الوزير السابق حداد يكتب عن القس والحاكم والسلطة – اليوم 24
وزير السياحة السابق لحسن حداد- ارشيف
  • حمودي

    حمودي لبوعشرين: لن ننسى الانتهاكات القانونية التي تجاهلتها المحكمة وفضحها دفاعك

  • image

    لاعب في فريق لبناني يلقى مصرعه بصاعقة رعدية أثناء التداريب

  • بولحجل

    معتقل حراك الريف بولحجل: أتضامن مع الصحافي الحر بوعشرين..التهم ملفقة والمحاكمة سياسية – فيديو

سياسية

الوزير السابق حداد يكتب عن القس والحاكم والسلطة

وزير السياحة السابق لحسن حداد

تابع الأمريكيون بدهشة واهتمام كبير شهادة مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق، جيمس كومي، أمام لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي يوم الخميس الماضي. جيمس كومي، رجل متمرس في ميدان البحث والتحقيق بحكم تجربته كوكيل عام سابق بنيويورك وكنائب سابق لوزير العدل /المدعي العام الأمريكي. كومي شغل منصب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي من شتنبر 2013 إلى ماي 2017، عندما أقاله الرئيس ترامب، “للتسريع بوتيرة إنهاء التحقيق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية” حسب بلاغ البيت الأبيض آنذاك، أي أن كومي كان عائقا أمام رغبة الرئيس في طي ملف روسيا بشكل نهائي.

إقالة ترامب خلقت زوبعة على مستوى الرأي العام الأمريكي، خصوصا وأن كومي سرب جزءا من محادثاته العديدة مع الرئيس، ولاسيما تلك التي لا يشملها واجب السرية المنصوص عليه في القانون الأمريكي، إلى الصحافة مما اضطر نائب الوكيل العام الحالي رود روزنشتاين، إلى تعيين محقق خاص للتحقيق في الملف الروسي في شخص روبرت مولير، رئيس سابق لمكتب التحقيقات الفدرالي (الوكيل العام الحالي، أي وزير العدل، جيف سيشن، ليس له الحق في تعيين محقق لأنه أبعد نفسه عن التحقيق في الملف الروسي، نظرا لأنه لم يعترف بلقائه بالروس إبان الحملة الانتخابية أمام الكونغريس، خلال جلسات الاستماع إليه قبل الموافقة على تعيينه مدعيا عاما/وزيرا للعدل). روبرت مولير، محقق من الطراز الرفيع، ورجل قانون متمرس، والرأي العام الأمريكي متيقن من أنه سيحاول الوصول إلى كل كبيرة وصغيرة من أجل معرفة الحقيقة والقيام بالمتابعات إذا اقتضى الحال.

مثول جيمس كومي أمام لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ جاء في إطار تنوير الرأي العام حول ما يعرفه عن تدخل روسيا في الانتخابات وحول ما إذا كان الرئيس أقاله لأنه لم يتجاوب مع محاولاته إقبار الملف. ونظرا لأن الملف حساس بشكل كبير فقد كانت هناك جلسة علنية تتبعها الملايين على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي وجلسة مغلقة محكومة ببروتوكولات المعلومات السرية المقننة بشكل دقيق.

شهادة كومي جاءت صادمة للكثير. فعلى مستوى الشكل، اتصل الرئيس أو التقى بكومي تسعة مرات، بل وتناول العشاء معه رأسا لرأس، في غضون أربعة أشهر فقط. مدير المكتب له استقلاليته ولكن رئيسه المباشر هو وزير العدل/المدعي العام. يمكن للرؤساء الأمريكيين الاتصال مباشرة بمدير مكتب التحقيقات الفدرالي للتنبيه أو التأكيد على قضية ذات حساسية من الجانب الأمني أو الاستخباراتي ولكن هذا لا يحصل بهذه الكثرة وهذا الزخم وفي فترة وجيزة.

