في مدح الخرق – اليوم 24

في مدح الخرق

  • من يملك سلطة الحياة؟

  • لوهافر.. باريس وروح المقاولة

في هذه الأوقات التي تغلب عليها التغييرات السياسية، والمفاجآت الإيديولوجية، والقطائع الجمالية، وديكتاتورية الفورية، والانتصارات الزائلة والأمجاد عديمة الفائدة، حان الوقت لنفهم أن منبع النجاحات الحقيقية، والتقدمات الملموسة، والحيوات النافعة يظل نفسه من فجر الزمن: إحداث الخروقات والتجاوزات.
فغالبا ما ينغلق كل واحد منا داخل حدود غير مرئية وتحكم حياتنا وتحدد تصوراتنا للنجاح والسعادة.. حدود تحكم على كل تقدم، كل نجاح، كل جديد، بأن يكون مجرد مظهر، مجرد تكرار لا تشوبه سوى تحولات تافهة.
تكون هذه الحدود عقلانية لما ينغلق الباحثون داخل براديغم علمي محكم؛ وهي جمالية لما لا تعترف بالأعمال الفنية إلا لما تحترم بعض القواعد المكرسة؛ وهي اجتماعية لما تفرض على الناس ألا يختلطوا، ألا يتحدثوا، ألا يشتغلوا، ألا يربطوا علاقات سوى مع من ينتمون إلى الوسط نفسه أو لهم الأصول نفسها؛ وهي سياسية لما تحظر على المرء القيام بما يمنعه الحس العام للمرحلة.
إن خرق هذه القواعد هو الذي يفضي إلى تقدم المجتمعات، والمعرفة والفن. وبخرقها نكتشف، كذلك، من نحن حقا، لأن هويتنا لا تتحدد بالمعايير المهيمنة، إلا إذا استسلمنا وقبلنا أن نكون مجرد نسخة من الآخر، جبنا أو كسلا.
هكذا يتقدم التاريخ: الخرق هو إبراهيم الذي غادر أسرة والده، هو القيصر الذي عبر نهر “الروبيكون” (بشمال إيطاليا)، هو جيوردانو برونو الذي رفض الإقرار بوحدة النظام الشمسي، هو بونبارت الذي قرر دخول مصر، هو كلود موني الذي حاول القبض على الانطباعات في رسومه، هو ألبرت إنشتاين الذي رفض الاكتفاء بالقوانين الكهرو مغناطيسية، هو أرنولد شونبرغ الذي رفض قواعد الموسيقى النغمية، هو خوان غري الذي تحدى قواعد التشكيل الرمزي، هو جيمس جويس الذي طوح بقواعد الكتابة الروائية، هو دوغول الذي رفض وثيقة الاستسلام لسنة 1940، هو غورباتشيف الذي قرر تطبيق “البريسترويكا”. وهناك أخرون مشهورون أو مغمورون أقدموا على خرق وتجاوز مختلف القواعد العلمية والفنية والسياسية والاجتماعية للمساهمة في دفع العالم قدما. الشيء نفسه يُقال عن الذين يخرقون المعايير الاجتماعية للدفع بالديمقراطية إلى الأمام، أو الذين يخرقون المعايير الأسرية لتمكين النساء من الحرية وجعل الزيجات غير المرتبة مسبقا ممكنة، وكذلك الطلاق وزواج المثليين.
إن الإقدام على الخرق يفترض أولا، التحلي بالشجاعة اللازمة لقول “لا” لما هو مهيأ من طرف الآخرين لنا؛ قول “لا” للمهنية التي يعدك لها الأبوان، “لا” للتوجه الذي تفرضه عليك المدرسة، “لا” للمهارات التي يريدون منك امتلاكها، “لا” للأسرة التي يريدون فرضها عليك، “لا” للتصور السياسي الذي يريدون أن يفرضوا عليك المشاركة فيه، “لا” للمكان الذي يريدون منك العيش فيه.
إن الإقدام على الخرق يعني رفض الروتين، والعادات، والقواعد الأخلاقية، ونماذج النجاح، ونماذج الحياة القائمة، والمعايير الاجتماعية، والجمالية والذهنية والدينية.
رغم أن مدح الخرق ليس هو مدح الخروج على القانون، فإنه يتطلب رفض ما يفرضه عليك المجتمع، التخلص من المعايير اللا أخلاقية، مثلا تلك القواعد التي تعتبر الديكتاتورية وخرق حقوق الإنسان والعبودية أو تشغيل الأطفال أمورا طبيعية. إن الخرق يعني العمل على تقدم الحرية ورفض الإقرار بالمستحيل. والحال أنه لما نعثر على ذواتنا، إذاك فقط نكون نافعين لغيرنا.
ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك برأيك