوات منكسرة على أن العربي المساري رجل من طينة نادرة..

الصحفي المربي

بدأ الراحل الكبير العربي المساري، مساره الإعلامي صحافيا معدا للبرامج بالإذاعة الوطنية سنة 1958، قبل أن يلتحق سنة 1964 بجريدة (العلم) كمحرر ليتحول إلى رئيس تحرير، ثم مدير للجريدة الناطقة باسم حزب الاستقلال مطلع سنة 1982.
صحافيون وسياسيون وباحثون من كل الأجيال كانوا أثناء تقديم شهاداتهم لـ»أخبار اليوم» يتكلمون بنبرة الأسى على فقدان رجل ترك في مسارهم ومسيرتهم، أثرا عميقا..
الصحافي المخضرم «طلحة جبريل» الذي انتقل إلى منزل السي العربي المساري بالسويسي، دقائق بعد أن تناهى إلى علمه خبر الوفاة، وقف لحظة تأثر بالغة، ببهو المنزل معانقا أبناء الفقيد، فيما شريط الذكريات يعود به إلى أول لقاء بالسي العربي. يقول طلحة جبريل في شهادة خص بها «أخبار اليوم»: «كنا نناديه السي العربي..». يصمت جبريل قليلا يتنهد، ثم يواصل، «في عام 1978 التقيت به أول مرة، بعدما انتبه إلى بعض مقالاتي رفقة رفيقه في الكفاح الإعلامي عبد الجبار السحيمي المنشورة على صحيفة الميثاق الوطني. استقبلني هذا الأخير وقال نريدك أن تلتحق بنا في (العلم). وافقت على الفور، إذ العمل بجريدة مثل العلم آنذاك كان بمثابة تحول. وقال سيقابلك السي العربي المساري باعتباره رئيس التحرير. عندما دخلت عنده لا أنسى أبدا الترحيب الذي استقبلني به قائلا: «أهلا بوادي حلفا. استغربت لأن وادي حلفا مدينة حدودية صغيرة بالسودان، فكيف يعرفها السي العربي، وقال ستبدأ في من الصفحة الأخيرة.. بدا لي من الوهلة الأولى إنه إنسان مطلع، وله روح دعابة، أصبحت قريبا منه حتى إنه تبناني مهنيا، خصوصا وأننا نلتقي في الرؤية، حتى إننا إلى اليوم لازلنا نناديه السي العربي..».
من جهته، قال الإعلامي والإذاعي خالد مشبال: «تربطني بالسي العربي علاقة قديمة جدا تعود إلى مرحلة الدراسة في مدينة تطوان، حين شكلنا جمعية اسمها «كتلة الشباب» من طلبة القاضي عياض، كما أننا كنا زملاء في الإذاعة الوطنية. كان العربي منتجا لبعض البرامج. لكن أهم مرحلة هي أننا كنا رفاقا في النضال النقابي، فقد كان السي العربي من مؤسسي العمل النقابي الصحافي رفقة الخضر الريسوني ومحمد حسن الجندي وخالد مشبال، وكانت فكرتنا هي تأسيس نقابة عن طريق تجميع العاملين في الإذاعة، وكان ذلك بالضبط سنة 1960. وكان السي العربي المساري الكاتب العام للنقابة، إذ على اختلاف المراحل لم نشهد انضباطا أكثر من انضباطه..».

