استقرار في أدنى مستوياته.. – اليوم 24

استقرار في أدنى مستوياته..

  • توزيع الفقر وتكريس المهانة..

  • حين تدور وتُسعِد..

الاستقرار هو التدبير الحضاري للخلافات داخل الدول. الاستقرار هو حرية التعبير والحق في التظاهر وحرية التنقل والحركة. الاستقرار هو حماية ثروات البلاد وخيراتها من المتنفذين والوصوليين والانتهازيين، هو تقاسم ثمارها بشكل منصف بين الفقير والغني وابن القرية وابن المدينة. الاستقرار هو الحق في قول لا أو قول نعم أو الصمت أو الكلام أو الرسم أو الرمز أو الغناء والنثر والمدح والهجاء. الاستقرار هو سماد يجرّد أقصى المنازعات البشرية من طابعها العنيف والحاقد ويلقي بها إلى ساحة الأفكار والفن والسينما والإعلام والحملات السياسية والمسيرات السلمية والوقفات الاحتجاجية وفنون الشارع وغيرها من وسائل التأثير التي تتوسل بالعلم والفكرة والبارقة والخاطرة والالتماعة والاتقاد والابتكار.
الاستقرار هو ممكنات وبدائل تتصارع في عالم وسيط بين وقاحة الواقع وخفة الاستعارات والمجاز والخيال، حقل صراع قد يستعين أحيانا بالأكفان البيضاء للتعبير عن الموت والضياع، وقد يستعين بنصب شواهد القبور في الشوارع ليذكر بمصير ضحايا حرب أو مجزرة، وقد يُخرج من اللغة أقوى عبارتها وأجل معانيها لتحريك الجماهير بخطاب مؤثر، من ساحة عمومية، من على منبر جمعية عامة، من مكتب رئاسة. في ظل الاستقرار قد ينسف الإعلام طموحات مريبة باستقصاء حصيف، في ظله قد تسقط أسماء وازنة وكبيرة بكل “روح رياضية”، في ظله، تتراكم معارك الرمز والمجاز حتى تنتهي على أعتاب القضاء ليفصل فيها بالعدل. في ظل الاستقرار صدر الكل يتسع للكل ويتعايش مع الحماقات والمعارك السياسية الفاضحة والمناظرات الفكرية المتكلفة، ونوازع البشر الغريبة والقاتمة، وأكثر أحوال الإنسان تقلبا وغرابة، مادام العدل قائما في الناس وباب الحرية مفتوح للجميع.
في تفاعل مماثل للعلاقات بين الشعب والحكم والأمن والبرلمان والقضاء والإعلام يمكن الحديث عن الاستقرار بكامل ما للكلمة من قوة، أو بتعبير أهل فلسفة اللغة والأدب بكل ما تملكه من قوة إنجازية (force illocutoire).
أما في تفاعل للعلاقات تسيل فيها دماء النساء والشيوخ والأساتذة والصحافيين والنشطاء والحقوقيين، وتُقمع فيها الاحتجاجات وتُمنع فيه لقاءات فكرية وتكثر فيها الاعتقالات وأفعال السحل في الشوارع والإهانة والوعيد مشفوعة بإصدار بلاغات تبارك هذه المعاملة القاسية للإنسان وتقف في صفها عنادا، فمفهوم الاستقرار يكون منقوصا، ومنسوبه ضعيفا، وتعبيره الملموس عليلا.
الاستقرار واقع سياسي وثقافي ومجتمعي أكبر من أن يدرك بالعصا والسجون والاعتقالات ولغة البيانات الأمنية وغيرها من الوسائل الملتوية. حفظ النظام العام لا يعني أبدا حفظ الاستقرار. الاستقرار حالة نفسية. الاستقرار وعي. الاستقرار ثمرة إرادات حرة. الأمن قد يساهم في حفظ هذا الوعي الجماعي في شق منه بحفظ النظام العام، لكن العكس لا يصح. لا يمكن لأكثر الفرق الأمنية حرفية في حفظ النظام العام أن تبني الاستقرار. لنتخيل أن الناس توحدت على قضية عادلة وقررت أن تخرج في مسيرة سلمية مليونية، لكن غير مرخص لها، فكرة/ذريعة حفظ النظام تستدعي فض المسيرة بما أنها غير مرخصة، فهل يسهم تفريق مليون محتج سلمي بالغازات والعصي وخراطيم المياه والرصاص المطاطي حتّى، في دعم الاستقرار؟
على الأمن أن يبقى أقل جهة تدخلا/ تورطا في الحركية الاحتجاجية في شموليتها. بالمقابل، عليه الانشغال بحماية الناس من النشل والسرقات في الشوارع والاعتداءات الجسدية وسطوة سماسرة المخدرات والعصابات الإجرامية و”بلطجية” الواقع ويوتيوب، وتعزيز إحساس الشعب بالأمان وبذلك سيكون مساهما كبيرا في تحقيق سكينة البلاد ورفع منسوب استقرارها.
في رأي جدير بالتأمل حول ثنائية الاستقرار والاستبداد، أيهما أفضل الاستقرار في ظل الاستبداد؟ أم الديمقراطية في غياب الاستقرار؟ تقول رئيسة هيئة “الحقيقة والكرامة التونسية” (شقيقة الإنصاف والمصالحة لدينا) سهام بن سدرين، “في تونس قد يتأسف الناس على (اهتزاز) الاستقرار، لكنهم لا يتأسفون على رحيل الاستبداد. ونحن سعداء بهذا المنجز”.

شارك برأيك