الغنوشي.. حديث متجدد عن التوافق – اليوم 24

الغنوشي.. حديث متجدد عن التوافق

  • عن حال النظام العربي

  • عبدالله إبراهيم في ذكرى رحيله

كلما قرأت للشيخ “راشد الغنوشي”، أو استمعت إلى محاضراته وأحاديثه، يزداد تقديري لعُمق تفكيره، وقدرته على التموقع باقتدار وسط تنازع تيارات الفكر الإسلامي، والفكر الإسلامي الحركي تحديداً..

اطلعت باهتمام كبير على عُمدة نصوصه، واستمتعت مع طلاب الدراسات العليا بتحليلها علمياً، وعَقَّب مرتين على أوراقي العلمية في ملتقيات فكرية في رحاب إحدى كليات جامعة أكسفورد وهو في الاغتراب، وشاركنا سويا في بعض المؤتمرات في المشرق العربي )الدوحة( بعد التغيير الحاصل في تونس في 14 يناير 2011.. وفي كل مرة يتجدد اللقاء به، ألمس في كلام الرجل صفاء ذهنه، وإصراره على إمساك الأمور من الوسط.. ولسان حاله يردد “التوافق أولا.. والتوافق أخيرا”.

أنصَتُ باهتمام كبير لورقته البحثية في المؤتمر العلمي لـ”مركز الأبحاث والدراسات حول اتحاد المغرب العربي”، المنعقد يومي 14 و15 مارس 2017 في العاصمة تونس ـ والذي حظيت بشرف التكريم خلاله ـ  وقد تمحورت في جوهرها حول مفهوم “التوافق” وثقافته، وكيف أن بناء التوافق في السياسة يمَكِّن من تجنب الانزلاقات التي قد تعرض أمماً ودولاً بكاملها للفتنة، وتُفضي تالياً إلى التفكك وفقدان أرصدة القوة، وبعدها الفشل والاندثار. والحقيقة أن حديث الشيخ “راشد الغنوشي”، لم يكن كلاماً في المطلق والتجريد، بل كان إجابة واضحة عن حال البلاد العربية  (الأمة( وما آلت إليه، وقد ضرب مثالاً بنجاح تونس في اختبار “التوافق”، الذي سلمت من أجله “حركة النهضة” حقها في السلطة، بوصفها القوة السياسية المتصدرة للانتخابات التشريعية التي أعقبت التغيير، ولم تتوفق في بنائه كثير من البلاد العربية، فآلت أوضاعها إلى ما آلت إليه.

في الحديث المتجدد للغنوشي إشراقات وتأملات جديرة بالاهتمام، أود اقتسامها مع القارئ الكريم في هذا العمود.

فمن هذه الإشراقات قوله: “صحيح أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، أو حكم العدد، لكنها سياسياً الديمقراطية مرتبطة بموازين القوى، أو هي، كما جاء في قوله، حكم موازين القوى”. ولذلك، لا يكفي أن يحصل حزب على أغلبية الأصوات، أو يتصدر نتائج الاقتراع كي يصبح على رأس السلطة، وممارساً فعليا لها، بل يجب أن تكون قوته الانتخابية عابرة لكل القوى الوازنة في الدولة، في الاقتصاد، والمال، والاجتماع البشري، أما إذا كانت قوته عبارة عن تجميع أصوات لمن لا قوة لهم )”الغاشي” بالتعبير العامي للمغاربة، أو العوام(، فإن ذلك لن يمكن الحزب الفائز بالقوة والاقتدار الضروريين لممارسة السلطة، وقد ضرب مثالاً عن هذا الأمر، بما حصل للرئيس المصري السابق “مرسي”، الذي ظفر بنسبة 51% في الانتخابات، دون أن تكون قاعدته التصويتية معبرة عن ميزان قوى حقيقي في المجتمع المصري، أي مجتمع الاقتصاد والمال والإعلام والنخبة العالِمة والمثقفة، والأمر نفسه حدث في الجزائر حين فازت “جبهة الإنقاذ” بأكثر من ثمانين في المائة في البلديات بداية تسعينيات القرن الماضي (1991(.

من هذه التأملات أيضا، رأيه في قضية “الاستئصال” أو “الاجتثاث” بتعبير أهل المشرق )العراق تحديدا(. فقد جاء كلامُه واضحاً وقطعياً بخصوص هذا الموضوع، حيث اعتبر أن النزعة الاستئصالية، أي الدعوة إلى استئصال حزب أو تنظيم أسقِطَ نظامه أو تمّ تقويض سلطته، بمثابة تشريع للفتنة والانقسام، وفتح الباب واسعا أمام التفكك والحروب الأهلية، وقد ثمّن عاليا عدم قدوم تونس في سياق الانتشاء بسقوط النظام إلى استصدار قانون العزل، الذي صوت البرلمان ضده بفارق صوت واحد.. ولو حصل وتمت المصادقة عليه لدخلت البلاد مدار الفتنة، وهو ما حصل في العراق، ويحصل في ليبيا، ويمارس في مصر بطرق شتى.. ولأن الغنوشي شيخ مالكي أشعري، وقارئ جيد للتراث، فقد استشهد بحِلمِ الروم وميلهم إلى الرشد عند الاختلاف.

لم يفت حديث الغنوشي التوقف ملياً عند مسألة الاختلاق، وطريقة إدارته في ثقافتنا العربية الإسلامية. ففي تحليله كثير من النقد الواضح أحياناً، والمبطن أحيانا أخرى. لذلك، تراه يشدد على الحرية ويُكثر في الحديث عنها، ويشير إلى الحوار وفضائله، ويدعو دون هوادة إلى الإجماع، الذي يعني عنده أعلى درجات التوافق.. فالاختلاف عنده يُدار بالحوار وليس بالسيف.. والديمقراطية مناطها الحوار وليس قوة السيف.. هذا هو الغنوشي، الذي كلما استمعت إليه يزداد احترامي لاقتداره وعمق تفكيره، وإن كنت بعيداً كل البعد عن دائرة انتسابه الفكري والسياسي.

شارك برأيك

الغالي

رائع خلاصات هذا اللقاء تتجول في الوتساب وهو امر مثير للاعجاب ان يشهد هذا الفكر التوافقي الانتشار والقبول عند النخبة الاكاديمية وعند العامة.

إضافة رد