تتحدث في السياسة والناس تعاني؟! – اليوم 24

تتحدث في السياسة والناس تعاني؟!

  • لماذا يخفق كل ما هو رسمي..؟

  • إعلام لازال قريبا من نبض الناس..

يحلو للبعض اعتلاء منابر الخطابة والكتابة، وإطلاق سرديات تدعي إعلاء آلام الشعب وأنينه فوق أي حديث سواه، متكلفين لغة جذابة المظهر فارغة من كل حياة، مثل ورود البلاستيك، محشوة بصور مسروقة وقصص مختطفة من معاناة البؤساء والمعذبين في المستشفيات والسجون والإدارات والطرق الوعرة والجبال البعيدة والأرياف والقرى النائية. أشخاص يمضون في كلام حارق خارق على أحوال البلاد والعباد، مصادرين ممكنات الحديث والتعبير الأخرى، سيرا على شعار المستبدين الخالد: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، حتى يصل هؤلاء إلى الحقيقة الساطعة الجازمة: وهي أن كل حديث لم يتشبه بحديثهم ويتلبس به ويُشاكله ويذوب فيه في كل وقت وحين، كلام فارغ وتظاهر وتمثيل وإلهاء لجمهور القارئين والسامعين بأي كلام، أما إن زاد عن هذا الحد حبة، و”ترك” معاناة الناس وتحدث في السياسة، فيصير قاصرا عن كل وصف..

رفع معاناة الناس ونقل معاركهم المُرّة مع الحياة هو ما تفعله الصحافة، خبرا وتعليقا، دون أن يعني ذلك إغلاق باب الحديث في السياسة وعوالمها، بدعوى أن “اللعبة معروفة” و”النهايات مكشوفة”، إلى حد نجد أنفسنا نمارس، من حيث لا نشعر، تعتيما (Blackout) إعلاميا على أكبر الثقوب التي يدخل منها البرد والقطرة والفساد، وتمارس فيها شتى أنواع اليانصيب الوطني! حجتنا في ذلك أن الكتابة عن غير معاناة الشعب المستمرة، مع البنيات الهشة والأمطار والمستشفيات، ترف وغباء، متغاضين عن حال الترابط بين المسألتين.

فكما لا يعني أن ندخل زميلا المحكمة لأنه اختار، مثلا، كتابة موضوع عن حال الثقافة المتردي في البلاد بتهمة الكتابة عن الثقافة، فيما الناس لا تفك الحرف أصلا ولا تملك ما تسد به جوعها حتى تقول “للراس غني”! متوسلين بمغالطات يائسة وسخرية بئيسة لـ”إدانته” وربح نقاط رخيصة على ظهره، كذلك لا يعني أننا حين نتابع تعليق إرادة الناخبين على الحبل لأشهر طويلة، لتجف و”تكشف”، بعد “تصبينة” 7 أكتوبر التي أفقدت ألوانا كثيرة جاذبيتها، لا نكترث بباقي هموم الناس أو لا نكتب إلا في السياسة دائما أبدا (بل ربما العكس).

شخصيا أرى أن هذا العالم المتحمس بقوة للسياسة سينتهي به المطاف إلى اكتشاف أنها أصغر مداخل التغيير، لكن أرى أيضا أنها، للأسف الآن، وبما تمتلكه من “أسلحة دمار شامل”، مثل قدرتها على تمرير قوانين وتعديلها، والحذف منها والزيادة فيها، حسب مقاسات ليست في غالب الأمر ديمقراطية، تحتاج إلى رقابة أكبر وتتبع لصيق، خصوصا في ظل ما يتميز به أبطالها من قدرة فائقة على الجمع بين عدة مسؤوليات ومناصب تختلط فيها السياسة بالعقار والتجارة بمقالع الرمال وتهريب الأموال بالصيد في أعالي البحار.

الصحافة مرآة للمجتمع، ويوميا تثير انشغالاته وتغطي أحواله، ومن ضمنها أحواله السياسية، التي تتدخل، بدورها، في تحديد كم الوجع الذي يلاقيه المواطن في هذا المجال أو ذاك، وإلا ما كانت هناك حاجة إلى المطالبة بإلغاء فصول قانون، أو تدقيق أخرى، أو ترخيص مهنة معينة أو تقنين غيرها، عبر قناة اسمها السياسة، قناة تمس كافة هؤلاء المغاربة الذين نحمل همهم.

إن تتبع السلوك السياسي للأحزاب في تفاعلها مع اشتراطات الدولة العميقة، ثم اللوبيات والمتنفذين، يتيح بناء معرفة أدق عن حالة السياسة الهجينة التي تعيشها البلاد، ننتج عبرها معرفة مضادة تعرّي الأطراف الثلاثة أمام الناس، على قدر تورط كل طرف منها في تكريس تلك الحالة، تواطؤا أو إذعانا أو تزلفا، أو تحايلا أو طمعا أو تملقا..إلخ. دون قصر النظر بخصوص هذا المجال، دون بحث عن “بطولة إعلامية”، ودون إقصاء لمن لا يشاطرنا هذا الرأي.

شارك برأيك