الأغنياء بالبيضاء ينفقون في ليلة ما يجنيه عامل في شهر – اليوم 24
الدار البيضاء
  • النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي

    وهبي: “البام” قدم حسابات مثيرة للشكوك إلى المجلس الأعلى للحسابات

  • الزفزافي

    تفاصيل المكالمات الـ12 التي «أسقطت» الزافزافي في يد الأمن

  • محمد جلول

    مكالمة قصيرة تتسبب لجلول في تهمة “المس بالسلامة الداخلية” للبلاد

قضية

الأغنياء بالبيضاء ينفقون في ليلة ما يجنيه عامل في شهر

يتأمل عبد السلام مليا مدينته، الدار البيضاء، المكان الحضري الأكبر مساحة وتعدادا للسكان في المغرب، والأكثر غنى أيضا. هنا، يتجمع حوالي أربعة ملايين شخص، حيث لا يمل الأغنياء منهم من إظهار ما يملكون، وهم يحاولون تقليد الأثرياء الأوروبيين الذين يعيشون في باريس ولندن. إنهم يعيشون بطريقة لا تختلف عن تلك التي يعيشها أغنياء الخليج: الكثير من الاستهلاك المفرط في مظاهر البذخ والأشياء الثمينة.. سيارات غالية الثمن، ووجبات عشاء مكلفة في مطاعم فاخرة. وفي ليلة واحدة، يخسر غني واحد، بشكل سهل، ما يمكن أن يجنيه حارس سيارات أو عامل نظافة في شهر كامل.

تحولت سيدي مومن إلى موضوع للكثير من النقاشات، ليس داخل المغرب فحسب، وليس بسبب الإرهاب فقط، كما كان معتادا حول هذه المنطقة الهامشية في الدار البيضاء، بل أصبحت سيدي مومن عنوانا عريضا هناك في ألمانيا بعد أحداث نهاية العام 2015، يقدم صورة سلبية عن المغاربة.

 

من سيدي مومن، بدأ شبان رحلتهم بحثا عن السعادة في ألمانيا، لكنهم عادوا صفر اليدين. بوبكر معزوز، رجل يساعد الجميع على ما يبدو في مقاطعة سيدي مومن، «إن الناس ليس لديهم سوى القليل ليفعلوه في هذه الأرجاء»، يقول وهو يتوجه نحو المركز الثقافي في مقاطعته، ويضيف: «معظم الشباب هنا يحلمون بالوصول إلى ألمانيا». حلم كان عبارة عن طريق طويل وشاق لكثير من الشبان منذ حادث الاغتصاب الجماعي في مقاطعة كولون بألمانيا قبل عام.

ومنذ ذلك الحين، باتت سيدي مومن اسما مألوفا لدى الألمان، فقد كان ضمن العناوين الرئيسة للصحف في تلك الفترة، وكان مشحونا بحمولة سلبية. وحسب محاضر الشرطة، فإن الكثير من الذين يشتبه بهم في القيام بجرائم اغتصاب وسرقات عامة في احتفالات نهاية العام 2015، كانوا ينحدرون من تلك المقاطعة المغربية. سيدي مومن لديها نصيب كبير من الشهرة في المغرب نفسه، فهي تصنف ضمن القلاع شديدة التحصين للمجرمين، ومروجي المخدرات، وأيضا للمتطرفين. وتشكلت هذه السمعة السيئة منذ عام 2003 على الأقل، عندما تبين أن المحرضين وغالبية المنفذين للعمليات الانتحارية التي هزت الدار البيضاء في 16 ماي من ذلك العام وأودت بحياة ما يزيد على 40 شخصا، كانوا أشخاصا ينحدرون من سيدي مومن. هذه المقاطعة الواقعة في الزاوية الشمالية للدار البيضاء، التي كانت في وقت مضى عبارة عن مكب نفايات عملاق، وأصبحت تحتضن اليوم ما يزيد على نصف مليون شخص، أي نحو ثمن سكان الميتروبول المغربي. والمحظوظون وحدهم في هذه المقاطعة هم أولئك الذين عثروا على شقة في تلك البنايات المتزايدة للسكن الاجتماعي. وبالرغم من أن السلطات عملت كثيرا، منذ الثمانينات، على إعادة إيواء أولئك الذين لا يملكون سقفا إسمنتيا، فإن حوالي ثلث سكان سيدي مومن لايزالون يعيشون حتى الآن تحت سقوف قصديرية، وكثير منهم من الشباب.

 

صورة المغرب العصري!

 

يلعب الأطفال في زقاق ضيق تحيط به البراريك. الأرض زلقة. وفي الزاوية، حيث مازالت أشعة الشمس ساطعة، وُضع خبز قديم ليجف. وسيُستخدم هذا الخبز لاحقا في الغالب، لتحضير وجبة الكسكس. وبين زاوية وأخرى، تنتشر الحيوانات: بغال وحمير وأبقار وأغنام تقتات على النفايات التي تتكوم فوق الأرض. هذه صورة لا تتطابق مع صورة بلاد عصرية وغنية بشكل نسبي كما يُقدم المغرب نفسه في السنين الأخيرة.

