قصة فشل خطة بنكيران لتشغيل 100 ألف عاطل – اليوم 24
بنكيران في المجلس الحكومي - أرشيف
  • إبراهيم غالي

    تفاصيل غضبة المغرب تجاه لقاء وزير إسرائيلي بزعيم “البوليساريو”

  • محمد عبد النبوي

    مشروع قانون “يورّث” النيابة العامة لعبد النبوي

  • محمد السادس وبنكيران

    أسرار “القطيعة” بين بنكيران والقصر

اقتصاد

قصة فشل خطة بنكيران لتشغيل 100 ألف عاطل

شكّل التشغيل أحد أكبر هواجس حكومة عبدالإله بنكيران، طيلة سنوات ولايتها الخمس. فهي حكومة خرجت من رحم حَراك شبابي، كان شعاره: “كرامة، حرية، عدالة اجتماعية”، وأحد أبرز مطالب فئة الشباب، هو الحصول على فرص شغل. اختار بنكيران منذ الوهلة الأولى سلوك الطريق الصعب في هذا المجال، رافضا الاستمرار في نهج التشغيل في الوظيفة العمومية بطرق استثنائية، ورث جزءا منها، وهو المتمثل في المحضر الذي كان يعد حاملي شهادة الماستر بالإدماج المباشر في الوظيفة العمومية.

“لم يكن بمقدور بنكيران مواصلة ذلك النهج حتى لو أراد ذلك، وحين توالى طرح هذا الموضوع عليه، خرج في جلسة مساءلته الشهرية لشهر ماي 2014، مذكرا كيف أن كتلة الأجور بالوظيفة العمومية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت برسم سنة 2014 ما يناهز103,7 مليار درهم مقابل أقل من 67 مليار درهم سنة 2007، مما يمثل زيادة بنسبة 47%. فيما يمثل متوسط الأجر الشهري الصافي 3 أضعاف الناتج الداخلي الإجمالي الفردي، مقابل 1,2 في الجزائر و1,9 في تركيا و1 في فرنسا. فهل كنتم تريدونه أن يستمر في إغراق ميزانية الدولة؟”، يقول مصدر مطلع.

لم يعمد بنكيران إلى مواجهة المطالب الملحة التي واجهتها حكومته في مجال التشغيل، بإحالتها على انتظار الانتهاء من إعادة التوازن لميزانية الدولة، والشروع في قطف ثمار نمو قد يأتي أو لا يأتي. بل بادر إلى طرح أفكار جديدة، حاول من خلالها امتصاص جزء من البطالة المتراكمة في المجتمع. التجربة الشخصية لبنكيران لم تغب عن تصوراته وأفكاره، حيث كان من بين ما طرحه مشروع لتكوين عشرات الآلاف من الشباب، بقصد تشغيلهم في مؤسسات التعليم الخصوصي. بينما كانت أهم مبادرة أقدم عليها في هذا المجال، تتمثل في شروعه في تنفيذ سياسة غير مسبوقة للتشغيل عبر عقود محدودة المدة. “كانت الفكرة جريئة جدا، ولاقت ترحيبا من داخل الدولة في أعلى مستويات هرم السلطة. لكن الإخراج النهائي الذي تم العمل به في السنتين الأخيرتين، لم يطبّق بالطريقة التي كان يرجوها بنكيران”، يقول مصدر موثوق.

فرغم أن الفكرة حظيت بترحيب كبير حتى من المؤسسة الملكية، وفي الوقت الذي كان أحد ممثلي عمق الدولة داخل الحكومة، الأمين العام السابق للحكومة إدريس الضحاك، قد طرح هذه الفكرة خلال مناقشته أول ميزانية 2013 داخل اللجنة البرلمانية المختصة، حيث دعا إلى الاقتداء بنماذج دولية متطورة تعتمد التشغيل بعقود محدود المدة حتى في القطاع العمومي؛ إلا أن الفكرة الأصلية لبنكيران لم تجد طريقها إلى التطبيق. “هو لم يكن يقصد تحويل التوظيف المعمول به حاليا إلى عقد محدود المدة، إذ لا يصبح لذلك معنى بالنسبة إلى ميزانية الدولة ولا إلى الحجم الذي ستأخذه هذه العملية من حيث عدد المستفيدين منها. فكرة بنكيران كانت تقوم على توظيف حاملي الشهادات بواسطة عقود محدودة المدة، لكن بأجور بسيطة لا تعادل أجور الوظيفة العمومية، أي في مستوى الحد الأدنى للأجور أو ما يقارب ذلك. والهدف من وراء ذلك كان هو امتصاص كتلة المائة ألف شاب عاطل من بين حاملي الشهادات، والتي تقول الإحصائيات إنهم تراكموا في الرصيد السلبي للمغرب. هؤلاء الشباب سيشتغلون بأجور بسيطة، لكنها أفضل من حالة البطالة التي يوجدون عليها، وسيكون هذا الوضع مؤقتا، حيث سيتم إدماجهم تدريجيا في سلك الوظيفة خلال أربع إلى خمس سنوات عبر اجتيازهم للمباريات، فنكون قد حققنا امتصاصا شبه شامل لبطالة حاملي الشهادات في لحظة معينة، ومكّنا الإدارة العمومية في الوقت نفسه من موارد بشرية هي في أمس الحاجة إليها، خاصة أن بعض الأمور لم تعد تجد من يقوم بها بعدما تحوّل جل الموظفين إلى أطر وأطر عليا. لكن الأمور ذهبت في النهاية في اتجاه التشغيل بعقود محدودة المدة، لكن بنفس أجور وامتيازات الوظيفة”.

