العفاريت – اليوم 24

العفاريت

  • نوستالجيا: حذاء “ميشلان”!

  • بداية أكتوبر، نهاية شباط

كثير ممن لم يسبق له أن حط جبهته على الأرض، يرتدي جلابة بيضاء هذه الأيام وينزل إلى المسجد لمزاحمة المصلين المواظبين على أجر هذا الشهر المبارك. هؤلاء الذين سماهم المغاربة من زمان “عبّادين رمضان” أو “عبّادين الحريرة”. عندما كنا صغارا، نحن أيضا كنا نتنقل من مسجد إلى آخر، كي نجمع أقصى ما يمكن من الحسنات، لعلها تذهب السيئات التي راكمنا طول العام. كانت صلاة التراويح تتحول إلى ما يشبه “ماراتون” يشارك فيه الصغار والكبار، النساء والرجال، وكما يفتخر كل واحد بالمسافة التي قطعها خلال السباق، كنا نتباهى بعدد الركعات التي صمدنا فيها وراء الإمام. ورغم أن إيماننا كان حقيقيا، وكنا نخاف من “النار”، فإن الصلاة بالنسبة إلينا كانت مجرد لعبة.
حتى المسجد لم يكن يسلم من حماقاتنا. أحيانا ننتظر الواحد منا حتى يسجد وننزل عليه بصفعة على “القرفادة”، ثم نهرب ضاحكين. في البيت، عندما كان أحدنا يبدأ الصلاة، نتعمد المشي أمامه كي نجعله يعيد الركعات من جديد، أو نحاول أن نُضحكه، عندما نفشل نهوي على رأسه بوسادة أثناء السجود. السجود الذي كنا نتعمد أن نطيله ما أمكن، ليس فقط، كي نستريح من تعب الركعات والوقوف، بل لأن الدعاء يكون مستجابا خلاله أكثر من أي وضعية أخرى. لم نترك أي نوع من الحلويات لم نطلبه من “الواحد القهار” الذي كنا نسجد له في خشوع، كنا نطلب أيضا تحقيق بعض الأمنيات الصغيرة مثل النجاح في الامتحان، وأن تتهدم المدرسة أو يموت المعلم كي نصبح في عطلة، أو يشتري لنا الوالد دراجة، أو نعثر على درهم مباشرة بعد الخروج من المسجد، أو تكون ملابس العيد مناسبة لأحلامنا.. من كثرة الحماقات التي كنا نرتكب كل يوم، أصبحنا نهرب حين نرى شخصا قادما من الاتجاه المعاكس. كنا مذنبين إلى أن يثبت العكس. عندما يمر قربنا أحد الكبار ولا ينهرنا نحس أننا حققنا إنجازا استثنائيا. وعندما يمر البوليسي نعدل من مشيتنا احتراما لـ”هيبة الدولة”.
أذكر يوم دخلنا إلى دار الوضوء، وبدأنا نتمشى بأقدامنا المتسخة على المصطبات حيث يجلس المتوضئون، وعندما رآنا أحدهم “شير” علينا بسطل وهو يلعن “سنسفيل” جدودنا ويصفنا بـ”عفاريت سيدنا سليمان”…..
كنا “عفاريت” حقيقيين، نرتكب حماقات لا يقدم عليها إلا “الجنون” الذين يطلق سراحهم في ليلة القدر، كما كنا نعتقد في تلك السنوات الجميلة، رغم أن الملائكة هي التي تنزل في هذه الليلة وليس العفاريت، لكن من الصعب إقناع النساء بهذه الحقيقة، حتى بالنسبة إلى فقهاء “ركن المفتي” المحترمين لم ينجحوا في جعل ربات البيوت يقلعن عن حرق كميات محترمة من البخور لتطييب خاطر العفاريت التي تتجول بين البيوت، مخافة أن تغيّر عنوانها الذي في السماء بعنوان البيت الذي نسكن فيه أو تقدم على واحدة من تلك الجرائم التي تعودت على ارتكابها في حق المغاربة الفقراء من “تشيار” و”تصماك” و”لقوى” و”شلل”… وغيرها من الأمراض العصبية، التي “يمسحها” المزاليط في العفاريت، عن سبق إصرار وترصد، كي لا يضيعوا وقتهم أمام مستوصفات لا تخسر عليهم أكثر من “الفاصمة” و”الدوا لحمر”…. مخطئ من يظن أن المغاربة البسطاء يميلون تلقائيا إلى الخرافة: إذا كانوا يزورون الأضرحة والأولياء، فلأنهم لا يملكون النقود لزيارة العيادات الخاصة أو للسفر إلى الخارج من أجل العلاج، كما يصنع الأغنياء. إذا كانوا يطلبون بركة الموتى، فلأنهم فقدوا الأمل في الأحياء، بكل بساطة!

شارك برأيك