 

بوبكر معزوز أسس المركز الثقافي في سيدي مومن عام 2006، وعمره الآن في منتصف الستينات، وبشارب رمادي، وكسوة رسمية سوداء، وقبعة رأس رياضية لإخفاء شعره الذي غزاه الشيب. ينادي الشبان في هذه المقاطعة بـ«أولاده»، فقد أصبح مركزه الثقافي مكانا يلتقي فيه الشباب باستمرار تحت رعايته.

 

إنها بناية بسيطة تتكون من طابقين، وبالفعل، يحب الأطفال والمراهقون أن يأتوا إلى هذا المكان، فهو يمنحهم دروسا لتعلم الموسيقى واللغات والمسرح، كما توجد مكتبة بداخله، وملعب كرة قدم أيضا. وعلى الجانب، تقبع حافلة نقل مدرسي أمريكية مهملة، مازالت تحمل صفائح ترقيم ولاية فرجينيا، حولها الصبيان إلى فضاء للعب والسمر.

 

في داخل المركز، كان هنالك عبد السلام جالسا بمعية رفاقه. يبلغ هذا الشاب من العمر 21 عاما، وهو يضع قبعته بشكل معكوس، ويرتدي سروال جينز ضيقا وجاكيت جلدي أسود. وبفخر، يروي حكايته التي قادته حتى مدينة فرانكفورت بوصفه مهاجرا غير قانوني، ولذلك لا يريد أن يُذكر اسمه الكامل في هذه المادة. ويؤكد أنه لم يكن موجودا في كولون عندما حدثت الاعتداءات. «أريد أن أغادر المغرب. إن البلاد رائعة، ويوجد فيها كل شيء، لكن، إن كنت لا تملك أي شيء، فإنك ستبقى نكرة»، تلك كانت أولى كلماته.

 

الهروب من سيدي مومن

 

يتأمل عبد السلام مليا مدينته، الدار البيضاء، المكان الحضري الأكبر مساحة وتعدادا للسكان في المغرب، والأكثر غنى أيضا. هنا، يتجمع حوالي أربعة ملايين شخص، حيث لا يمل الأغنياء منهم من إظهار ما يملكون، وهم يحاولون تقليد الأثرياء الأوروبيين الذين يعيشون في باريس ولندن. إنهم يعيشون بطريقة لا تختلف عن تلك التي يعيشها أغنياء الخليج: الكثير من الاستهلاك المفرط في مظاهر البذخ والأشياء الثمينة.. سيارات غالية الثمن، ووجبات عشاء مكلفة في مطاعم فاخرة. وفي ليلة واحدة، يخسر غني واحد، بشكل سهل، ما يمكن أن يجنيه حارس سيارات أو عامل نظافة في شهر كامل. وهؤلاء الحراس والعمال هم من يأتون من مقاطعات مثل سيدي مومن. لكن عبد السلام لا يرغب في أن يصبح حارس سيارات. لقد كان يعمل سائقا كما يقول، لكنه في بداية نونبر عام 2015، عندما كانت «موجة اللاجئين» في أعلى مستوياتها، باع دراجته النارية وكلبه كي يؤدي ثمن تذكرة إلى إسطنبول. في تلك الفترة، كان يبدو لشباب سيدي مومن أن الطريق مفتوحة إلى ألمانيا، وكانوا يشاهدون الحدود المشرعة على التلفزيون، ويرون أن فرصتهم قد حانت أيضا للهرب من حياة البؤس.

 

ويتذكر بوبكر معزوز تلك الأوقات: «كان عليك أن تتعلم في بداية الأمر اللهجة السورية، ثم بعض المعلومات عن سوريا.. لقد كنا نروي نكتة في تلك الفترة تقول إن الشرطة التركية عندما توقف مغربيا وتسأله عن بلاده يجيبها بأنها المغرب، وعندما يُسأل عما يفعله هناك يجيبهم: أنا لاجئ سوري». عبد السلام يؤكد أنه لم يغير هويته المغربية على طول الطريق، وقد استغرقت الرحلة منه ثلاثة أسابيع كي يصل إلى الحدود الألمانية. «غادرت إسطنبول بواسطة حافلة إلى أزمير، ثم امتطيت قاربا مطاطيا نحو اليونان، ثم أخذت طريق البلقان في اتجاه ألمانيا». ويروي عبد السلام تفاصيل رحلته وكأنه شيخ في التسعين من عمره عايش الحربين العالميتين الأولى والثانية. «لقد عانيت كثيرا، وحدثت لي أشياء سيئة، وقد تعرضت لهجوم، وهُددت بالسلاح الناري، ونمت تحت الجسور». ولولا ابتسامته الطفولية، سيكون من الصعب تصور أن الشاب مازال صغير السن. «إذا كنت قاصرا، فإنه يحيطونك بالعناية الضرورية»، كما يقول، ثم يضيف: «لقد أخذوني إلى فندق، وسألوني ما إن كنت بحاجة إلى ثياب جديدة، وأعطوني ما كنت أحتاج إليه، لقد كانت أوقاتا سعيدة»، يتذكر عبد السلام. «بصدق، لقد كان الألمان يهتمون بي كثيرا. وقد كنت أذهب إلى المدرسة بشكل يومي، وألعب كرة القدم، وقد أعطوني أحذية رياضية جديدة».

