حديث الأخلاق في السياسة – اليوم 24

حديث الأخلاق في السياسة

  • حكومة فرنسية على المقاس

  • الديمقراطية بالقانون

عقد مجلسُ الحكومة اجتماعَه الأول برئاسة السيد سعد الدين العثماني يوم الاثنين 17 أبريل 2017، ليُدشن تجربة الحكومة المنبثقة عن اقتراع 07 أكتوبر الماضي، ويُعلن بذلك انطلاق تحالف تأخر شهوراً لإدراكه، وتوزيع جديد للحقائب الوزارية لم يكن وارداً حصوله. وبلغة هادئة وواضحة خاطب رئيس الحكومة أعضاء فريقه، وبسط أمامهم المبادئ العامة للمنهجية التي يتوق من الحكومة السير على هديها خلال ولايتها الدستورية، كما بين الخطوط العريضة للاستراتيجية المنتظر اعتمادها، لاستئناف الإصلاحات أو الشروع في إصلاحات جديدة.

ما يهمني في هذا العمود محاولة فهم الجوهر الناظم لكلمة رئيس الحكومة، أكثر من أي شيء آخر. فكما هو معروف اللغة حمّالة مضامين، ورسائل، وقيم، ولعل ما شدّ انتباهي في الكلمة الافتتاحية لاجتماع مجلس الحكومة، ذلك التداخل الواضح بين الأخلاق والسياسة، وتلك الكلمات المستعملة من قبل رئيس الحكومة، وهو يتحدث عما يمكن اعتباره ميثاقا موجّها لعمل الحكومة في المقبل من السنوات.. فقد انتقت مفردات أكثر تعبيرا وأعمق دلالة عما يجب أن يكون عليه العمل الحكومي في مغرب اليوم، والحقيقة أن المستمِع لكلامه لتُبهره الكلمات، ويُسحره رنين نُبلها، وطيب معناها.. إنها كلمات قوية وثقيلة في الميزان، ولا يوجد على الإطلاق من لا ينشدُّ إليها، ويتوق إلى ملامستها ممارسة وتطبيقا في الواقع.

نصح السيد رئيس الحكومة أعضاء فريقه بـ”الاشتغال بصدق وأمانة وبمسؤولية سياسية وبنضالية وبإنصات وبقرب من المواطنين للاستجابة إلى التطلعات والانتظارات..”، وشدد على ضرورة اعتماد التشارك في معالجة قضايا الناس وشؤونهم، والانفتاح الواسع على المجتمع المدني بكامل مكوناته وتعبيراته، والعمل سوياً على التعاطي مع الملفات والمشاكل المطروحة. كما نال مفهوم “الديمقراطية التشاركية اهتماماً خاصاً في خطابه الافتتاحي.. إنها مصفوفة من الكلمات والمفردات ذات الحمولة الأخلاقية والقيمية.. فما هي دلالتها في نص هذا الخطاب؟ وهل يُفهم من ذلك أنها كانت مفقودة من قبل، أي خلال الحكومة السابقة وهناك دعوة إلى التحلي بها واعتمادها منهجاً، أو على الأقل مبادئ استرشادية في الحكومة الحالية؟ وإذا كان هذا السؤال سليماً، فما قيمة التذكير بها طالما أن مكونات الحكومة الحالية، أي الأطراف الحزبية والسياسية تكاد تكون هي نفسها التي قادت الحكومة السابقة؟ لذلك، يبدو أن رئيس الحكومة وظف كلمات ومفردات ذات حمولة أخلاقية في مجال لا يتسع صدره كثيرا للأخلاق، أي السياسة بحسبها مجالاً لتضارب المصالح، وإطاراً للتوافق على إيجاد حلول لتنازع المصالح. لنمعن النظر في فكرة العمل على قاعدة التضامن والانسجام بين أعضاء الحكومة، وعلى أساس المسؤولية السياسية الجماعية والتضامنية. فهل يمكن لهذه القاعدة والأساس أن يتحققا في حكومة متعددة المشارب، متباعدة المراجع، وجزء من أعضائها لا انتساب حزبي وسياسي لهم؟ ثم إن الصدق والأمانة في العمل السياسي محكومان بمقتضيات السياسة ولوازمها قبل أن تضبطهما الأخلاق، أي إن ضامن فعالية العضو الحكومي أو الحكومة ككل، وحامي صدق وأمانة أعضائها هي مؤسسات المساءلة والمحاسبة قبل أي وازع آخر، بما فيه الوازع الأخلاقي. ثم إن المتأمل في تركيبة الحكومة لتُفزعه المفارقات المميزة لها، وقد تدفع به إلى التشكيك في قدرة أعضائها على العمل بتناغم وانسجام ومسؤولية جماعية.. فقد تمّ توزيع موضوع واحد على أكثر من وزارة أو وزارة منتدبة أو كتابة دولة، وأحيانا تحت مسؤولية أعضاء متعددي الانتماءات الحزبية والسياسية. لذلك، يبدو الحديث الجميل للسيد رئيس الحكومة في افتتاح أول مجلس الحكومة، يدخل ضمن ما ينبغي أن يكون، أي المتمنيات التي قد تثلجُ القلوب، دون أن تقنع الوعيَ، وتشحذ الهمم وتُذكيها من أجل استرجاع ثقتها في المستقبل وما يراهن عليه، ويتوق إلى تحقيقه خلاله.. وفي كل الأحوال، وحتى لا يغلق المرء باب الأمل، نقول: “تفاءلوا بالخير تجدوه”.

شارك برأيك