الثورة الأخرى – اليوم 24

الثورة الأخرى

  • هيبة الدولة

  • نهاية “صحافة” الابتزاز

أبانت أحداث الريف بما لا يدع مجالا للشك أن هناك هوة عميقة بين المغاربة وإعلامهم الرسمي. ففي الوقت الذي كانت تتناقل فيه قنوات “فرانس 24″ و”بي. بي. سي” و”س. إن. إن” و”روسيا اليوم”،.. مجريات الأحداث بالصوت والصورة وتبين درجات الاحتقان، كانت القناة الأولى والقناة الثانية في حالت غيبوبة، بل إنها في وقت من الأوقات ركزت على مظاهرات.. فنزويلا!
في المقابل كانت شبكات التواصل الاجتماعي تسخر من القطب “المتجمد” العمومي الذي يغرد خارج الزمان والمكان، وأخذت بزمام المبادرة لتنقل بالصوت والصورة الأحداث من الميدان وبالتفاصيل المملة. وهكذا تابع المغاربة من الرباط والدار البيضاء ومراكش والعيون وطنجة وفاس وجدة وباقي المدن، بروز وجه متمرد على الأوضاع يقوده شاب ثائر ضد “الحكرة”، مبرزا مطالبه الاجتماعية بطريقته الخاصة. اكتشف الجميع حجم المظاهرات من خلال النقل المباشر على الفيسبوك، وتابع الآلاف النقاشات الساخنة حول الموضوع، وصار البعض من أوفياء حلقات اليوتوب اليومية التي يبثها نشطاء وحقوقيون وإعلاميون، دون قيود تحريرية ولا خطوط حمراء وبجرأة لافتة وغير مسبوقة. في المحصلة، صارت لكل مغربي تلفزته الخاصة في جيبه بواسطة هاتفه الشخصي يتابع من خلاله ما يريد من المواد الإخبارية، بعيدا عن لغة الخشب التي نفرت المغاربة من قنواته العمومية.
فماذا يعني هذا التحول العميق؟
اختمار الوعي السياسي للمغاربة واستبلادهم من طرف الإعلام الرسمي، جعل الأخير يفقد مصداقيته ويعطي من حيث لا يدري دفعة قوية لإعلام بديل حتى صار الفايسبوك واليوتوب يقض مضجع المسؤولين، الذين تجاوزتهم الأحداث وصاروا يقضون وقتهم في تكذيب أخبار شبكات التواصل الاجتماعي عوض الانكباب على إيجاد الحلول العميقة. لكن يبدو أن المسؤولين عن تدبير الشأن العام والمسؤولين عن الإعلام العمومي، لا يريدون أن يفتحوا أعينهم على الواقع. ففي الجمعة الأخير مثلا، عرفت مدينة طنجة الحوار الوطني حول حراك الريف. لكن المفارقة هي أن المغاربة تابعوا مداخلات قوية تعكس المنطق الذي يقر بأن الحلول تولد أحيانا من رحم المعاناة وحتى اصطدام الأفكار، وهي ظاهرة صحية، بينما نقلت القناة الثانية مقتطفات من تصريحات خارج سياقها ومبتورة عن بيئتها وشبيهة بلغة الأخبار الرسمية، فيكف يصدقها المغاربة وهي جزء من المشكل؟
أما القناة الأولى، فقد اختارت في اليوم نفسه، سهرة للفن الشعبي والشيخات، بينما انبرى جزء من المغاربة لمتابعة ندوة لنبيلة منيب من مقر الحزب الاشتراكي الموحد حول حراك الريف والحلول الكفيلة بوضع حد للاحتقان، فيما فضل آخرون متابعة بالمباشر مظاهرات تضامنية بعدة مدن مغربية، أو رسائل فيسبوكية قوية من داخل وخارج المغرب لمغاربة كسروا حاجز الخوف وقفزوا على كل الخطوط!
هذه هي الثورة الأخرى التي يجب على المسؤولين أن يلتقطوا إشاراتها ويتفاعلوا معها، لا التعامل معها بالتجاهل أحيانا، أو بمحاولة التشويش عليها في أحايين أخرى. العالم يسير بسرعة قصوى، والدليل هو أن شابا مثل ناصر الزفزافي كان حتى قبل أشهر قليلة مجهولا من طرف جل المغاربة، فصار يشكل في ظرف وجيز اسما مألوفا في كبريات القنوات الإخبارية العالمية… وبفضل شبكات التواصل الاجتماعي. فهلا تتعظون وتحاولون إصلاح ما يمكن إصلاحه ليتصالح المغاربة مع إعلامهم، وإن كان ذلك جد صعب؟!

شارك برأيك