 

في الفايسبوك.. هو ألماني!

 

لكن، لاحقا، سيحال عبد السلام على نزل للاجئين في منطقة «روهر» حيث يوجد أشخاص من جنسيات مختلفة. ولأنه كان وحيدا هناك، ولم يكن بجانبه أي مغربي آخر، أو أي شخص يعرفه، فقد تعرض للسرقة والضرب من لدن الآخرين. فاضطر إلى أن يهرب، وشق طريقه داخل أوروبا، حيث عاش بجانب شبان مغاربة، وعمل كجامع للقارورات. «لا تحتاج إلى الكثير كي تبقى حيا في أوروبا»، كما يقول، فهو حيثما كان يحل كان يجد نفسه موضع ترحيب. «تشعر بالكرامة هناك حتى وإن لم يكن لديك أي شيء، وهذا هو ما لا تجده في المغرب». لكنه، مع ذلك، كان يعرف أن فرصه في البقاء في أوروبا باتت ضعيفة.

 

أخرج عبد السلام هاتفه من جيبه وشرع يقلب الصور، ها هي واحدة في فرانكفورت، وثانية في بروكسيل وثالثة في باريس وأخرى في ميلان. وتشكل تلك الصور، التي يريها لرفاقه وجيرانه، دليله الحاسم على تحقيقه الحلم الذي يراودهم. وبالرغم من ذلك، عاد عبد السلام إلى بلاده، وكان مضطرا إلى فعل ذلك، كما يقول، بسبب مرض والدته. وهو سبب يجعله أكثر فخرا وشعورا بالرجولة بالنسبة إليه. ولذلك السبب بالضبط، لا يوجه إليه رفاقه في سيدي مومن اللوم على عدم قدرته على البقاء في أوروبا. في صفحته على موقع «فايسبوك»، يشير إلى اسمه بـ«الألماني»، فهو لم يتخل عن حلمه بالرجوع إلى ألمانيا مرة أخرى. «إن الإحساس بالكرامة لا يقدر بثمن، والناس في ذلك العالم يعاملونك دون امتهان، وتشعر بأن لك قيمة في الحياة، بل تحس بأنك فعلا كائن إنساني. إن قطة نائمة في الشارع هناك تنعم براحة أكثر مما ينعم به الكثير من المغاربة في بلادهم».

 

الأصفاد في اليدين.. لأنه مغربي!

 

الصور الموجودة في ذاكرة هاتف عبد السلام دليل أيضا على أنه لم يكن موجودا في منطقة كولون في احتفالات نهاية العام 2015. «أنظر إلى هذه الصورة»، يشير إلي بهاتفه، وكأنه كان ينتظر مني أن أطرح عليه السؤال المتعلق بالمكان الذي قضى فيه فترة احتفالات أعياد الميلاد ثم احتفالات نهاية العام. «لقد كنت في بروكسيل». وقد أطلع الشرطة الألمانية على تلك الصورة أيضا عندما داهمت مخيم اللاجئين الذي كان يقطن به في منطقة «روهر» في شهر فبراير الماضي. «لم يسبق أن وُضعت الأصفاد في يدي حتى تلك الليلة». بعد وقوع الاعتداءات في منطقة كولون في احتفالات نهاية العام، سلمت جرة عبد السلام، لأن تلك الصورة هي التي أنقذته، فقد فتشت الشرطة هاتفه، وأخذت بصماته، وكانت «سيلفيات» بروكسيل طوق نجاته.

 

اعتداءات كولون وتداعياتها وصلت إلى سيدي مومن. ويشعر بوبكر معزوز بغضب عارم، ويقول: «أحس الناس بالعار، فالأمر، في نهاية المطاف، يتعلق بصورة بلادنا وسمعتها التي تلطخت». وينسب معزوز تلك الاعتداءات إلى «جمع من المجرمين والأشخاص الفاقدين للوعي الذين أفسدوا كل فرصهم في العيش في أوروبا، بل وجعلوا حياتهم صعبة بسبب تلك الاعتداءات». أما عبد السلام، فقد أحس بالفرق: «لم يعد بمقدورك أن تتحدث هناك إلى النساء بشكل عادي بصفتك مغربيا، حيث يبدو عليهن الخوف من أنك سوف تسرقهن أو تعتدي عليهن، وكأن المغربي كائن قادم من عالم آخر»، ثم يضيف: «قبل احتفالات نهاية عام 2015، كانت لدي علاقات ببعض النساء الألمانيات، فقد كنت ألتقيهن في مراكز التسوق، أو في الحدائق أو في مطاعم ماكدونالدز، وكنا نتحدث، وإذا أعجبت بواحدة منهن، كانت تقول لي..»، يتوقف هنيهة عن الحديث وهو يحاول أن يتذكر شيئا ما، ثم تسقط الجملة فوق رأسه: «أحبك»، يقولها باللغة الألمانية.

شارك برأيك