صديقتي الداعشية – اليوم 24

صديقتي الداعشية

  • الأحزاب تخلت عن البرشوك وأصبحت إسفنجة

  • “العبودية المختارة” لشباب الأحزاب

قبل حوالي ثلاث سنوات غادرت إلى العراق، ثم سوريا للالتحاق بـ”الدولة الإسلامية”. كان ذلك، طبعا، أمام أعين السلطات الأمنية التي رصدت لمراقبتها سيارةً، ظلت مرابطة ليلَ نهارَ، أمام بيتها بحي “Gauthier” الراقي بقلب الدار البيضاء، حتى أن “سكان” السيارة الذين كانت تنادي الواحد منهم بالحاج، فيبادلها صيغة التخاطب نفسها (الحاجة) التي ورثتها عن مرحلة اعتقالها رفقة طفلها إلياس في تمارة، أصبحوا أصدقاء لها ولطفلها، من فرط التصاقهم بهما في السكون وفي الحركة، فكان يحدث أن “تُسخِّر” أحدهم فيستجيب. وقد حكت لي يوما وأنا في بيتها الذي كانت تستضيف فيه، يومئذ، سيدة قروية في مرحلة متقدمة من المرض، كيف أنها كلفت أحد الحجاج بأداء تسعيرة دخول المستشفى بعدما صادفت اكتظاظا على الشباك، فاستجاب دون تردد، فيما هي تستفزه عن قصد: “وخلص التيكي من عندك وخوذ شوية ديال الأجر فهاذ السيدة المريضة”، وهو يجيب مطأطأ الرأس من حرج: “ما معاياش أ الحاجة”.

هي حكايات تستحق أن تُروى، وتلكم كانت صديقتي الداعشية، فتيحة حسني المجاطي، “أم آدم”، التي لا أعرف ماذا فعل القدر بها، بعدما انقطعت أخبارها عني، هي التي كانت الجرائد والمواقع وقنوات “اليوتوب” تضج بتفاصيل تحركاتها وأصداء تصريحاتها المتطرفة وقصائدها التي تهدر بالسيوف والبنادق وتنِزُّ بالدم وتُبشّر بعالم وردي تعلوه، للمفارقة، الأعلام والعمائم والعباءات السوداء.

مناسبتان اثنتان ذكرتاني بفتيحة المجاطي، الأولى هي ذكرى “8 مارس” التي ودعناها قبل أيام، والتي تهُب عليَّ دائما محمّلة بنساء استثنائيات بمن فيهن اللواتي يكفرن بعيد النساء هذا، وضمنهن يساريات وإسلاميات. والثانية هي بداية تفكك “الدولة الإسلامية” التي كتبت صديقتي فتيحة، حالَ وصولها إليها، على توتير: “الحمد والشكر لله الذي منّ عليّ بالهجرة في سبيله.. سلامي ودعائي من أمام المحكمة الإسلامية بجرابلس العز بأرض الشام المباركة”. وكان ذلك آخر ما كتبت وكُتب عنها.

تذكرت فتيحة في هاتين المناسبتين لأنها ناضلت طويلا، في أواخر أيامها بالمغرب على حق مشروع، قانونا وشرعا، وهو الزواج من رجل ارتضته لنفسها وارتضاها، وهو في السجن، لكن السلطات رفضت توثيق زواجهما، وقد سُجِّل على الحركتين النسائية والحقوقية، اللتين طالما آزرتاها باعترافها هي، أنهما لم تسانداها في هذا الموضوع. تذكرت ذلك وأنا أتساءل: “تُرى لو ارتبطت فتيحة بزوج في المغرب، وفي السجن بالتحديد، أكانت ستتركه وتهرول نحو دولة البغدادي”؟

تذكرت فتيحة أيضا، ودولة البغدادي تنهار على من فيها ومن ليس فيها، وأنا أستعيد يوم أخبرتها بحضور ابنها إلياس بأنني أتوق للسفر إلى أفغانستان لإنجاز روبورطاج على من بقي من مغاربة كونوا أسرا واستقروا هناك، وكيف ضرب إلياس كفا بكف ضاحكا، وهو يقول لي: “عافاك أ سليمان.. إذا كنتي غادي خذ أمي معاك.. راها غادي تحماق ترجع لأفغانستان”.

قبل أيام التقيت الصديق العزيز محمد عبدالوهاب رفيقي (أبو حفص) وقلت له ممازحا: “دولة البغدادي منهارة لا محالة، لسبب بسيط هو أنه لم يُعين فتيحة المجاطي وزيرة للإعلام أو للخارجية فيها”. وقبل أن يستفسر أبو حفص عن هذا الربط المتعسف، أردفت: “هل يتوفر البغدادي على رجل أو امرأة بثقافة وبلاغة فتيحة التي تتقن الفرنسية والإنجليزية، فضلا عن العربية، ولها ثقافة قانونية مهمة، وتجربة إنسانية تمتد من قعر أصول والدة زوجها الفرنسية إلى مجالس أسامة بن لادن في أفغانستان”؟ قال: “لا أعتقد”. قلت: “انتهى”.

شارك برأيك

سلمى

الله يطليك بيها

إضافة رد