حراك الريف وممكنات التغيير – اليوم 24

حراك الريف وممكنات التغيير

  • حكومة العثماني: “ريجيم” قاس

كثيرون يسألون: هل هناك “حالة تناسب” بين مطالب “حراك الريف” ورد فعل الدولة على هذه الاحتجاجات؟

وكثيرون يستفسرون: هل ضاق صدر السلطات عن استيعاب لحظة مطلبية بكل الكياسة المفروضة والتعقل الواجب؟

وغيرهم يسألون كذلك: ما مبررات هذا التوجه نحو الضرب بيد من حديد وممارسة “التأديب الجماعي” في حق جزء من الشعب احتج على امتداد شهور طويلة في سلمية وهدوء، وتحت سقف المطالب الاجتماعية؟

ثقافة المنح وثقافة المطالب

الأكيد أن خللا ما أدى إلى ما وصلنا إليه. في تقدير البعض هذه الحالة من التشنج “نتيجة حتمية” مترتبة عن طبيعة النظام السياسي المنغلق الذي لا يقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، خاصة إن كان يعيش “حالة استرخاء” و”فائض ثقة” أعقبا الشعور بـ”النجاح” في اجتياز الامتحانات، وهنا نقصد لحظة “الربيع العربي” وامتداده المغربي ممثلا في “حركة 20 فبراير”، اللذين مارسا ضغطا تأسس عليهما رهان سياسي، أو في الحقيقة: “شبح” رهان سياسي سرعان ما تبدّد.

إن الجواب الأمني على مطالب اجتماعية ليس مستجدا في المغرب، فطبيعة النظام ترسّخت على شرط “المنْح” لا على إمكانية “الرضوخ” للمطالب الشعبية، وإن كانت سلمية.. وهنا كثير من الالتباس والتراكم التاريخي والتكلّس والحدّة، المفضية إلى الغلط في تقدير المواقف.

النظام السياسي المغربي القريب إلى “السلطنة”، والأبعد عن التحديث في عمقه، يجد نفسه في “ثقافة المنح”/الريع في التعامل مع “الرعايا”، ويتحسّس من خطاب “المواطنين” والشعارات المطالبة بـ”الكرامة”.. ويسعى لاستدامة “اليد العليا” للحاكم/الحاكمين، في مقابل “اليد السفلى” للرعايا، فيما يشبه (أول قل هو) المنّ، الذي لا يقابله إلا “الأذى” في حق من سعى إلى كسر هذه “القاعدة” في بناء العلاقة المركّبة بين السلطة، بمعناها الشامل، والرعايا.

المواطنون الطامحون إلى الخروج من وضعية “الرعايا” يختارون الشارع، من ضمن ما يختارون، لإيصال الرسالة إلى الدولة، التي تبقى تقليدانية في الحالة المغربية، بل في حالة حساسية مفرطة اتجاه الاحتجاج، ومن هنا منشأ السؤال الأول عن مدى التناسب في الفعل ورد الفعل.

إن أحد أوجه الجواب هو التأمل في البنية الدقيقة للنظام السياسي الذي يعتقد أن من خرج للشارع إنما “يغمز” للدولة من جهة المطالب، ويمارس “تقية” لمسعى سياسي يخلخل البنى السائدة. ومباشرة تشتغل آلة مدرّبة ومتمرّسة بالوشاية والكيد، و”متأصّلة” على العنف، والهدف واحد: وقف أي حراك أو مسار غير متحكّم فيه، وتأبيد سلطة “اليد العليا” و”ثقافة المنح”، وإجهاض أي سلوك احتجاجي يؤسس لدولة المواطنة في مقابل “سلطنة الرعايا”.

