التضامن ضد الموت – اليوم 24

التضامن ضد الموت

  • الصدى والأثر

  • ملوك الصدى

لم يثرني كثيرا قيام إلياس العماري وآخرين بتعزية عبدالإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، في وفاة والدته هذا الأسبوع رغم الخصومة الشديدة بينهما. تعزية الرجل ومواساته في فقدان والدته يتعدى مجرد القيام بـ”الصواب”، إلى مستوى أعمق كثيرا، له ارتباط مباشر بعلاقة الإنسان بالموت، أو بتعبير أدق بذلك الضعف الشديد الذي يعتريه أمام هذه اليد المجهولة التي تأتي على حين غرة لتغيب بعضا أو كثيرا ممن هم حولنا.
إن إسراع الناس وحرصهم على تعزية ومواساة من فقد عزيزا، في كل المجتمعات والأديان، ينم عن ذلك التضامن الأخير.. ذلك “الاتحاد” بين أعضاء المجتمع البشري أمام هذا “العدو” المشترك والمبهم.. تضامن يُمليه في العمق ذلك الإحساس الدفين والمشترك أيضا بين البشر بالعجز أمامه. ولهذا ربما تكون تلك المشاعر المعبر عنها مفعمة في الغالب الأعم بصدق ودفء خاصين إلى مثير للاستغراب، خاصة بين السياسيين وقادة الدول الذين تكون بينهم خصومة، وربما العداوة الشديدة.
بل إن لحظات التضامن بين الأحياء من البشر ضد هذا الموت القاهر تكون مناسبة، في مرات عديدة، لحلحلة بعض القضايا التي يكون الخلاف بشأنها قد استحكم لسنين، أو على الأقل لجعل بعض الدفء الإنساني يدب في أوصال علاقات متجمدة (بين الأشخاص أو القبائل أو التنظيمات أو حتى الدول)، ولو لفترة قد تطول أو تقصر، قبل أن يتوهج من جديد ذلك الإحساس المزيف والضروري للحياة على كل حال.. الإحساس بالخلود والأزل. إذ يعود ليطغى بحساباته الواسعة والضيقة فتعود الخلافات والصراعات إلى أن تهبط المنايا مرة أخرى، وهي خبط عشواء كما قال الشاعر، فيتذكر الجميع “عدوه” الأول الذي لا رد لقهره وجبروته.
في بلد مثل المغرب، حيث مازال البناء المؤسساتي لتدبير شؤون البلاد، هشا جدا، وحيث مازالت السلطة تعتبر أنه يكفي تضمين الدستور بعض المواد ذات النفحة الديمقراطية (كما هو متعارف عليها في عالم اليوم)، ولا حاجة إلى تجسيدها في حياة المؤسسات التي تدبر مبدئيا شؤون الكائن المغربي، فإن مثل لحظات “التضامن” ضد الموت هذه – وكذلك الأفراح واللقاءات الخاصة واللقاءات الخاصة جدا بين النافذين جدا طبعا – تتحول إلى “مناسبة” لاتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية، سياسيا واقتصاديا وقضائيا.
وهذا لعدة أسباب في تقديري منها: أولا، لأننا في بلد مازال يعيش مؤسساتيا في ظل نوع من “القطاع غير المهيكل” رغم وجود العديد من أجهزة تشريعية وتنفيذية وقضائية. ثانيا، لأن هذه الأجهزة مازالت تشكو من الهشاشة التي تجعل من السهل القفز عليها اتخاذ القرارات من خارجها. ثالثا، تكون هذه المناسبات فرصة لحل العديد من الإشكالات التي تكون في العمق مرتبطة بالخلافات الشخصية التي تُرخي بظلالها على المؤسسات الهشة وتعوق تحركها.
فهل تشكل الوفاة الأليمة لوالدة عبدالإله بنكيران، تغمدها لله برحمته الواسعة، بداية ولادة حكومته المتعثرة منذ أسابيع طويلة، بفضل التضامن البشري ضد الموت، هذا العدو المشترك والغامض والقاهر؟

شارك برأيك