“الشعبوية البرجوازية” و”رحيل البرجوازيين” – اليوم 24

“الشعبوية البرجوازية” و”رحيل البرجوازيين”

  • الاستفادة من الأعاصير

  • أي تعليم يصلح اليوم؟

مع حلول ذكرى 4 و14 يوليوز، هذان التاريخان اللذان يرمزان إلى الثورة، وبينما تستعمل هذه الكلمة اليوم في سياقات مختلفة تماما، تبدو المناسبة مواتية للتفكير في ما يخول لثورة ما النجاح، ما يمكن أن يدفعها إلى الانحراف عن مسارها.
4 يوليوز يخلد لذكرى تصويت 13 مستعمرة بريطانية بأمريكا على إعلان الاستقلال في عام 1776. أما 14 يوليوز فيحيل على اليوم الذي سيطر فيه الثوار على سجن “الباستيل” في باريس سنة 1789، وهو حدث ثانوي في المسار الثوري الفرنسي.
بطريقة ما، فالثورة الأمريكية تنتهي يوم 4 يوليوز، بينما تنطلق الثورة الفرنسية يوم 14 يوليوز.
وعلى العموم، فالثورة هي أولا وقبل كل شيء، نجاح نخبة جديدة في التخلص من أخرى قديمة.
هذا ما وقع في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1776، لما تخلص الأمريكيون من سادتهم البريطانيين، وأرسوا أسس جمهورية تقوم على مبادئ تم تطويرها، في أوروبا وبالخصوص في فرنسا، على يد مونتسيكيو، ديدرو، فولتير وروسو.
هذا ما حدث في فرنسا سنة 1789 لما تخلصت البرجوازية، وبكل فرح، من أسيادها.
إذن، تبدأ الثورة دوما بما يمكن أن نسميه “الإرغام على الرحيل” (degagisme)، أو ما يمكن أن أسميه “الشعبوية البرجوازية” التي تقوم فيها نخبة جديدة بالتخلص من الأخرى القديمة، دون المساس أو إعادة النظر في طبيعة المجتمع.
في بعض الأحيان تكون هذه الثورة كافية، كما هو في المجتمع الأمريكي، لأن البلاد كانت لديها انشغالات أخرى: حرب من أجل البقاء، وتوسع لفرض سلطتها. وفي أحايين أخرى، لا تكون كافية. في فرنسا، لا الحرب ضد أعداء الثورة، ولا الغزو الذي صاحبها كانا كافيين لإشباع الرغبة في السلطة التي كانت تعتمل في صدور أولئك الذين كانوا يدعون الحديث باسم الشعب. فهم لم يكتفوا بـ” الشعبوية البرجوازية”، بل فرضوا “رحيل البرجوازيين” (dégagisme des bourgeois) الذين قضوا جميعا (أو تقريبا)، إلى أن استبد الخوف بالقتلة ما أدى إلى وصول ديكتاتور إلى السلطة، استقبل بارتياح من طرف الناجين من المذابح.
رأينا هذا في عدة ثورات. فرغبة الشعوب في التخلص من نخبها لا تكتفي بتعويضهم بنخب أخرى مستخرجة من القالب نفسه. فالثورة هنا تشتغل مثل متفجرات بفتيلة بطيئة ولكنها تنفجر في آخر المطاف. وهذا إلى أن يأتي ديكتاتور فيعيد التراتبية الاجتماعية القائمة ويجعلها في خدمته.
واليوم، يمكن أن يعقب “الشعبوية البرجوازية”، الحاضرة في العديد من البلدان في أوروبا بالخصوص، “رحيل البرجوازيين”، ولكن ليس بالمقصلة، ولا بأزمة النظام لأن المؤسسة القائمة متينة، ولا بالقضاء، لأنه جدي أكثر من اللازم وبطيء الحركة في نظر المتلهفين العديدين. بل إن هذا “الرحيل” سيتم عبر سلطة خارجة عن المؤسسات، وهي واحدة من السلط القليلة التي تبقى للشعب –وهي من أفضلها وأسوئها على حد سواء- أي: الصحافة، ووسائل الإعلام عموما، وخاصة منها الوسائط الاجتماعية الجديدة.
عبر هذه الأخيرة سيأتي “الدمار المرح” لكل أولئك الذين يقربون السلطة، من قريب أو بعيد، والذين نصنفهم كـ”برجوازية ملعونة”، بأسباب وجيهة في بعض الأحيان، بالخصوص لما يتعلق الأمر بإدانة سلوكيات غير قانونية.
وهذا إلى أن يصبح “الجلادون” الجدد – كما حدث في الثورات الماضية- هدفا للضربات. وهذا يعني أن الصحافيين سيعتبرون آخر ضحايا الذعر الذي ساهموا في إطلاقه.
إن الدستور الأمريكي يمدنا بوصفة لتجنب هذا الأمر: تطبيق الفصل الصارم للسلط، مع الحرص الشديد على حرية الصحافة وحماية المواطنين من القذف والتشهير، والثقة في المؤسسات، والمؤسسات فقط، لمحاكمة الرجال وأفعالهم.
ترجمة: مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك برأيك