 

قول في الريف

وفي ما يتصل بـ”حراك الريف”، يلاحظ أننا انتقلنا، بسرعة، إلى الحديث عن التخوين والتهويل في مواجهة مطالب المواطنين. وهو على كل حال، أسلوب دارج يمتح من محْبرة أمنية استخباراتية، ويهدف لتحقيق مرام كثيرة، من بينها محاصرة المطالب (الخوف من التمدد على شكل “بقعة الزيت” إلى مناطق أخرى)، وشيطنة المطالب والمطالبين، ومنح الذريعة لممارسة “العنف”.

ودوما كانت هناك قنوات لتصريف هذا “التهويل”، لكن اللافت أن من أطلق هذه “الموجة العالية” من التخوين هي الحكومة، ليس فقط ببوق جهاز داخلها/فوقها، هو الداخلية، وإنما استعمل هذه المرة مكبرات صوت أكثر إسماعا، ووظف “كومبارس سياسي” أمام الكاميرات لإطلاق اتهامات خطيرة.. وما اجتماع وزير الداخلية بمكونات الحكومة، بمن فيهم رئيسها، إلا رجع صدى لتقارير أمنية ابتلعها السياسي وأطلق كلاما ثقيلا، مأخوذا بالحماسة مما سمع من كلام “المطابخ الأمنية”، وتحت أضواء الكاميرات.

ربما كان القصد من الكلام هو القطع مع الحوار. لا شيء يبرر كل تلك العدوانية في خطاب السياسيين عقب اجتماعهم مع وزير الداخلية. وإلا فلا تناسب ولا اتساق بين أن تمارس التخوين وتتهم بالعمالة للخارج، ثم تمدّ اليد للحوار.

كان القصد، لربما، ومنذ البداية، الذهاب إلى المقاربة الأمنية، لأنها الرد الأنسب من “ثقافة السلطنة” على “حراك اجتماعي واعد” يطالب من منطلق “المواطنة”، ولا يطلب “المنْح” بانتظارية “الرعايا”.. مضافا إليه الكثير من التشكك في الدولة اتجاه منطقة ليست، باعتبار دروس التاريخ، على ودّ دائم مع سلطة المركز.

إن الخشية من “تمدد بقعة الزيت”، في ظل تردّ اجتماعي وسياسي وحقوقي عام، قد يكون أحد الهواجس التي تحكّمت في الأداء العام للسلطة في تعاملها مع “حراك الريف”.

لنراجع الأشهر الماضية ونقرأ في بنية الحركات الاجتماعية وجغرافيتها، وسننتهي إلى أننا إزاء وعي احتجاجي متنام، بعضه منفلت من كل تأطير كلاسيكي، ما يطرح أتعابا وتكاليف جديدة على سلطة تحاول التقاط أنفاسها بعد سنوات من الوجود في الشارع لممارسة الضبط وفرض السيطرة.

الخوف من التمدد، في ظل توفر الشروط الموضوعية لذلك، قد يكون دافعا لـ”القسوة” على نشطاء “حراك الريف”، وإلى إغلاق باب لو فتح ستكون كلفة إغلاقه كبيرة. إنه تقدير موقف، وحسابات مربكة للمسار العام، لكن إلى الآن يصعب التكهن بمآلاتها أو ما سيترتب عن الخيارات المطروحة.

إن ما جرى خلال الأسابيع والأشهر الماضية كشف عن تحولات عميقة، سيكون لها ما بعدها على مستقبل المغرب، إذ ما عادت المسكنات تنفع، بعدما تنامى الوعي الاحتجاجي، وتعاظمت المطالب في مقابل تعمّق المشاكل.

 

السلطة والشارع

وبسبب الإنهاك المستمر للقوى السياسية، وحالة التمييع العامة للمشهد السياسي، تراجعت إلى الخلف العديد من الوسائط وممكنات توجيه و”ضبط” الاحتجاجات، ما جعل وسيجعل الدولة في مواجهة مباشرة مع الشارع، بكل مخاطر هذا الوضع.