عمل كثير وكلام قليل

في سنة 1965 التحق العربي المساري بالمجلس الوطني لحزب الاستقلال خلال المؤتمر السابع، وفي السنة نفسها انتخب عضوا في اللجنة المركزية، قبل أن يتم انتخابه سنة 1974 عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب. ورغم انشغاله بالعمل السياسي، لم يؤثر ذلك على هدوئه واتزانه. فالإنصات صفة كانت ملازمة للرجل، يقول مشبال، «لم تغير المسؤوليات من شخصية المساري الرجل الهادئ الذي يفكر أكثر مما يتكلم، ينصت ولا يرد إلا قليلا».
عندما أصبح العربي المساري مديرا لجريدة (العلم)، أدخل فلسفة أخرى للعمل الصحافي يشهد له بذلك طلحة جبريل وإحمد إفزارن، اللذان اشتغلا معه في المنبر نفسه. وفي هذا السياق يقول طلحة جبريل، «كان يفضل التحري والموضوعية كلما تعلق الأمر بأخبار تتعلق بحزبه، خصوصا وأن الأخير كان في الحكومة، فلم ينساق وراء الحزبية الضيقة..لقد تابعته كيف كان يدير جريدة العلم، كشخصية إعلامية محنكة وله قدرة خارقة على تدبير العلاقات. أتذكر أنني كنت أشتغل بالبرلمان وأحيانا كنت أتأخر إلى الساعات الأولى من الصباح وكان متفهما لهذه الظروف، بل كان يعمل على تحقيق التوازن في المواد الصحفية، وكان رجلا يحب النقاش والاستماع إلى الصحافيين..».
كانت الموضوعية فلسفته في تدبير العمل الصحافي، ويتجلى ذلك وبشكل واضح في مقالاته التي تم تجميعها في كتب أو في مؤلفاته التي كان يمارس فيها التحقيق التاريخي، يتذكر طلحة جبريل. كان كل يوم يعطيني خبرا، ولكن كان يشير إلى أنه ليس للنشر، فقلت له وما الغاية من عدم نشره، فقال لكي تتعلم ألا تخطئ، فقد تكون لديك معلومة خاطئة..»
عندما يغضب المساري، وحسب شهادة العديد من مجايليه، لم يحدث مطلقا أن قام باستدعاء محرر إلى مكتبه، وكان عادة يأخذ الجريدة ويذهب إلى المحرر ويقدم له أمثلة كثيرة لكي لا يكرر الخطأ نفسه. «إذا تخيلنا أن عاملا في معمل لتصبير السردين أخطأ فإنه يمكن أن يسمم آلاف الناس، والخطأ هنا في الجريدة يمكن أن يسمم عقول القراء وآرائهم»، يقول المساري.
كان كثيرا ما يستعمل أوراقا صغيرة يدون فيها ملاحظاته، وكان يحب المشي، ولا يستعمل سيارته سواء صوب منزله، الذي كان بشارع «باتريس لمومبا» أو إلى مقر حزب الاستقلال في باب الأحد. كان يصحب معه أحد الصحافيين من الجريدة ويناقش معه ويقول له: «هذا نقاش حر ليس فيه لا مدير ولا رئيس».

الصحفي والسياسي المحقق

اشتهر العربي المساري بشغفه الكبير بالوثائق وتجميعها وترتيبها، ربما هذا الاهتمام والحرص على التوثيق جعل الملك الحسن الثاني يهتم به. فعندما أصبح السي العربي رئيسا للفريق الاستقلالي لفت انتباه الملك الحسن الثاني، خصوصا وأن كل مداخلاته كانت موثقة. يحكي طلحة جبريل عن هذه اللحظة التي عاشها رفقة المساري، «استدعى الملك الراحل امحمد بوستة الذي كان وزيرا للخارجية، فقال له لديكم العربي المساري الذي يتوفر على طاقته كبيرة في التوثيق، ونحن لدينا مشاكل عديدة في بلدان أمريكا اللاتينية، ونحتاج إلى شخص تكون لديه قدرة على الاشتغال بطريقة التوثيق، لذلك ارتأيت أن أعين المساري سفيرا..» يستطرد طلحة. «وكان التوجه فعلا أن يكون سفيرا بإسبانيا بحكم إتقانه اللغة الإسبانية، نظرا إلى موقع مدريد وتأثيرها على أمريكا اللاتينية، لكن فيما بعد سنعلم أنه عين في البرازيل».
مسألة التوثيق مسألة جد مهمة في مسيرة الرجل، يتذكر كاتب هذا المقال كيف تحدث مرة إلى السي العربي عن سيرة المؤرخ التطواني عزوز حكيم، فقال بالحرف «إن عزوز حكيم يرقد فوق كنز من الوثائق».
وفي الاتجاه نفسه ذهب خالد مشبال الذي يقول، «لا أظن أن هناك شخصا يوازيه حرصا على الاهتمام بالوثائق والحفاظ عليها. إذ عندما كنت في القاهرة في سنة 1952، وخلال ست سنوات، كنت أراسل عائلتي عن طريق السي العربي. وعندما عدت إلى الوطن، فوجئت فيما بعد أنه كان يحتفظ بهذه الرسائل في ملف خاص».
للرسائل مع العربي المساري قصة خاصة، فقد تبادل مع طلحة جبريل ما يربو على 250 رسالة سيتم نشرها عما قريب في كتاب، يقول جبريل، «عندما عين في البرازيل سفيرا بدأنا نتراسل والغريب أنه احتفظ بكل هذه الرسائل. اليوم، ستجمع هذه الرسائل في كتاب، لكنه أوصاني مرة ألا تخرج أي رسالة من هذه الرسائل إلا بعد أن أغادر الحياة، فقال له طلحة جبريل من يدري أينا الأسبق، فقال السي العربي أنا أعلم أنني سأرحل قبلك..».