حسب شهادة كومي، الرئيس كان يريد أن يعرف هل هو شخصيا قيد التحقيق فيما يخص الملف الروسي وهو ما نفاه كومي ثلاثة مرات في مناسبات مختلفة. أحد مساعدي كومي في المكتب الفدرالي كان على رأي أنه ما دام أن الاتصالات بروسيا تمت إبان الحملة وبعدها خلال الفترة الانتقالية والمسؤول عن الحملة والفترة الانتقالية هو ترامب نفسه، فإن هذا الأخير يجب أن يكون محط تحقيق كذلك. ولكن كومي رفض ذلك لأنه لا يوجد ما يتبث ضلوع ترامب بشكل مباشر في الاتصالات مع روسيا خلال الحملة وبعدها.

الرئيس ترامب كان يريد من كومي أن يكون مخلصا له وهو ما أجاب عليه كومي قائلا أنه سيكون “صادقا” فطلب منه الرئيس أن يكون “مخلصا صادقا.” الرئيس كان يريد أن يؤسس لعلاقة من الزبونية السياسية مع مدير المكتب الفدرالي تقتضي الإخلاص مقابل بقائه على رأس مكتب التحقيقات وهو شيء مناف للأعراف وحتى للتوجه الذي سلكه الكونغريس في السنوات الأخيرة حينما قرر أن منصب مدير هو المكتب هو مسار مهني وليس مسارا سياسيا. كومي انتبه إلى أن هناك شيئا ما سيحدث، فدون بشكل دقيق وبأسلوب قانوني صرف، كل ما دار بينه وبين الرئيس في كراسات ذات طابع سري وأخرى ذات طابع علني. وهو ما جعل شهادته حية مليئة بالمعلومات، وصادمة من حيث مقاربة الرئيس للأعراف القانونية والسياسية المعقدة على مستوى واشنطن.

ما أثار جدلا وتفسيرات متناقضة على مستوى لجنة الاستخبارات هو أن ترامب قال في أحد لقاءاته مع كومي أنه “يتمنى أن تنتهي التحقيقات مع مستشاره في الأمن القومي آنذاك، مايكل فلين (والذي استقال بعدما تبين أنه “ضلل نائب الرئيس وكبار المسؤولين في البيت الأبيض حول علاقاته بروسيا” حسب تسريبات من داخل البيت الأبيض) بسرعة. كومي فسر “أمنية” الرئيس على أنها توجيه بل أوامر مضمرة، ولهذا كان يخبر رئيسه المباشر وزير العدل/المدعي العام أن يلعب دوره كدرع واق بينه وبين الرئيس، ولكن هذا الأخير لم بفعل شيئا. الديمقراطيون كذلك فسروا هذا على أنه تدخل سافر في التحقيق ومحاولة لعرقلة سير العدالة وهو شيء يعاقب عليه القانون.

بعض الجمهوريين قالوا بأن كومي ربما يقرأ ماوراء السطور أكثر من اللازم. جيمس ريش قال بأن الرئيس فقط “تمنى أن تكون هناك نتيجة” وهو مارد عليه كومي أنه فهم التمني على أنه ما يجب عليه أن يفعله. وفي رده على سؤال آخر من أحد الديمقراطيين، قال كومي إن أمنية الرئيس ذكرته بالقولة الشهيرة “أليس هناك أحد يخلصني من هذا القس المتطفل”. هذه قولة منسوبة إلى ملك انجلترا هنري الثاني سنة 1170 والتي عبر فيها عن انزعاجه الكبير من توماس بيكيت، مطران كانتربيوري (أي كبير أساقفة انجلترا). سارا ليبتون، مؤرخة من جامعة نيويورك بمدينة ستوني بروك، كتبت مقالا في النيويورك تايمز، عنونته “قس ترامب المتطفل”، شرحت فيه أوجه التشابه بين الرئيس ترامب والملك هنري الثاني. ولكن ما هو مهم في مقالها هو أن ما يعنيه كومي هو أن الرغبة من فم الحاكم هي إلى حد كبير أوامر.

