حكاية صغيرة لصفقة كبيرة! – اليوم 24

حكاية صغيرة لصفقة كبيرة!

  • الجزية والإهانة

  • لحسن حظ الوطن

أتساءل أحيانا كيف لحكومة أن تضع استراتيجية ما، وفي الوقت نفسه بعض أعضائها يكسرونها، وإن كان عن غير قصد؟ إليكم هذه الحكاية لتفهموا كيف يشتغل بعض الوزراء.
قبل أسابيع قرر محمد حصاد، وزير التربية الوطنية، أن يجدد طاولات الأقسام الدراسية بمختلف مناطق المغرب وعددها 350.000 طاولة للتلاميذ و146.000 مكتب للمدرسين و146.000 سبورة. الوزارة أطلقت طلبا للعروض لتشارك المقاولات المتخصصة في الصفقة التي تقدر بنحو 100 مليار سنتيم. هذا أمر جيد جداً لأن شأن هذه الصفقة أن تنعش عشرات المقاولات بمختلف ربوع المملكة، مما سيدفعها إلى الاستثمار في المعدات وتشغيل آلاف الخريجين التقنيين. لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن. فكاتب الدولة في التكوين المهني، العربي بن الشيخ، الذي يشغل منصب وزير في التكوين المهني، وفي الآن ذاته مديرا لمكتب التكوين المهني، يوجد في وضعية تضارب المصالح لا تخدم الشأن العام، لكن هذه حكاية أخرى سنعود إليها، كان له رأي آخر.
ابن الشيخ اتصل بحصاد وعرض عليه إنجاز الصفقة بأقل كلفة اعتمادا على آلاف المتدربين بمراكز التكوين المهني، فما كان من حصاد إلا أن رفع طلبا بذلك لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ليوفر لمبادرته غطاء وهي حركة الرجل الذي خبر كواليس الحكومة والشأن العام. العثماني رد بسرعة البرق مباركا مبادرة الرجلين، والأكيد أن مستشاريه إما لم يطلعوا على هذا الطلب، وإذا كانوا قد اطلعوا عليه وأفتوا على رئيس الحكومة بالقبول، فيستحقون الإعفاء الفوري. لماذا؟
ذلك لأن حصاد ما إن تلقى الضوء الأخضر من العثماني حتى ألغى كل طلبات العروض، وهو ما جعل مقاولات القطاع، فضلا عن الفيدرالية المنضوية تحت لوائها تنتفض بدواع قوية. فعشرات المقاولات المعنية، كانت تعتقد أنها ستخرج من عنق الزجاجة بعد تسعة أشهر من بلوكاج الصفقات العمومية وتأخر أداء الدولة لصفقاتها، كنتيجة لبلوكاج سياسي دمر الثروة ومعها عشرات الآلاف من مناصب الشغل.. هذه المقاولات كانت تعتقد أن نصيبها من هذه الصفقة سيعيد آلياتها للدوران، مع ما يعني ذلك من استثمار وتشغيل وباقي الإسقاطات الإيجابية على الاقتصاد الوطني. لكن سرعان ما خاب أملها، “فعلماء” الحكومة تفتقت عبقريتهم بخصوص هذا “الاختراع” دون أن يدروا بأنهم يحكمون على الآلاف من الطلبة المتدربين في التكوين المهني بالبطالة من الآن. أحد المقاولين المعنيين قال وفي كلامه غصة، كيف يريدون أن نشغل طلبتهم وهم يستغلونهم في إنجاز صفقات عمومية تدمر فرص الشغل، بمعنى أن أولئك المتدربين يقضون على مستقبلهم دون أن يعرفوا ذلك، فماذا سيفعلون بآلاف المتدربين والآليات التي تم اقتناؤها بالملايين بعد تسليم الصفقة لوزارة حصاد؟
هذا أصل الحكاية ورئيس الحكومة يحضر لمجلس المستشارين ليؤكد على دعم الدولة للتشغيل، فيما رد عليه ممثل الاتحاد العام لمقاولات المغرب بأن على رئيس الحكومة أن يعي بأن مقاولات القطاع الخاص هي التي تخلق فرص الشغل، وبالتالي هي التي يجب أن تحظى باهتمام الحكومة. وحتى تزداد الصورة سريالية، كان رئيس الحكومة يطأطئ رأسه بالاتفاق مع هذا الطرح!
هذه حكاية صغيرة لصفقة كبيرة وإسقاطات درامية لأسلوب إدارة الشأن العام الذي نعيشه، والذي يدمر الثروة، وإن كان لا إراديا. فما هو دور جيش المستشارين في الدواوين الوزارية، والذي يمضي في أغلب اليوم، وقته في شرب القهوة وقراءة الصحف؟ وكيف لوزراء يفتقدون لحس التحليل البسيط والاستباقي أن يأخذوا القرارات الكبرى التي ترهن الوطن؟ كيف؟

شارك برأيك