منسوب الفرح الجماعي – اليوم 24

منسوب الفرح الجماعي

  • الصدى والأثر

  • ملوك الصدى

مرة أخرى نزل المغاربة إلى الشارع للاحتفال بفوز المنتخب المغربي لكرة القدم على نظيره الإيفواري، والتأهل إلى ربع نهاية كأس إفريقيا. وراحوا يهللون للإنجاز المنتظر منذ دورة 2004 بتونس، التي كانت آخر مرة يتجاوز فيها المنتخب المغربي الدور الأول. بل وأخذ كثيرون يرون الكأس الإفريقية في متناول اليد بعد مرور أكثر من أربعة عقود على اللقب اليتيم للكرة المغربية في مسابقة “الكان”. والحال أنني أكاد أجزم أن كل المغاربة، سواء تعلق الأمر بالشغوفين والمتتبعين لكرة القدم أو الذين لا يفقهون في أمورها شيئا، كانوا يُجمعون، قبل بداية المنافسات في الغابون وإلى عشية لقاء الطوغو، على أن الخيبة ستكون مرة أخرى من نصيب منتخبهم الكروي لا محالة، وأن الطائرة التي أقلتهم إلى “أوييم” لم تُوقف محركاتها لأن الربان يعلم أنه سيعيد أعضاء البعثة المغربية إلى الدار البيضاء مباشرة بعد نهاية اللقاء الثالث والأخير في مجموعته.

فلماذا قفز المغاربة من أقصى حالات التشاؤم إلى قمة التفاؤل؟.. وكيف يمكنه الانتقال من انعدام الثقة الكلي في إمكان تجاوز هؤلاء اللاعبين الدور الأول، إلى اعتبارهم قادرين كل القدرة على اعتلاء أعلى المراتب في سلم الكرة الإفريقية؟

في تقديري يمكن اقتراح تفسيرين اثنين لهذه الحالة غير العادية التي تنتابنا جميعا:

أولا، يعاني الكائن المغربي من انخفاض كبير في منسوب الفرح الجماعي الذي يختلف عن كل أنواع الفرح الأخرى، لأنه يحسس المرء بالانتماء إلى مشروع جماعي، ينافس على المراتب العليا بين المشاريع الجماعية الأخرى. لقد صارت الرياضة عموما، وكرة القدم خصوصا، مقياسا حاسما في هذا التنافس بين المشاريع الأممية قاريا وعالميا.

فأي تفوق كروي أو رياضي عموما، مهما كان محليا وإقليميا، يرفع عن هذا الكائن المغربي، ولو لفترة قصيرة، ذلك الإحساس بالضآلة الذي يلازمه وهو يتعرض دوما لشطط ديكتاتورية المقارنة بين المشروع الجماعي الذي ينتمي إليه، والمشاريع الأممية الأخرى. ويسعفه بعد ذلك في تخفيف حدة الألم، كلما اشتدت وطأة تلك الضآلة. ولعل هذا واحد من العناصر التي تفسر إصرار المغاربة على تذكر ما جرى في كأس العالم لسنة 1986، لما نجح المنتخب المغربي في تجاوز الدور الأول، أو تذكر أن منتخب 1970 تفوق لفترة من الزمن على ألمانيا…

ثانيا: هذا الانتقال المثير والمفاجئ من أقصى حالات التشاؤم إلى أعلى حالات التفاؤل.. من الإحساس الغامر بالعجز التام تقريبا، إلى الشعور بالقدرة على فعل كل شي، يرتبط، في تقديري، بعدم اكتمال فردانية الكائن المغربي. فالفرد الكامل هو وحده القادر على تحديد التقييم المعقول و”الموضوعي” لقدرات المشروع الجماعي الذي ينتمي إليه لأن يكون مساهما في بنائه، وبالتالي لا يفرط في التشاؤم، ولا يغالي في تقديراته المتفائلة.

وبما أني أعي أنني كائن مغربي مازال يسعى إلى اكتمال فردانيته، فإني لا أمانع هذه المرة في أن تَتَغلغَلَ فِيّ المغالاة في التفاؤل، لعلي أبلغ قمة فرحي الجماعي.

شارك برأيك