الشبح الهائم – اليوم 24

الشبح الهائم

  • خطوات مترنحة.. واعدة

  • علاقة صدامية

مرة أخرى أجدني في وضع غير مريح تماما. فأنا لا أستسيغ بتاتا هذا الرداء الكئيب المسمى “النقاب” أو “البرقع”، لأنه لا يوافق نظرتي إلى وضع المرأة في بلدي. في المقابل لست أميل بالمرة إلى استعمال سيف المنع للتخلص منه، لأن في ذلك مسا بواحدة من الحريات البسيطة والأساسية للمغربي (وخصوصا المغربية): حرية ارتداء ما يراه (وما تراه) مناسبا.

أعرف جيدا أن غطاء الرأس بالنسبة إلى المرأة كان دائما علامة “الخضوع”، وليس في العالم الإسلامي وحده. فالمرأة ملزمة مثلا بإخفاء شعرها عند دخول دور العبادة (سواء أكانت يهودية أو مسيحية أو مسلمة)، في إشارة واضحة إلى خضوعها الطوعي لقوة رب المكان وقدرته. كما كانت المرأة، وطيلة قرون، تغطي رأسها عند انتقالها إلى خارج البيت، في إشارة منها إلى “خضوعها” للرجل، الذي كان يمارس سلطة مطلقة على “الفضاء الخارجي”. ومازالت العديد من الفتيات (في المغرب مثلا) يسارعن إلى ارتداء غطاء الرأس ما إن يتزوجن (سواء بطلب من الزوج أو بشكل “تطوعي” منهن)، في تعبير واضح عن خضوعهن لـ”رب البيت”.

ولعل هذا ما يجعل المجتمع المغربي (والإسلامي عموما) “يتسامح” إلى حد ما مع المرأة أو الفتاة التي تتحرك في الفضاء الخارجي- الذي مازال حكرا على الذكر بشكل كبير- وهي ترتدي غطاء الرأس، بينما يميل إلى التعامل بقسوة (تحرش.. نعوت قدحية)، مع المرأة أو الفتاة التي تقتحم هذا الفضاء سافرة الرأس، لأنه يرى في هذا الأمر تحديا لسلطته.

أما النقاب الكئيب المستورد، فليس إعلانا عن الخضوع فقط، في تقديري، بل هو “إلغاء” كامل للمرأة أو الفتاة، لأنه يحولها إلى كائن بدون ملامح البتة.. إلى مجرد شبح يهيم على الأرض لا صوت ولا صورة له.

صحيح أن معظم المغربيات كن، إلى عهد قريب، يرتدين “نقابا” (النكاب) قبل مغادرة البيت، لكنه كان نقابا مغربيا شفيفا. وكان قطعا يُخضع المرأة بيد أنه لم يكن يُلغيها كليا. بل ربما كان يمثل، لسنوات طويلة، حلا وسطا بالنسبة إلى المجتمع المغربي المحافظ.

فما لا يعرفه كثيرون أن الجلباب كان في الأصل لباسا ذكوريا، وقد استطاعت المرأة انتزاعه من الرجل في العقود الأولى من القرن العشرين حتى يكون بمقدورها اقتحام الفضاء الخارجي، وحتى لا يفرط هذا المجتمع المحافظ في رد فعله العنيف، تم الاحتفاظ بهذا النقاب تعبيرا عن استمرار خضوعها، ولكن ليس إلغاءها بالمرة وتحويلها إلى شبح.

فكيف يمكننا انتشال المرأة من وضعية “الشبح” دون المساس بحرية الملبس؟ كيف يمكن رفع “الإلغاء” عن المرأة دون السقوط في إلغاء حقها في اختيار ما تراه مناسبا لها ويعبر عنها؟ هذا هو السؤال.

شارك برأيك