هنري الثاني هو من صنع ودعم بيكيت على أن يكون مطرانا لكنتربيوري طمعا في أن يكون مخلصا له على المستوى السياسي. وهذا ما كان يقوم به الأساققة على مر العصور: بحكم قربهم من الملوك وبعدهم عن مقر البابوية، فقد كانوا يقدمون خدمات عسكرية وسياسية ودينية للملوك مقابل دعم هؤلاء لهم على رأس الأ برشيات والكنائس. في القرن الثاني عشر ظهرت موجة جديدة من البابوات الذين كانوا يريدون الإصلاح ودعم استقلالية الكنيسة عن الملوك والأمراء (سارا ليبتون). توماس بيكيت كان من هؤلاء الذين اختاروا الاستقلالية المؤسساتية على الولاء السياسي.

استشاظ هنري الثاني غضبا فقال قولته الشهيرة: “أليس هناك أحد يخلصني من هذا القس المتطفل؟” القولة مأخودة من فيلم “بيكيت” لسنة 1964، ولكن ما تثبت المصادر القروسطية أن هنري الثاني قاله، في رأي ليبتون، هو “من هم هؤلاء الخونة الذين ربيتهم ورعرعتهم في بيتي والذين يتركون سيدهم يعامل بازدراء مخجل من طرف قس دنيء الخلق؟”. التقط أربعة فرسان ملكيين الإشارة فركبوا جيادهم إلى كانتربيوري وقتلوا توماس بيكيت.

(في مسرحيته الشعرية “قتل في الكاتدرائية” والتي تم إخراجها سنة 1936 ركز ت.س.إليوت في الجزء الأول على بيكيت واستعداده للاستشهاد، وفي الجزء الثاني على مونولوجات هؤلاء الفرسان الأربعة يشرحون لماذا قتلوا المطران، وذلك بأسلوب إليوتي شاعري متميز).

الإشارة من فم الحاكم أمر؛ والأمنية أمر. حتى في ديمقراطية عريقة مثل أمريكا، وبعيدا عن انجلترا القرون الوسطى المليئة بالحروب والدسائس والقتل، سلطة الحاكم تعطيه هالة تجعل من الإيماءات والإشارات والتمنيات توجيهات. المشكل هو أن الولاء السياسي للرئيس يحكمه الدستور والأعراف الديمقراطية والقانون في أمريكا: يمكن للرئيس أن يعفي المدير من منصبه ولكنه لا يمكن له أن يجبره على إقبار ملف معين. كومي كان ذكيا جدا حيث التقط الإشارة ودون المحادثات بشكل دقيق، وانتظر. حين تمت إقالته، وجد نفسه مسلحا بأسلحة قانونية دقيقة أحرجت الرئيس ومساعدية والجمهوريين بشكل عام.

السلطة عند الحاكم مهمة لأنه رئيس البلاد، ولكن لكي لا تتطور هذه السلطة إلى نزوات ورغبة في الإطراء ورغبة في الظهور بمظهر المنقذ (كما هو الحال مع ترامب) وجب تقييدها بتوازن السلط، خصوصا سلطة الأمة التي تعبر عنها من خلال االمنتخبين (في هذه الحالة الشيوخ) واستقلالية مؤسسات التحقيق والتحري والقضاء في شقية البحثي والتداولي. ماذا وقع لهنري الثاني؟ عاقبه البابا ومنع علية المشاركة في قداس الكنيسة وحاصره فاضطر إلى طلب العفو والقيام بطقوس التكفير عن الذنب، مما جعل سلطته تضعف فثارت ضده الرعية. تقول ليبتون: “على ترامب أن يعرف ماذا يتمناه؛ ربما تتحقق الأمنية فيندم على ذلك.” لم يعرف عن المؤرخين أنهم يجيدون التنبوء بالمستقبل ولكن الفوضى التي يعرفها البيت الابيض والحقل السياسي في أمريكا حاليا لا تبشر بخير، خصوصا بالنسبة لرئيس أقوى دولة في العالم.

شارك برأيك

القعقاع

ما فهمته من مقال السيد حداد هو ان المرحوم باها قد كان المخزن وراء قتله!!

إضافة رد