عــيــون بـيـكـــاسـو – اليوم 24

عــيــون بـيـكـــاسـو

  • العرب في مهب الريح

  • «20 فبراير» والعمل السياسي

انتبهت، قبل أيام، في أثناء عطلتي السنوية في الجنوب الإسباني، إلى أن قنوات التلفزة الإسبانية تبدأ نشراتها الإخبارية بالحديث عن سرقة إحدى لوحات بيكاسو، ولأنني كنت قد عزمت على أن تكون استراحتي مناسبة لابتعادي، قليلاً، عن مظاهر الصراع المعمَّمة في مجتمعات عربية، قرَّرت القيام بمجموعة أنشطة تسعفني بالتخلص من العياء الذي يفرضه تلاحق الأحداث وتصاعدها بصورة تدعو إلى قلق وخوف كثيرين.

حاولت أن تكون قراءاتي وأنشطتي اليومية بعيدة عن كل ما له علاقة بالمشهد السياسي العربي، وخصوصاً في البلدان التي أصبح الصراع فيها حرباً فعلية مكشوفة، وعنواناً لتحوُّلات تُنْذِرُ بدخول مجتمعات المشرق العربي في دوامة من العنف، تصعب معرفة النتائج التي ستؤدي إليها.

استدرجت نفسي للانخراط فيما وطَّنت النفس عليه، وبدأت بتقليص زمن الجلوس اليومي أمام التلفزة وبرامجها، حيث اكتفيت بمشاهدة العناوين الكبرى لنشرات الأخبار. وانتبهت، في مشاهداتي عناوين في إحدى القنوات، إلى خبر يتعلق بسرقة إحدى لوحات بيكاسو، من دون أدنى حرص على العناية بتفاصيل الخبر وصيغه كما تناقلتها القناة، وساعدني في النجاح في ذلك أنني وجدت نفسي أمام الجحوظ البارز في عيني صاحب اللوحة المسروقة، حيث تحوَّلت صورته أمامي في الشاشة بأحرفها التامة إلى مجرد صورة لعينين تتجاوزان الأحداق التي تؤطرهما والصلع الذي يعلوهما.  كنت، في السابق، عندما أستحضر اسم بيكاسو تبرز أمامي صلعته، فلا أتمكَّن من رؤية عينيه، كما لا أتمكَّن من إدراك الابتسامة الشاردة التي تحملها بعض صوره المتداولة. لكن، لماذا اختفت صلعته وصنعت نظرات عينيه اليوم الملمح الأبرز لصورته في عيوني؟

عندما طرحت على نفسي هذا السؤال، بدأت أسترجع، في ذهني، المنجز التشكيلي الذي خلَّد ويخلِّد آثاره الفنية. وحاولت الربط بين قوَّة النظرة التي يوحي بها اتِّساع مدار العينين في وجهه وبين أعماله الفنية وحياته، مفترضاً أن الخطوط والأجسام والألوان والحركة في لوحاته ومنحوتاته يجسِّمان قوَّة النظرة المنبعثة من عينيه، كما يعكسان بريقهما وصفاءهما.

وأنا منبهر أحدق في العينين اللتين أصبحتا في ذهني، في لحظة خاطفة، صورة الرجل، حصل لي تحوُّل جديد في الرؤية وفي موضوعها، وأصبح وجه الفنان في عيوني صورة نموذجية لمسألة تلاقح الأعراق في الأندلس، ما أشعرني بكثير من القرب منه، ومن منجزه التشكيلي الذي يعكس، في بعض أوجهه، جوانب من حدَّة النظرة المُصَوَّبَة من عينيه.

أعرف أن اختلاط الأعراق وتلاقح الثقافات مسألة تاريخية مؤكدة، حتى عندما تنكرها جماعات متعددة في سياق التدافع والصراع القائمين في التاريخ، حيث يصبح منطق الهُويات والإثنيات والتمايزات جزءاً من آليات الصراع المستخدمة، لتعزيز تخندقات معيَّنة في الميادين وداخل حلبات المعارك.

جعلني وجه بيكاسو، بتعبيراته المختلفة، أتذكَّر أمراً حصل لي قبل سنوات في مدينة طوليدو القريبة من مدريد، وهي مدينة تشهد على الحضور الفني العربي في إسبانيا، سواء في معمارها وآثارها، أو في الفنون التي اشتهرت، وما زالت تشتهر بها، أقصد بذلك الفسيفساء الشامية. فقد شاركت، قبل سنوات، في ندوة نظمتها جمعية للمهاجرين المغاربة، وفوجئت بأحد المشاركين الإسبان يطلب نقطة نظام في بداية أعمالها، وكان اسمه بنو أمية، وقد أعلن استغرابه من الكيفية التي أعد بها ملصق الإعلان عن الندوة ومكان انعقادها، ذلك أن صيغة الإعلان جاءت سليمة باللغة الإسبانية، أما بالعربية فقد كتب اسم المدينة التي تحتضن الندوة بأحرف عربية مطابقة للمنطوق الإسباني، من دون انتباه إلى أصلها العربي، ما جعلها تصبح طوليدو بدل طليطلة، وقد اعتذر المنظمون للندوة على ما حصل، وعدُّوه سهواً.

يذكّر مستعرب إسباني المشاركين في الندوة بغنائية اسم طليطلة، وتفتح المدينة أحضانها وحصونها لتعلن حضور دمشق البديعة في قلب الديار العربية الإسبانية، كما عليه الحال في حواضر الأندلس الأخرى، غرناطة وإشبيلية وقرطبة.

نقلتني عيون بيكاسو ومنجزاته الفنية إلى المشترك العربي الإسباني في التاريخ، فرأيت أن حنواً رقيقاً يخترق حدَّة الرؤية في العينين الجاحظتين، وقرأت في الفسيفساء الشامية في طليطلة عنوان إبداع حصل، ولن يتمكن أحد من محوه. تذكّرت مُنَمْنَمَات سعد الله ونوس التي كتبها في أيامه الأخيرة، كما دَنْدَنْتُ ببعض أشعار نزار قباني. تذكَّرت بغداد وصنعاء وطرابلس. حصل لي كل ما سبق، في لحظة عابرة في الأندلس، لحظة هروب من حروب مشتعلة في أرض العرب، حروب تقتل وتُهجِّر وتمارس الخراب كل يوم، ثم انتبهت إلى أن بيكاسو في الصورة التي تملأ الآن الشاشة أمامي أصبح مُغمض العينين.

باحث

عن «العربي الجديد»

شارك برأيك