مفارقات المغرب السياسي – اليوم 24

مفارقات المغرب السياسي

  • المغرب.. إلى أين؟

  • عن الحكامة الأمنية الجيدة

تعني المفارقة “Paradoxe” معاكسة المنطق، أو “التعارض مع الحس العام”. والمفارقة عند تحققها واستدامتها في الزمن تُصبح مدعاة للقلق والارتباك، ووضعا مفتوحا على التساؤل والاستغراب. لذلك، من يتأمل مليا في الواقع السياسي المغربي، أي في ممارسات الفاعلين من داخل السلطة وخارجها، يصدمه حجم المفارقات التي تعتري الحياة السياسية وعمل المؤسسات، ويعيشها الناس ويكابدون آثارها كل يوم.
استوقفتني شخصيا، كما استوقفت آلاف الناس مثلي، مصفوفة من المفارقات في مغربنا السياسي، وهي في مجملها ليست مفارقات عَصية عن الفهم، بل، بالعكس، يمكن تشخيص مصادر تكونها، وتحديد سُبل تجاوزها، غير أنها، مع الأسف، ظلت مُستمرة تجذب المغرب إلى الوراء، وتُضعف إرادة تقدمه إلى الأمام، والأخطر قد تُعرض، إن هي استدامت أكثر، صورة المغرب، وما يسعى إلى مراكمة من إنجازات، إلى التقهقر ونزع الصدقية. لذلك، ليس في مصلحة أحد ديمومة المفارقات جاثمة على صدر واقعنا السياسي، وعلى الجميع، تحصينا للبلاد والعباد، تفكيك هذه المفارقات، وإعادة بناء ثقافة جديدة لمغربنا السياسي.
المفارقات كثيرة ومتعددة، أبدأ بما أراها بارزة وفاقعة، ولا تقبل الاستدامة في الزمن أكثر.
تتعلق المفارقة الأولى، التي لا يختلف حولها اثنان، بمجال أنجز المغرب فيه الكثير، لكن بقي له الكثير مما يجب إنجازه، أي حقوق الإنسان والحريات العامة. وشخص من جيل كاتب هذا العمود يلمس بموضوعية الانتقال الذي عرفه المغرب في هذا المجال، سواء من حيث الترسانة القانونية في شقها الوطني والدولي، أو على الصعيد المؤسساتي، أو من حيث السعي إلى نشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، والمصالحة مع القيم الكونية في هذا المجال. لكن، بالمقابل وهذا هو الوجه الثاني للمفارقة، مازال العنف والتعنيف وانتهاك حقوق الإنسان يطفو على السطح من حدث إلى آخر، وقد بدأ يتواصل مع ماضيه من جديد، بعدما اعتقد العديد من المغاربة أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وهي شبه فريدة في المحيط العربي، قطعت مع هذه الممارسة تماما. صحيح أن للحق صنوا هو الواجب، وللحرية شقيقة هي المسؤولية، وأن الممارسة لا تستقيم وتُصبح مقبولة وشرعية بدون هذه الثنائيات. لكن المفارقة تولد حين يواجه حق الاحتجاج المدني السلمي بالتعنيف، ويُضرب المتظاهرون بالعصي في أطراف من أجسادهم، وتكسر نظاراتهم، ويتعرضون أيضا للتعنيف اللفظي، وقائمة عينات هذه الممارسات طويلة. وهي ممارسات طالت كل فئات المجتمع وليست شريحة بذاتها.. تعرض لها الشباب، إناثا وذكورا، وكهولا، وذوي الاحتياجات الخاصة، وشملت أيضا رموزا وأسماء ساهمت في تسويق الصورة المتقدمة للمغرب في مجال حقوق الإنسان.. فهل يجوز بعد كل هذه الجهود، ومع وجود ثلاث جهات أو مؤسسات (المجلس الوطني والمندوب الوزاري ووزير حقوق الإنسان)، مُخصصة لموضوع لا يتطلب التقسيم والتوزيع على أكثر من جهة، أن نعجز عن فك عُقدة حقوق الإنسان، ونجعل من احترام هذه الأخيرة ممارسة مُصانة ولا رجعة فيها؟
تتعلق المفارقة الثانية بالتنمية بمعناها الواسع. فمن المعروف، كما أكدت ذلك الكثير من الأدبيات الدولية ذات الصلة، أن ثمة علاقة تلازمية بين الحرية والتنمية، وأن كلما توسعت دائرة الحرية وتعمقت ممارستها السليمة، كلما انعكس ذلك على التنمية. لنلاحظ مثلا كيف أن الدول التي يعيش مواطنوها حرية حقيقية، تتصدر مراتب التنمية في العالم، والعكس صحيح الدول الموجودة في ذيل الترتيب هي التي عز على أبنائها التمتع بنعمة الحرية. إن وجه المفارقة هنا يدفع إلى التساؤل لماذا يتراجع المغرب بانتظام في مراتب التنمية في العالم، على الرغم من جهوده المتراكمة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. لاشك أن العطب، كما أشرنا أعلاه، في صعوبة تكريس ممارسات سليمة للحقوق الإنسان والحريات، وإلا لكنا حققنا تقدما ملموسا ومتواصلا في سلم التنمية في العالم.
تخص المفارقة الثالثة مجالا حساسا وخطيرا، هو مجال التعليم والمعرفة. فالوجه الأول للمفارقة أن المغرب يعد من بين الدول التي يلتهم التعليم الأولي والثانوي رُبع الموازنة العامة أو أكثر بقليل، وللتعليم العالي نصيبه هو الآخر، غير أن وضع بلدنا في مراتب التعليم في العالم يتزايد في التراجع، وجامعاتُنا فقدت الكثير من بريقها وسمعة قيمها كمؤسساتنا، على الرغم من الجهود الشخصية التي يبذلها الكثير من أعضائها الأكاديميين.. ونعود فنقول إن نجاح التعليم وتراكم المعرفة ورقي الجامعات، هي متطلبات مرتبطة أولا وأخيرا، بتوطين قيمة الحرية وصيانة الحقوق، والقطيعة مع الحط من كرامة الإنسان.
في بلدنا وفي واقعنا السياسي تحديدا الكثير من المفارقات التي ليس لنا من خيار سوى القطع معها، والاندفاع بلا رجعة نحو تكريس ثقافة احترام الإنسان، وتوفير شروط إحساسه بهذا الاحترام ووعي قيمته في تعميق ولائه للوطن بوصفه إطارا للعيش المشترك لكافة المغاربة، وليس لجزء منهم.

شارك برأيك