حرمة الجسد – اليوم 24

حرمة الجسد

  • المظلة المعطوبة

  • القبح الأخلاقي والمادي

حدث ذلك كثيرا في ماض ليس بالبعيد جدا. ولم تطف إلى سطح الذاكرة الآن، سوى حكايتين من ذلك الكم الهائل من الحالات التي حضرتها أو سمعت عنها.
الحالة الأولى تعود إلى يوم من أيام التسعينيات من القرن الماضي: “سطافيت” تهتز من فرط الركل والضرب الذي كان يتعرض له أحدهم على يد عدد من المخازنية. كان الاهتزاز وأصوات اللكمات والركلات وآهات الألم كافية لنسج صورة ما يجري بالداخل في أذهان المتفرجين، الذين كان بعضهم لا يخفي تأييده لما يجري هنا، بينما استبد بالآخرين خوف صامت. ولا أحد تجرأ على استنكار ما يحدث علنا. وأخمن أن بعض الواقفين اكتفوا بسب وشتم أصحاب الركلات واللكمات في صدره قبل أن يسرعوا الخطى مبتعدين عبثا، لأن المشهد ظل يلاحقهم كما لاحقني طويلا قبل أن يختفي هناك في تجاويف الذاكرة، ليعود مرة مرة إلى سطحها رفقة مشاهد أخرى مثل هذا المشهد الآخر.
الحكاية الثانية أقدم بقليل من الأولى: كان أحد أبناء الدرب قد تعرض للاعتقال لسبب تافه، ولما أطلق سراحه تحلقنا حوله وراح يحكي لنا بنبرة يختلط فيها نوع من الفخر والخوف كيف تعرض للضرب والصفع، وكيف وضعوا “جفاف” على أنفه حد الاختناق. وكيف أحس أنه “كتولي ديالهم.. يديرو فيك ما بغاو”.
ولعلك تعرف مثلي الكثير من الحكايات مثل هذه أو سمعت وقرأت روايات تسرد ما كان يتعرض له المعتقلون السياسيون طيلة العقود التي تلت الاستقلال، والمعارضون عموما طيلة تاريخ المغرب.
كل الحكايات تخلص، صراحة أو ضمنا، إلى ما انتهى إليه ابن دربنا المسكين، وما انتهت إليه الشهادات التي أوردها التقرير المثير للجدل حول ما تعرض له معتقلو الحسيمة، الذي تسرب من أروقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذا الأسبوع. فجسد المعتقل “شيء” مستباح من طرف السجان.. يصبح ملكا للجلاد.. يصير مجرد شيء لا حرمة له، لأن الكائن الذي يملكه لا حرمة له. فهو مجرد عنصر في الجماعة، ولسلطتها وممثليها الحق في انتهاكه إن رأت أنه تجرأ وخرق “قوانينها” أو تجرأ على “هيبتها”.
وفي تقديري، فالجسد مرتبط ارتباطا وثيقا ببلوغ مرتبة الفرد.. إذاك فقط، تصبح له حرمة كاملة نابعة من حرمة صاحبه المتمتع بفردانيته. وما لم تبلغ جماعة ما مرحلة حيازة مكوناتها أو عناصرها لصفة الفرد الكامل في فردانيته، فانتهاكات الأجساد من طرف مختلف السلط ستظل قائمة: الأمن في حق الكائن، الزوج في حق الزوجة، الأب في حق الأولاد، الأستاذ في حق التلميذ، وحتى “لمعلم” في حق “لمتعلم”، وربة البيت في حق “الخدامة”…
صحيح أن النصوص القانونية (الفصل 22 من الدستور مثلا)، والمصادقة على مختلف المعاهدات التي تحظر التعذيب، وإنشاء المؤسسات (المجلس الوطني لحقوق الإنسان) والمنظمات الحقوقية، كلها خطوات مهمة للتصدي للتعذيب وتندرج فيما أسميه “البنية التحتية القانونية” للبلاد، ولكن فعاليتها ستظل في تقديري ضعيفة جدا في حماية الكائن المغربي من انتهاك حرمة جسده ما لم يتطور هذا الكائن ويرتقي إلى مرتبة الفرد.
إذا لم يتحقق هذا الهدف، فستواصل ذاكرتنا – ربما بوتيرة أقل- مراكمة مشاهد مثل مشهد تلك “السطافيت”، التي تهتز في ذلك اليوم البيضاوي غير البعيد…

شارك برأيك