الوزير المستقيل

عين الراحل المساري، وزيرا للاتصال في حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي من مارس 1998 إلى شتنبر 2000، وكما أسرّ أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط، فإن تعيين المساري وزيرا للاتصال لم يتم بالمسطرة العادية، بل اليوسفي شخصيا هو من وضع اسمه في لائحة الترشيح للاستوزار.
أثناء تحمله حقيبة الاتصال تناقل الكثيرون خبرا لم يتحدث عنه العربي المساري خلال حياته كثيرا، إذ قدم استقالته من الوزارة، مرتين حاول من خلالها طلب إعفائه من المسؤولية، يحكي جبريل «المرة الأولى عندما طلب تنقية وزارة الاتصال من موظفي وزارة الداخلية، وتم رفض هذا الطلب من القصر بتدخل من إدريس البصري. والمرة الثانية عندما عُين مدير جديد للقناة الثانية وطلب منه أن يحضر حفل تنصيبه، فقرر ألا يذهب. لكنه بعد استشارة بعض معارفه وأصدقائه أشاروا عليه بالذهاب وعدم التكلم. وعندما عاد فكر قليلا، ثم قدم استقالته.
بعد ذلك اعتبر عبد الرحمن اليوسفي، رئيس الحكومة آنذاك، أن خروج العربي المساري يعتبر أزمة ستؤثر على حكومة التناوب واقترح عليه حلا غريبا هو أن يبقى وزيرا، ولكن بدون قرارات..».
ترأس المساري أيضا، اللجنة الوطنية لإصلاح قوانين الصحافة والنشر، وكذا لجنة ميثاق أخلاقيات المهنة بوكالة المغرب العربي للأنباء. وكانت له معارك شهيرة في كل هذه المراحل، كان خلالها، منتصرا للحق والموضوعية وهو من أوحى للمهنيين بعبارة «الحرية والمسؤولية».

إلى آخر رمق

لم تتوقف علاقة المساري بالكتابة إلى آخر أيام حياته، ففي فبراير من السنة الجارية احتفى المعرض الدولي للكتاب بمؤلفه الأخير «إسبانيا الأخرى»، وقبل ذلك نشر المساري العديد من المؤلفات، من بينها «معركتنا ضد الصهيونية والإمبريالية» سنة 1967 و»المغرب/إسبانيا في آخر مواجهة» 1974 ، و»الأرض في نضالنا السياسي بعد الاستقلال» 1980 ، و»صباح الخير أيتها الديمقراطية» 1985 ، و»المغرب بأصوات متعددة» 1996 ، و»المغرب ومحيطه» 1998 ، و»محمد الخامس: من سلطان إلى ملك» 2009، و»ابن عبد الكريم الخطابي من القبيلة إلى الوطن» 2012.
ظل السي العربي حريصا على التواصل بالهاتف إلى أن وصل إلى حد أن تجيب زوجته السيدة ثريا الشرقاوي بدلا عنه، بأنه غير قادر على التحدث وأن الزيارة أصبحت تتعبه، ورغم ذلك وفي آخر مكالماته لم يفقد روح دعابته.
السبت 25 يوليوز 2015 كان السي العربي جالسا في الحديقة، حوالي الساعة الثانية هادئا يتأمل، تحكي ابنته (منى)، كان عاديا جدا وقال إنه يفضل ألا يتناول وجبته في الخارج. دخل صالون المنزل، استلقى ولم يقل أي شيء وأسلم الروح. عائلته لم تصدق الخبر حينها، كشف ابنه ياسر، طبيب الأسنان، عليه وأخبر الأسرة أنه توفي، ثم استدعى طبيبا آخر الذي أكد الخبر الحزين..

شارك برأيك