عملية التوظيف بواسطة عقود محدودة المدة، انطلقت بشكل واسع في السنة الأخيرة من عمر حكومة انكيران، حيث خصّصت وزارة المالية اعتمادات خاصة لوزارة التعليم، شغّلت بموجبها أكثر من عشرة آلاف مدرّس وموظف، وهي العملية التي يجري حاليا تنفيذ دفعة ثانية منها. سياسة كانت قد خرجت إلى العلن في النصف الثاني من ولاية بنكيران، عبر نصوص قانونية وتنظيمية. أحد أولى هذه النصوص صدرت في 2014، عبر مرسوم يهمّ وزارة الصحة، ويخوّلها إبرام عقود مؤقتة مع الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان، يقدّمون بواسطتها خدماتهم في المستشفيات العمومية لفترة محدّدة. ووضع مشروع المرسوم الجديد سقفا للأجرة الشهرية التي يتلقاها هؤلاء الأطباء المتعاقدون، يقدّر بـ7143 درهما. أجرة تم احتسابها على أساس 286 درهما كتعويض عن كل حصة عمل مدتها 4 ساعات، على أن تحدد قيمة التعويضات الخاصة بالعمليات الجراحية بقرار لاحق لوزير الصحة.

لكن الفكرة التي نبعت من التجربة الشخصية لبنكيران في قطاع التعليم الخصوصي، ستتمثل في مشروع تكوين 25 ألف مجاز للعمل كأساتذة في المدارس الخصوصية. انطلق المشروع بعملية تكوين شملت 10 آلاف مجاز، وهي العملية التي تستمر سنة يحصل خلالها المستفيدون على منحة مالية شهرية. لكن هذا البرنامج سيتحوّل تدريجيا إلى حجر في حذاء رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران. فالمجازون الذين استفادوا من برنامج التكوين أصبحوا مصرّين على مطلب الإدماج المباشر في سلك الوظيفة العمومية بعد فشل أغلبهم في الاندماج في القطاع الخاص. بنكيران ردّ بشكل فوري وسريع حينها من خلال حديث لـ”أخبار اليوم” مستهل 2015 بالقول إنه “لن يكون هناك أي توظيف. نعم، أنا من أشرف على تكوينهم، وسأواصل تكوين الجزء المتبقي من العشرة آلاف مجاز الذين تم انتقاؤهم، والغاية التي تعاقدنا حولها هي تمكينهم من الكفاءات الضرورية للعمل في القطاع الخاص، أو اجتياز مباريات القطاع العام وهم في وضع أكثر تأهيلا، فليجتازوا المباريات، ومنهم من اجتازها ونجح فيها بالفعل، أما التوظيف المباشر فلن يضغط عليّ أي أحد للعودة إليه”. فيما أصدرت الحكومة قرارا يضع حدّا لاستعانة مدارس القطاع الخصوصي بأساتذة التعليم العمومي، لحمل القطاع الخاص على التشغيل أكثر.

في العام الأخير من ولاية حكومة بنكيران، ظهرت الوصفة الكاملة للشروع بالعمل بعقود عمل مؤقتة. الوصفة تجعل التعاقد من أجل القيام بوظائف ذات طابع مؤقت أو عرضي رهينا بقرار مشترك بين كل من وزارتي المالي والوظيفة العمومية، من أجل تحديد الأجر الشهري، مع استفادة المتعاقد من زيادات تبدأ من 5% بعد قضائه سنتين في العمل، و10% بعد قضائه 5 سنوات في العمل، و15% بعد قضائه 12 سنة في العمل، و20% بعد قضائه 20سنة في العمل، وتصل إلى 25% بعد قضائه 25 عاما في العمل. وتنص الخطة الحكومية الجديدة على عدم جواز إبرام أي تعاقد إلا بعد ترخيص رئيس الحكومة، وفي حدود المناصب المالية الشاغرة. “أي إننا عدنا إلى نظام لا يختلف في شيء عن الوظيفة العمومية، وبقي الأمر على حاله”، يقول مصدر خَبِرَ تفاصيل هذا المشروع.

شارك برأيك