في رأي كثيرين فإن الدولة تتحمل المسؤولية عن هذه الحالة، لأنها أمعنت في إضعاف الأحزاب السياسية، خاصة تلك الصاعدة من المجتمع، لأن بنية النظام السياسي لا تقبل تقاسم الفضاء العام، ولا تريد شركاء في القرار، وإنما تابعين وملحقات، وأعوانا و”حشدا” سياسيا خلف توجهاتها لا إلى جانبها، بل ومستعدين لأداء “شهادة الزور” في تبرير القمع أو التمهيد له مثلما حصل مؤخرا.

إن توجس السلطة من الحركات السياسية أو المجتمعية التي ولدت بعيدا، أو على الأقل دون تدخل السلطة، ساهم في إضعاف أدوار الوسطاء المجتمعيين، ما يطرح أمام الدولة تحدي التعامل مع “المناضل الخام” ومطالبه القابلة للتمدد والتمطيط حسب المزاج العام والقدرة على الضغط.

إن المواطنين صاروا يبادرون إلى الشارع دون انتظار إذن أحد، أو تأطير أي كان، وهو مؤشر على تحول كبير في صياغة المجتمع لأشكال تعبيره الجماعية، وخلق “قادته” عبر ما تتيحه شبكات التواصل الاجتماعي والثورة التكنولوجية من ممكنات.

وبقدر ما يعتبر الأمر إيجابيا لمن يراهن على “التغيير البعيد المدى”، لأنه يعني أن المواطنين في اتجاه التطبيع مع ثقافة الاحتجاج، وكسر حاجز الخوف، هو مدعاة للخوف لدى البعض، لأنه يعني فتح الباب أمام إمكانية “الانفلات” ومنح “الذرائع” للسلطة للتدخل والالتفاف على المطالب، خاصة وأنها تملّكت دربة واسعة في “ترويض” الحركات الاحتجاجية وإفراغ مطالبها من المضمون، عبر ممارسة الضغط عليها ودفعها إلى الخطأ، ومن ثمة ترتيب نتائج على ذلك، لتكون النتيجة في النهاية دفع الناس إلى الانسحاب من الشارع دون أن تكون السلطة قد قدمت أية تنازلات.

إن الأمر، في عمقه، مسألة تدبير للوقت لربح المستقبل.. وإيجاد صيغ جديدة للتعبير الجماعي عن المطالب.

إن تحولات المجتمع، الظاهرة والخفية، تطرح تحديات جديدة، وتخطئ الدولة إن اختارت الجواب عليها عبر مقاربة أمنية أو تجزيئية. فكل المؤشرات تؤكد أننا نتجه إلى مزيد من التأزيم، بسبب تراكم المشاكل، الأمر الذي سينتج عنه اتساع رقعة الغاضبين من سياسات الدولة التي لا تحقق العدالة الاجتماعية، ولا تحدّ من الفساد.

اتساع رقعة الغاضبين، وتنوع شرائحهم، و”تحررهم” من كل ثقل حزبي أو نقابي ملزم بالسقوف السياسية سيفتح الباب أمام مزيد من التحولات. ورهان السلطة على الوقت لتهدئة الأجواء سيكون صعبا، في غياب معالجة حقيقية للمشاكل، ومادامت الخيارات ترقيعية وتعتمد على المسكنات.

إن تحولات المجتمع لن ترحم أحد، ولا تنتظر أحدا، وقد أخذ المواطنون المبادرة، وصاروا يرفعون الصوت شيئا فشيئا، في تحدّ مستمر للخوف، بحثا عن كرامة يعتقدون، أكثر فأكثر، أنها مستحقة.

هل تغير السلطة سلوكها إزاء هذه التحولات وتحدث القطيعة مع ثقافة الرعايا وتتعامل مع المغاربة كمواطنين؟ صعب أن نتكهن بحصول هذا التغير، لكن الأكيد أن المجتمع يتحرك لفرض “قواعد لعبة جديدة” مدعومة بوعي متنام بإمكانية تحسين شروط العيش عبر الشارع.

شارك برأيك