الثورة الهادئة في فرنسا – اليوم 24

الثورة الهادئة في فرنسا

  • رحيل صاحب “دفنا الماضي”

  • سقُوط القُدوة

قصدت من “الثورة الهادئة” الإشارة إلى التغيير العميق الذي طال مكونات النسق السياسي الفرنسي، ويروم يوما بعد يوم إعادة ترسيخ ممارسات سياسية جديدة، مؤسسة على ثقافة مغايرة لم تشهدها الجمهورية الخامسة منذ تأسيسها عام 1958. ومن يتأمل بعمق في ما جرى ويجري في فرنسا منذ بداية الاستعداد للانتخابات الرئاسية، وبعدها التشريعية، التي ستنتهي حلقتها الثانية الأحد 1 من هذا الشهر، يستنتج، دون تردد، بأن ثمة ما يكفي من التغيرات المعبرة عن دخول السياسة في فرنسا مناخ ثورة حقيقية في نوعية النخب الجديدة، ومآلات الأحزاب القديمة، وفي طبيعة الخطابات والاستراتيجيات، وأيضا في من زاوية المقاربات الخاصة بتدبير الشأن السياسي الفرنسي، إن على المستوى الداخلي، أو على الصعيد الدولي.
يمكن الوقوف أولا عند دلالة التقهقر الفاقع للقوى السياسية التي حكمت فرنسا منذ بداية الجمهورية الخامسة، ونقصد تحديدا “الديغوليين” بمختلف ألوانهم وتسمياتهم، و”الاشتراكيين”، ومن ينتسب إلى دائرتهم، من شيوعيين وأنصار البيئة، والتيارات الصغيرة المتعايشة معهم. فلأول مرة يتلقى الجمهوريون أكبر هزيمة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في دورها الأول، والمصير نفسه، بدرجة أقوى، كان من نصيب الاشتراكيين. لذلك، يمكن الجزم بأن من نتائج هذه الثورة الهادئة تجدد النخبة السياسية الفرنسية، وتدشين حقبة جديدة في الحياة السياسية الفرنسية.
أما الدلالة الثانية لهذه الثورة، فتكمن في قدرة حركة حديثة النشأة (الجمهورية تسير)، يقودها شخص حديث العهد بالسياسة، من اكتساح المجال السياسي الفرنسي، والظفر باستقطاب أغلبية واسعة من ناخبيه، والنجاح في إيصال إيمانويل ماكرون إلى قصر الإيلزيه، كأصغر رئيس في تاريخ فرنسا (39 عاما(، وتتمكن، أيضا، من ضمان أغلبية ساحقة في الانتخابات التشريعية، كما أثبتت نتائج الدور الأول ليوم الأحد 10 يونيو الجاري. قد يقول قائل إن السياق السياسي ساعد الحركة على هذا الفوز، وإنها جاءت في وضع حرج دفع بالفرنسيين دفعا إلى أحضان هذه الحركة، لتقديرهم أنها بديل إيجابي لما آلت إليه التنظيمات السياسية التقليدية، التي لم تعد إطلاقا جاذبة للنخب الفرنسية، إما لفساد قادتها، أو لتخلف بعضهم (الاشتراكيون واليساريون( عن التغيرات العميقة التي طالت العالم.
ومع كل ذلك، تحمل “الثورة الهادئة” الجارية في فرنسا كثيرا من علامات الاستفهام حول مدى قدرة رموزها وقادتها على الذهاب بعيدا في إيصال فرنسا إلى بر الأمان، على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي إعادة تعزيز مكانة فرنسا في العالم. فجزء مهم من الفرنسيين، وإن قدروا ما جرى من تغيير في نسقهم السياسي، وفي مقدمة ذلك تجديد النخب، فإنهم يشعرون في الآن معا بكثير من القلق والاحتراز مما يخفي المستقبل لهم، ويتساءلون حول طبيعة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظرهم في خلال عُهدة ماكرون، وهل بمقدور هذا الأخير إنجاح ولايته باقتدار، دون أن يفكك الالتفاف الواسع الحاصل حول حركته؟
لاشك أن أمام النخبة الجديدة في فرنسا ملفات عديدة، مهمة ومقلقة في الآن معا، وفي صدارتها إصلاح الاقتصاد بما يجعله أكثر قوة وإنتاجية وتنافسية مع الاقتصاديات الناجحة في العالم، وأمامها أيضا معدلات بطالة، يُنتظر أن تُقلص من معدلاتها إلى الحد الذي يُرضي الكثير من الفرنسيين، وأمام “إرهاب” متزايد على أراضيها وقد تبين أن على الرغم من كل الإجراءات الاحترازية التي أقدمت عليها فرنسا على عهد هولاند لم توقف عمليات التطرف والإرهاب، وأمامها، كذلك، عالم يتغير بسرعة، ويستلزم من فرنسا مواكبة يقظة ومستمرة.. إنها كلها ملفات، لم يلمس الناخب الفرنسي أنها نالت حظها كثيرا من التوضيح والنقاش وصياغة البرامج والحلول. لذلك، هناك فئات واسعة تعيش على إيقاع الترقب والانتظار لما سيسفر عليه أداء ماكرون وفريقه، وأغلبيته البرلمانية.. لكن ما هو مؤكد أن تاريخ فرنسا السياسي، وممارساتها المترسخة في تدبير الشأن العام، وحيوية مجتمعها المدني.. كلها ضمانات حقيقية على أن الفرنسيين سيجدون مخارج لوضعهم السياسي مهما كانت حصيلة النخبة الجديدة، ولو بمعاقبتها والبحث عن نخبة جديدة.

شارك برأيك