العدالة المجالية – اليوم 24

العدالة المجالية

  • العنف في الجامعة

  • الثورة الهادئة في فرنسا

أصبح مصطلحُ “عدالة” الكلمة السحرية الأكثر تداولا وجاذبية في السنين الأخيرة، على الأقل في التداول المغربي، والعربي عُموما، ولفرط استعماله وتوظيفه، طال مجالات السياسة، والاقتصاد، والاجتماع البشري، ودخل معجم التنظيم الإداري والترابي، كحديثنا في هذا العمود عن “العدالة المجالية”، أي التوزيع المتوازن والمتكافئ للتقسيم الترابي، والاستثمار والاستفادة المتوازنة مما يختزن من ثروات طبيعية وطاقات بشرية. والواقع، أن ضعف العدالة المجالية، الناجم عن الاختلالات الترابية يكاد يكون سمة عامة في العديد من البلدان. فالطبيعة خلقت مجالات غير متكافئة من حيث الأوزان، وأقامت تلقائيا تمايزات بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، نجد هذا في إيطاليا، وفي إسبانيا، وفي دول أوروبية وغربية كثيرة، وتصدم أعيننا في بلادنا العربية، ومنها المغرب. بيد أن الفرق بيننا وبين غيرنا من دول أوروبا والغرب عموما، أن تجارب التنمية عندهم تمكنت، إلى حد بعيد، من ردم الفجوات المجالية، وإعادة صياغة علاقة جديدة بين المناطق والجهات، ابتداءً من حسن وضع التشريعات والقوانين ذات العلاقة بتنظيم المجال والتقسيم الترابي، ومرورا بصناعة سياسات عمومية مؤسسة على المشاركة المواطِنة، بواسطة مؤسسات حقيقية وفعالة للوساطة والتمثيلية، وعبر التفعيل الجدي لآليات المتابعة والمساءلة والمحاسبة. ومع ذلك، ظلت حركات الاحتجاج قائمة، ويقظة من حيث النقد والاعتراض والمطالبة بعدالة مجالية أوسع وأعمق.
يشكل “تقرير الخمسينية” ) 2006(، في تقديري، وثيقة مرجعية ذات قيمة عالية عند التفكير في إعادة بناء المجال الترابي في المغرب. فهو تقرير من صُنع كفاءات مغربية ذات آفاق ومشارب متنوعة، وقد توفرت في إعداده كل مقومات الوثائق العلمية والمرجعية الرصينة. لذلك، حقَّ قولُه من أن “الجهوية خيار مستقبلي” بامتياز، وبواسطتها، وفي نطاقها، يستطيع المغرب القطع مع نموذج تنموي ويرتقي إلى آخر أكثر فعالية، ونجاعة، وعدالة بين أبنائه. غير أن التقرير اشترط لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي توفير الشروط المفضية إليه، لا النابذة والمعرقلة لتحقيقه، ومنها تحديدا العمل الدءوب والجاد على تحويل الجهة إلى “فضاء للتعبير والتمثيلية السياسية، ومحيط مؤهل لقيادة سياسات عمومية منسقة ومندمجة”. ثم إن أهمية التقرير وقوة ما ورد فيه، أنه لم ينجح في التشخيص فحسب، بل امتلك رؤية واضحة لتجاوز أعطاب خمسين سنة من التنمية المُعاقة في المغرب. لذلك، كان تحليله لخيار الجهوية وإمكانيات تحقيقه مرتهنا بحزمة من الاشتراطات، في مقدمتها اشتراط الحكامة العمومية، التي اعتبرها “لازِمة إجرائية للتجديد السياسي”، وشرطا ضروريا لكي ينخرط المغرب في نهج تنمية مستدامة، وذات مستوى جيد..”، والأبلغ والأوضح من هذا، شدد التقرير على أنه يتعين على “المغرب خلال العقدين المقبلين أن يدير ظهره نهائيا لظواهر الرشوة وسوء تسيير الموارد العمومية، وأن يجعل من الحركية والمحاسبة والشفافية والتقييم قيماً عادية في تدبير الشأن العام”.
ودلت الإحالة على تقرير الخمسينية لفهم عمق ما يجري في ربوع بلدنا، وإن خطفت منطقة الأضواء أكثر من غيرها من المناطق، أي تحديدا مدينة الحسيمة وأحوازها، وهي جزء مما يسمى جغرافيا ومجاليا “الريف”. أما تقديري لأهمية هذا التقرير فتنبع من اعتبارين اثنين، يتعلق الأول بكون التقرير إلى جانب “هيئة الإنصاف والمصالحة”، أبرز الإنجازات التي شهدها المغرب ما بعد انتقال العرش صيف 1999، بل إن دستور 2011 نفسه جاء ليكرس روح هذين الحدثين، اللذين أريد منهما تدشين تاريخ جديد في المغرب، هو دون شك “تاريخ مصالحة المغاربة، كل المغاربة مع ذاتهم الجمعية، والتطلع إلى المستقبل، تطلع الكافة لأن يكون مستقبل التكافؤ في الفرص والإمكانيات”. أما الاعتبار الثاني الحافِز لي، فهو أن الوثيقتين معاً تمت صياغتهما بإرادة مغربية من أجل إقامة القطيعة مع الماضي، والإرادة المغربية هنا تعني إرادة المغاربة كل المغاربة مع ملكهم، وبملكهم. لذلك، حين يحتج جزء من المغاربة في الشمال، أو حين يمتد الغضب إلى كل ربوع المغرب، فمعناه أن روح الوثيقتين، أي الجهوية وهي المستقبل، والمصالحة، وهي القطع مع الماضي من أجل بناء المستقبل، مازالت لم تجد طريقها، وأن هناك حلقة أو حلقات مفقودة يجب الاعتكاف عليها لفهمها، والقطع معها.. إنها الحلقات التي نبه إليها تقرير الخمسينية، وأوصى بعدم تكرار تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة.

شارك برأيك