صور منزلقة على الروح – اليوم 24

صور منزلقة على الروح

  • داود وجالوت

  • اليد العليا

تذكرت هذه الأيام جان جينيه وكتابه «أربع ساعات في شاتيلا». وتذكرت كيف التهمت كل تلك الصور الوحشية.. كيف تجولت في تلك الشوارع رفقة الموت.. كيف مررت بين تلك الجثث المنتفخة والمسودة للنساء والرجال والأطفال.. كيف غمرتني تلك الرائحة التي تصل وخزاتها إلى عمق الكبد.. وتذكرت بالخصوص ذلك الشعور الذي استبد بي مع توالي الصور: لم يكن خوفا ولا غضبا، ولا حتى تقززا. كان شيئا آخر يشبه الحياد وما هو بحياد.. شيئا أقرب إلى شلل أصاب حواسي وإحساسي. مع توالي الصفحات، أخذت الصور تنزلق على الروح بما يشبه اللامبالاة، مثلما تنزلق قطرات المطر على الزجاج في صمت. هل تآلفت مع تلك الصور حتى إنني لم أعد أراها من فرط تجوالي بينها في نص جينيه؟ ربما.
الأكيد أنني احتجت إلى زمن بدا لي طويلا لأتعافى من تلك الحالة التي تشبه الشلل، وخشية تكرارها، تكونت لدي على ما يبدو «عقدة» من كتابات جان جينيه، لأنني لم أعد منذ ذاك أتحمس لنصوصه.
أحسست هذه الأيام بأن ما يشبه تلك الحالة أخذت تعتريني في الأيام الأخيرة وأنا أتابع مرغما ما يجري هناك في حلب، تلك المدينة التي كانت تبدو لي، من فرط ما سمعت عنها وقرأت، مثل حكاية من «ألف ليلة وليلة». لم أعد أشعر بأي شيء تجاه كل هذا الشريط الذي لا يتوقف أينما وليت وجهي.. القنوت التلفزية.. الفيسبوك.. الواتساب…
أتابع ما يجري وأتجول وسط الخرائب وأستنشق الخراب، وقد أدقق النظر قليلا في جثث الأطفال، وفي النظرات الخائفة لكل الذين ينتظرون الموت، ويحاولون عبثا الحفاظ على شرارة الأمل الواهنة في عمق الصدور المرتجفة. وأجدني غير قادر حتى على إبداء أضعف الإيمان، أو أقل قليلا، ولا قادرا على تصنع الأسى أو بعض التضامن ولو من باب «اللياقة».
ويبدو لي أن وسائل الإعلام الحديثة تحمل في طياتها سيئة خطيرة عليها وعلينا، نحن الكائنات المغلوبة على أمرها. فهي تمتلك قدرة هائلة على جعلنا «نتآلف» بل و«نتصالح» مع الفظاعة إلى حد مداعبتها كما يداعب المرء قطه الأليف. إذ تصبح الصور المرعبة، وحتى تلك المفبركة منها، مشهدا عاديا نتابعه بحياد، ثم بنقرة واحدة أو ضغطة خفيفة على الزر ننتقل إلى مشاهد أخرى مرعبة أخرى في سلسلة تبدو لانهائية تتيه فيها حلب.. ودمار حلب.. ونظرات الخوف في عيون أهلها.
حقا لا يسعني –أنا العاجز عن التضامن أو أي شيء آخر- سوى أضعف الإيمان: أتمنى أن ينتهي كل هذا (لا يسعفني أي وصف) لأنه طال أكثر من اللازم.. لأنه يثبت لي مرة أخرى أن الواقع في بعض بلداننا (أو ربما كلها)، ليس فقط أغرب من الخيال كما قال غبرييل غارسيا ماركيز، بل أكثر قسوة وفظاعة بكثير من أي خيال مفرط في الجموح.

شارك برأيك